; صلاح شادي يروي تاريخه في جماعة الإخوان المسلمين لمجلة المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان صلاح شادي يروي تاريخه في جماعة الإخوان المسلمين لمجلة المجتمع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1978

مشاهدات 96

نشر في العدد 394

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-أبريل-1978

كانت تجربة رائدة تلك التي مرت بي سنة 1943، إثر بيعتي للإمام الشهيد حسن البنا بعد لقائي معه في ليلة السابع من رمضان في مركز كفر الزيات... فقد كنت أعمل ضابط شرطة بنقطة صفط الملوك بمركز إيتاي البارود.. وكنت متزوجًا حين ذاك.. رضي النفس بزوجتي وابنتي التي كانت تبلغ قرابة العامين وقتئذ.. وكنت قانعًا بدنياي هذه لإدراكي أني قد حزت الدنيا بأسرها.. زوجة تشدني إلى البيت، وابنة وضيئة أضافت إلى أمن البيت سحرًا جديدًا زادني تعلقًا به، فضلًا عن رضائي عن عملي كرئيس لنقطة بوليس حسنة المسكن، سهلة المواصلات، يأمل كثير من الضباط مثلي في العمل بها.

ولم تكن في حياتي آمال تبعدني عن الحرص على هذه السعادة التي تحققت في دنياي.. حتى أحلام المجد -التي تطالع الشباب في هذه الرحلة من مراحل العمر- كنت أجدها جهدًا ضائعًا وزيفًا ورياء؛ لأن الوصول إليها من خلال أوضاع المجتمع الذي كنا نعيش فيه كان أبسط ما يقدم في سبيله فقدان القيم التي توارثناها، ولم أكن متدينًا بالمعنى الصحيح؛ فقد نشأت في أسرة تفرض الصلاة على أبنائها وترعى سلوك أفرادها بالحفاظ على قيم موروثة أكثر من الحفاظ على أمر الله!

ومع ذلك فقد أسلمتني هذه الرعاية -على ما فيها من دخل- إلى لون من الحرص على حرمات الأخلاق ترفعًا لا تدينًا، واستكبارًا على المعاصي حياء من النفس أكثر من الحياء من الله!

وفي هذا المناخ الذي كان يعيشه أحسن الشباب أخلاقًا تعرفت بحسن البنا مرشد الإخوان المسلمين.. وبالرغم من أنني ذهبت متثاقلًا إلى الحفل الذي كان يقيمه الإمام الشهيد في إيتاي البارود؛ رعاية لحق صديق كنت أستضيفه في هذه الليلة واضطرني إلى الذهاب معه للقاء الرجل.. إلا أنني شعرت أن حديث حسن البنا عن الإسلام لم يكن كحديث رجال الدين الذين كنت أسمعهم حينذاك.. فقد كان يعرض جوهر الإسلام في بساطة لا تعدلها بساطة؛ فمثلًا سمعته في تلك الليلة يقول: «... مشكلة المرأة التي عجز الغرب عن أن يضعها في موضعها؛ فتارة يقدمها وتارة يؤخرها، واستحى الشرق من أن ينصفها.. نجد حلها في كتاب الله في هذه الآية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ َلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (البقرة: 228) البيت المسلم شركة.. بين الرجل والمرأة.. ولا بد للشركة من رئيس هو الزوج بحكم خلقته وفطرته وكسبه.. رئاسة بالمعروف، لا سيادة بالأكف والسيوف.. ولكن المرأة الغربية اليوم يقدمها الرجل في الحفلات ويجعلها تسبقه في البروتوكولات استمتاعًا بفتنتها؛ لا رعاية لحقها، بدليل أنه إلى وقت قريب لم تكن المرأة في فرنسا تملك حق التصرف في مالها.. وكانت تعتبر متاعًا مملوكًا للرجل».

ويتحدث عن مشكلة الفقر، وعن حق الفقراء في مال الأغنياء، ويردد الآية التي تحل لنا هذه المعادلة الصعبة فيقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (المعارج: 24، 25). ثم يركز في شرح هذا الحق الذي أنزله الله في كتابه فلم يجعله فضلًا.. وإنما قرره حقًّا.. من ضيعه فقد ضيع حق الله، وثلم ثلمة في دينه.

