العنوان صلاح شادي يروي للمجتمع تجاربه مع الإخوان المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 87
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 13-يونيو-1978
2- مع المعتقلين في الطور
ما زال يشدني الحديث عن تلك الفترة التي عشتها في كنف الدعوة كضابط بوليس إثر ذهابي إلى القاهرة بعد أن أسند إلي الإمام حسن البنا العمل بقسم الوحدات الذي شرحت ظروفه في عدد سابق وشرحت معه صلتنا بعبد الناصر وقصة الضباط الأحرار أقول ما زالت تشدني أحداث الأمس التي عشتها في الطور كضابط بوليس منتدب للعمل مع المعتقلين من أرباب السوابق من المجرمين العاديين لمدة شهرين ونصف الشهر كانت هي الفترة التي يتناوبها ضباط البوليس من كافة الرتب للعمل في هذا المعتقل.. وكنت وقتئذ أعمل برتبة ملازم أول في بلوكات نظام الأقاليم كما كانت تُسمى حينذاك..
وذهبت إلى السويس للسفر منها إلى الطور ومعي أربعة ضباط اثنان برتبة الملازم وثالث برتبة اليوزباشي والرابع برتبة -الصاغ- الذي كان يرأس الطاقم الذي جاء ليتسلم المعتقل من الضباط السابقين إثر أحداث أليمة جرت بين طاقم الحراسة القديم وبين المعتقلين من أرباب السوابق انتهت بفاجعة أليمة قتل فيها ما يزيد على عشرة من المعتقلين بدعوى التمرد والرغبة في الهروب..
وضمتنا باخرة واحدة –الضباط الجدد- فلم يكن أحدنا يعرف الآخر إلا عند أول لقاء لنا في الباخرة التي نقلت الطاقم الجديد من السويس إلى الطور وكانت فرصة ليلة واحدة تناولنا فيها بالحديث طرفًا من الوقائع التي جرت مع الطاقم الذي جئنا لنحل محله..
وكلنا كان يتوجس خيفة من الجو الذي سنقدم عليه إثر هذه الأحداث التي ذكرتها وكان الشعور الذي يملأ قلوب الإخوة الضباط هو شعور بالتحدي لهؤلاء المعتقلين الذين يعيشون خلف الأسوار.. بالرغم من إجماع الضباط بناء على الوقائع المروية على تسرع قائد المعتقل في إطلاق النار وفي إيصال الحال إلى ما وصل إليه من سوء..، قتلى وجرحى عزل من السلاح لم يقصد أحدهم الهرب وإنما كانت مشادة عادية بين رئيس المعتقل وأحد المعتقلين انتهت بهذه الكارثة..
ولم يجد رئيس المعتقل سببًا يعزو إليه أمره بضرب النار إلا دعوى محاولة الهرب..
وبالرغم من شعور طاقم الضباط الجديد بالظلم الذي لحق بهؤلاء المعتقلين إلا أنه أدهشني منهم تحفزهم لمواجهة الموقف بالتحدي والمبادأة بالعدوان بدعوى عدم ترك الفرصة للمعتقلين بالشعور بضعف طاقم الضباط الجدد أمامهم..
وجرى بيني وبين الضباط الجدد حوار حول معنى الرحمة التي تلازم رسالتهم في إصلاح النفوس وحول معنى العدل الذي يجب أن نأخذ به أنفسنا نحو المعتقلين بعد هذه الكارثة الأليمة.. ولكن دون جدوى فقد كانت قاعدة التعامل التي تشربت بها نفوس الإخوة الضباط هو القهر ما دامت القوة بيدهم والضعف والحيلة إذا عجزوا عنها..
ولكن.. كانت هذه المنافسة سببًا في أن يسند إلي مسئولية أمن المعتقل بالأسلوب الذي أراه..
وكان امتحانًا قاسيًا لي كضابط يتولى أمن المعتقل بعد الدماء التي خاضتها أقدام الضباط القدامى.. وفي نفس الوقت كانت محنة قاسية لي كصاحب دعوة أخذ نفسه بأسلوب السر والعلن ويحاول أن يؤدي دوره الراعي العادل الذي يخشى الله في وسط هذه الجموع الغفيرة من المعتقلين بآثامهم وشرورهم التي يحملون أوزارها وتشاركهم فيه سلطات الأمن قبل وبعد اعتقالهم..