• وهكذا شدني الرجل إليه وبايعته في الليلة الثالثة للقائي معه في مركز كفر الزيات بعد ثالث حفل رأيته فيه. 

واستيقظت للمرة الأولى لحقيقة الدور الذي يجب أن أؤديه في الحياة كضابط شرطة..

وكانت بيعتي من الرجل بسيطة عميقة، روتها دموع الندم على عمر ضاع، وجددها عزم شاب أدرك حقيقته في الوجود ورسالته نحو الناس، فقد عاهدته على العمل لجعل شريعة الله هي الهدف الذي أسعى إليه في حياتي، وأن أتحاكم إليها في عملي في ولاية الناس.. وأن أسعى إلى النهوض بتبعاتها وأدعو من حولي إلى الإيمان بها.

وكأن قلبي قد هده الشعور بالفراغ بعد لقائي مع الرجل، وشعرت بضآلتي لانحباس طاقتي داخل جدران بيتي بين أحضان الزوجة والولد.. إلى أن وجدت ضالتي أخيرًا في أحضان الدعوة إلى الله ودعوة الناس إلى المعرفة والسلوك بهم إلى التحاكم بكتاب الله.

• وكانت النقطة التي أعمل بها تضم عشر قرى، وغالب أهلها فقراء، وأرضها تابعة لأرض الخاصة الملكية؛ أي تفاتيش فاروق الملك الذي خلعته حركة 23 يوليو 1952م، وكانت تجري في هذه القرى الكثير من المظالم التي كان الضباط عادة يتحملون تبعاتها..

فلم يكن يسيرًا علي أن أقول للناس: إن الذي بيني وبينهم إنما يقوم على الحق والعدل والاستقامة على منهاج الله.. «وأن القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له».. فقد أسلمني هذا القول إلى أزمات عنيفة عشتها في أحضان الحق وأنا عاجز عن تحقيقه، إلا بفضل الله الذي كان يأتيني في آخر رمق ليحقق قول رسوله صلى الله عليه وسلم راويًا عن رب العزة: «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن جاءني يمشي أتيته هرولة...».

وكان أول شيء صنعته أني جمعت العمد والمشايخ في البلاد العشر التي تتكون منها النقطة وقلت لهم: إن هدفي الذي يجب أن نلتزمه ونتعاون على تحقيقه هو إطعام الجائع وكسوة العاري وإعانة المحتاج.. وأخوة في الله.. ونصرة المظلوم.. وأول ما أبدأ به نفسي.. فلن أكلفكم ما لا تطيقون.

وكنت تأتينا أوامر المديرية بتوزيع تذاكر حفلات تقام في بندر دمنهور للمغنيين والراقصات، تكلف العمد الكثير من المال، يتقاضونه بدورهم من الناس بفرض مبلغ معين على كل بيت من بيوت القرية.. وكثيرًا ما كان يتكسب أهل النفوذ من هذا الوضع.. ولقد عانيت كثيرًا حين أعدت هذه التذاكر إلى المديرية من غير توزيع في كل مرة ترسل إلي لتوزيعها.. عانيت من سخرية الرؤساء باتهامي بضعف النفوذ، وأني «مش ضابط ملحلح».. وأني غير صالح للإدارة.. ولم يمنعني ذلك من إبلاغ العمد والمشايخ بسقوط هذه الضريبة عنهم وعن أهل البلد.. ولكني أطالبهم بدلًا منها بأن لا أجد عاريًا أو جائعًا أو محتاجًا في القرية.. وكنت أجمع أهل القرى أثناء مروري في الدوريات لأعلنهم بهذا النبأ.. وأطلب من المحتاج منهم الذي لا يجد الرعاية من العمد أن يأتيني في النقطة لأحقق له حاجته..

• وبدأ الناس ينظرون إلى النقطة بمنظار جديد.. فبدلًا من أن تكون النقطة مثار تخويف وإرهاب، أصبحت مصدر أمن وهداية وإرشاد.. وأقبل الناس يطلبون الغذاء والكساء والأمن من الموطن الذي كانوا يرونه مبعث الرعب والعري والجوع!

وكانت تتحقق طلباتهم دائمًا بغير عنت أو إرهاق رغبة لا رهبة، وحبًّا وكرامة ليس فيها ذل السؤال.

وجاءني أحد المفتشين للتفتيش على حوادث النقطة بعد مضي سنة من هذا التجديد في منحي الإدارة.. وأدهشه أن يرى انخفاض نسبة حوادث الجنايات والجنح عن نسبة السنة الماضية، حتى لقد ظن أن كاتب النقطة لا بد وأن يكون قد أهمل تسجيل الحوادث في الدفتر المنوط به تسجيل الحوادث فيه.

ولكن.. كان الأمر خلاف ذلك.. فالجديد فقط أن قوة الأمن في هذه النقطة كانت ترعى حقوق ربها بصدق، فهداهم الله إلى رعاية حقوق الناس بعزم.. كنت أجد أثره في التوفيق الذي كان يلازمهم في فض المشاكل وقطع دابر الفتن..

وأرسل المفتش بعد ذلك تقريرًا عجيبًا يشرح فيه خصائص هذه التجربة الرائدة، وكتب الإمام الشهيد قصة هذا المفتش في مجلة الإخوان المسلمين التي كانت تصدر حينذاك، ودعا إلى ضرورة تغيير مجتمعنا بإقامة أركانه على شرع الله، جاعلًا من هذه القصة واقعًا يحتذى وحقيقة جديرة بالبحث وراءها والنفاذ إلى جذورها..

• وأذكر من ذلك حادثًا ما زلت حتى الآن أستروح فضل الله علي فيه.. ففي ظهر أحد الأيام أبلغت النقطة أن إحدى السيارات الملاكي قد صدمت أحد الفلاحين البسطاء وأصابته بإصابات بليغة في رأسه في الطريق الزراعي مصر- الإسكندرية وتركته ينزف، وهرب السائق بالسيارة، إلا أن نقطة المرور التي بجوار نقطة البوليس تمكنت من التقاط رقم السيارة..

ودونت المحضر وسألت شهود الحادث.. وأرسلت المصاب إلى بندر دمنهور للعلاج في مستشفاه العام.. وطلبت من مرور المديرية إرسال بيانات عن السيارة صاحبة الحادث واسم صاحبها.. وطلبت من بندر دمنهور القبض على السائق وإحضاره للنقطة أو استجوابه، وإرساله مقبوضًا عليه لنيابة إيتاي البارود..

وانتظرت أيامًا ولم يصلني المحضر أو أي بيانات عن السيارة، وساءت حالة المصاب وأجريت له جراحة في عظم الرأس مما سبب له عجزًا في النطق والحركة.

وتوقعت في الأمر شيئًا غير عادي.. فأرسلت من يستعلم عن صاحب السيارة؛ فإذا بها تخص أحد الكبراء الذين يمتون إلى الحزب الحاكم بصلة النسب!

ولم تلبث الإشارات الهاتفية أن توالت على النقطة تشكك في رقم السيارة، بدعوى أن النقطة قد أرسلت تبلغ عن رقم سيارة هذا الكبير مما جعل بندر دمنهور يتوقف عن سؤال هذا الكبير في محضر وإرساله للنيابة!

وأدركت أن هذه محاولة تشكيك، والمقصود منها جعل القاضي ينظر إلى الموضوع بريبة قد تدعوه إلى عدم الحكم على صاحب السيارة.. حيث إن الشك دائمًا يئول لمصلحة المتهم.

وفي مساء أحد الأيام وقفت سيارة فارهة أمام النقطة ونزل منها أحد المواطنين وعرفني بنفسه، فإذا به هذا الكبير الذي صدم الفلاح المسكين.

وأخبرني بأنه هو الذي صدم هذا الفلاح فعلًا، وأنه هرب بسيارته لأنه خشي على نفسه تكاثر الناس عليه واحتمال إيذائه، وأن أصدقاءه في بندر دمنهور وفي المديرية يحاولون بطرقهم الخاصة حفظ القضية بالنسبة له، ولذا ينصحني ألا أحاول تفتيح الأبواب التي تدينه.. فنصحته بدوري أن يذهب إلى نيابة إيتاي البارود ويبلغ وكيل النيابة بما حدث، ثم يعالج المصاب الذي صدمه بسيارته ويحاول إرضاءه، فإذا عرضت القضية على القضاء وجد القاضي مخرجًا لتخفيف الحكم عليه..

ووعد بذلك فعلًا، وخرج من عندي -كما بدا لي- مقتنعًا بما أقول، ولذلك دونت مذكرة بهذا اللقاء وأرسلتها إلى نيابة إيتاي البارود.. ثم لم يلبث أن انقلب الوضع.. فبدلًا من أن تثبت إدانة المتهم.. أصبحت أنا متهمًا بعدم الفحص والتنقيب، حتى لقد حضر إلى النقطة مساعد الحكمدار في يوم عطلة الجمعة وطلب من عساكر النقطة عدم إبلاغي بمقدمه، وذهب فورًا إلى عامل التليفون «وكان رجلًا ورعًا يخاف الله» مهددًا إياه بالويل وعظائم الأمور إن لم يعلمه خطأه في التبليغ برقم سيارة الكبير التي صدمت هذا الفلاح المسكين.

وأبلغني أحد عساكر النقطة بمقدم مساعد الحكمدار، وكان مسكني فوق النقطة.. فارتديت ملابسي بسرعة ونزلت إلى النقطة لأجد المساعد يهدد عامل التليفون ويلكزه بيده بعنف صارخ، والرجل لا يجد في لسانه ما يقوله سوى: «حرام عليكم... هو اللي يقول الحق يندق!».

وعندما دخلت الحجرة استحى المساعد أن يستمر في هذه المهزلة فترك يد عامل التليفون واتجه إلي، فسألته عن الموضوع فأجابني بأن عامل التليفون زور الإشارة الخاصة بالسيارة، وأن السيارة التي صدمت هذا الفلاح ليست سيارة الكبير!

فلم أشأ أن أتحدث إلى مساعد الحكمدار أمام عامل التليفون الذي صرفته، وأغلقت باب الحجرة..

وراب المساعد هذا السلوك مني ففتح باب الحجرة ثانية، واستدعى عامل التليفون، وهددني بقوله: «أنت بتمنعني من التحقيق؟! فأجبته: لا يا سيدي المساعد، أنا بامنعك من التزوير!».

وهنا نهض المساعد «واقفًا وجمع أوراقه، وهددني بقوله أنه سيبلغ أمري إلى مدير المديرية! وأن جزائي سيكون شديدًا».

وأصاب الغم والحزن والألم جميع أفراد قوة النقطة من الصف والعساكر، وعلمت قرى النقطة بالحادث، وأن قوى الحكومة بما فيها الحكمدار ومساعدوه وسلطات الأمن كلها ترتكب جريمة تزوير لتمنع مجرمًا من الوصول إلى يد العدالة؛ لأن غريمه فلاح مسكين لا يملك قوت يومه.

وشد أعصابي هذا الحادث، وعصفت بي أزمة أليمة.. فكيف لا يجد أصحاب الحق عونًا.. بينما الدنيا كلها تخدم الباطل وأعوانه؟!

ومضت خمسة أيام طلبت بعدها لمقابلة المدير.. وذهبت أولًا للحكمدار الذي استقبلني ببرود شديد وهددني بقوله: «إزاي تعمل كده؟» واسمك لسة مكتوب بالرصاص.. أنت لسة ما اتثبتش». ثم قادني فورًا إلى غرفة المدير.. ودخل وتركني وانصرف!

وسألني المدير في بساطة وبغير عجرفة أو تكلف: هل صحيح منعت مساعد الحكمدار من التحقيق؟ فأجبته على الفور: «أنا منعته من التزوير فقط يا سعادة المدير».. فرفع وجهه مندهشًا.. وكيف ذلك؟

- أولًا: أنا كنت أرجو أن أحضر إليك غير مثقل بأعباء الحق الذي ينوء به كتفي الصغير. وأنا ملازم حديث، اسمي مكتوب بالرصاص كما يقول سعادة الحكمدار.. ولكن أن أقف هكذا أمام هذه القوى الهائلة من الرئاسات والمرئوسين لأني لم أجامل مع الحق أحد الكبراء.. فأمر أخشى أن يسلمني إلى الزلل في مستقبل أيامي!

وأثار هذا الحديث انتباه المدير.. الذي لم يكن يعلم تفاصيل الأمر على الإطلاق.. وشرحت له الموضوع.. وما انتهيت من شرحي إلا وأنا أسمعه يقول وأنا لا أكاد أصدق أذناي:

«أنا يشرفني وجود ضابط زيك في المديرية».. وانسكبت الدموع من عيني واستحييت أن أكون عند الله بهذه المنزلة!

وكانت بيد المدير مذكرة مساعد الحكمدار التي ادعى علي فيها الأباطيل، فإذا به يمزقها ويقول: «أنا مقتنع بصحة ما تقول بدون الرجوع إلى أحد!».

وخرجت من حجرته لا تكاد تحملني قدماي، ليقودني الباشجاويش المعين على مكتب الحكمدار لمقابلته ثانية بناء على سابق تعليماته!

وأدخل إلى «غرفة الحكمدار» واجمًا.. فيظن أن المدير لا بد قد فصلني من الخدمة أو وقع علي جزاء صارمًا.. فيطيب خاطري ويقول: «أنا مش عارف تعمل الحكاية دي إزاي في مساعد الحكمدار!.. على العموم أنا راجع للمدير أترجاه علشانك.. وبالمناسبة جازاك بإيه؟».

وظللت واجمًا وأنا أجيبه: «جازاني بأنه قطع المذكرة اللي كتبها المساعد ضدي».

وبهت الحكمدار وأسقط في يده، وظن أن ورائي سلطات كبيرة دعت المدير إلى هذا السلوك.. فدعاني إلى الجلوس.. فرفضت.. فألح.. فقلت له: «أنا كنت فعلًا في حاجة إلى الجلوس عند سعادتك أول ما حضرت، ولكنك قابلتني ببرود بالرغم من شدة الموقف الذي كنت مقدمًا عليه.. أما الآن فأنا في حاجة فقط إلى الانصراف من أمامك».

وانصرفت عائدًا إلى النقطة.. وظن الجميع أنه لا بد وأن يكون ظهيري الملك ما دام المدير يقف هذا الموقف من صهر رئيس الحكومة!

أما عساكر النقطة وعامل التليفون والبسطاء من أهل القرية فكانوا وحدهم يدركون أن ظهيري ليس سوى الله وحده!..

... وغنمت كثيرًا من ممارسة هذا السلوك الجديد كضابط شرطة، ووسعتنا فطرة الناس بالرضا والقبول والمودة.. وبدأ الرؤساء يألفون معي لونًا من السلوك لا يحادثني أحد فيه بباطل أو يدعوني إلى الاستمساك بغير الحق...

• ولكن.. كان هناك صراع آخر ينتظرني.. صراع داخلي.. مسرحه البيت.. فداخل هذه الجدران كانت إحدى إماء الله تشهد انصراف زوجها عنها في الحقل الجديد الذي يعيش فيه!

فماذا خبأت الأقدار لهذه الزوجة التي ما كانت تطيق غياب زوجها عنها ساعات قلائل؟!

كان لا بد لقلبها أن ينصهر في نور الرسالة ليحمل بعد ذلك تبعات عشرين عامًا متواصلة غاب عنها فيها زوجها.. وكان عليها أن تتم رسالته في بيته.. نحو أولاده.. بل ونحو جماعته أيضًا التي ينتمي إليها...

وهذا موعدنا في قابل الأيام نسطر للحق طرفًا مما حملته المرأة من أعباء الرسالة في تاريخ هذه الجماعة...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1639

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1442

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1