.. وكان علي أن أنظم حراسات المعتقل.. المكون من جملة حذاءات كما كانت تسمى وقتذاك وهي شبه معسكر محاط بسور سلكي شائك يضم المعتقلين من كل مديرية أو محافظة كما تسمى الآن..
وأمام كل حذاء قوة من الجند مسئول عنها أحد الضباط ومسئول كذلك عما يدور داخل الحذاء من مشاكل ومنازعات.. وفي أحد الأركان المتطرفة من هذا المعسكر الكبير الذي يضم هذه الحذاءات كان هناك سجن صغير مكون من عدة زنزانات يودع فيها الأشخاص الذين يرتكبون حوادث جنائية داخل المعتقل... وإلى جواره عنبر فسيح معد لإقامة المنتظر ترحيلهم من المشتبه في صحة قواهم العقلية او المعقورين المشتبه في إصابتهم بداء الكلب ليرحلوا إلى القاهرة..
وكان علي أن أنظم قوة الجند المنوط بها حراسة الحذاءات لمراعاة عدم خروج أحد من المعتقلين خارج السلك الشائك الذي يحيط بالمعسكر حسب التعليمات الصادرة بعد الأحداث الأخيرة...
وكان الأمر يسيرًا لأن الحذاءات مغلقة الأبواب ولا يلزم سوى تعيين عدد من الجنود على كل ضلع من أضلاع الحذاءات... ومثلها على الباب الرئيسي لكل حذاء.
ولكن كانت المشكلة هي حراسة السجن المبنى أو الذي يقيم به فقط أحد المعتقلين ذوي النفوذ في داخل المعتقل وخارجه.. فلم يكن يقبل إغلاق باب الزنزانة عليه، ولم يكن في استطاعة أحد أن يجبره على ذلك بالرغم من جدة الأحداث التي انتهت بقتل مجموعة من زملائه..
كان -ريان- وهو اسم ذلك المعتقل- فارع الطول ضخم الجثة بصورة مذهلة ومع ذلك كان له وجه طفل...
وكانت حوادثه التي اشتهر بها والمدونة في الدوسيه الخاص به في إدارة الأمن العام توحي بفظاظة قلب هذا المجرم العتيد.. حتى أن أوراقه في إدارة الأمن العام تروي أنه استدرج أحد أعدائه إلى ماكينة مياه خارج إحدى القرى وقذف به في داخل الفرن الذي توضع فيه الأحطاب والوقود. ثنى نصفه الأعلى على نصفه الأسفل هذا السجين وكان معي جاويش وأومباشي من قوة الجند القديمة وقذف به في داخل الفرن.. وكان علي أن أتم جولتي في أول يوم لتعيين الحراسة اللازمة علي نصحاني بالابتعاد عن هذا المجرم وعدم التعرض له أو إجراء أي محاولة لإغلاق الزنزانة عليه..
وذهلت من هذه المفارقة في القسوة والظلم التي أطاحت بعدد كبير من المعتقلين وبين هذا الجبن حتى عن تنفيذ اللوائح العادية، وإذًا، فلم تكن مذبحة المعتقلين رعاية للقانون.. وإلا لما أهدرها -ريان- هكذا أمام أعين المسؤولين.
ولا أكون مغاليًا إن قلت برضائهم.. ولم يكن هناك بد من الذهاب إلى ريان وإغلاق باب الزنزانة عليه. وذهبت إليه.. وألقيت عليه السلام فرد التحية بطرف لسانه، وظل جالسًا على مقعد إلى جوار فراشه، ولم يزعجني أسلوبه فقد وطنت الخاطر رغبة مني في إيجاد الثقة بيني وبين المعتقلين..
شهامة المضيف إذا جاءه ضيف.. فانتفض واقفًا وهو يقول: معلش يا بك اللي قبلكم –مشيرًا إلى طاقم الضباط السابق- مخلوش فينا خير، لحد.. اتفضل اقعد يا بك.. وبادرته بالعقاب.. ونهض من مقعده وقدمه إلي.. وجلس هو على فراشه. وأحسست بالنجاح في أول فرصة مارستها للعمل بكتاب الله ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:34).
وبدأت حديثي معه معتذرًا لا عن الحادث الأليم الذي أقام هذا الحاجز بينه وبين الضباط مشيرًا إلى أن الأسلوب الأمثل بين الضباط والمعتقلين ليس إهدار إنسانيته وإنما إحياؤها وإقامتها.. وفاجأني بالرد في جفاء قائلًا –كلكم بتقولوا كده.. لكن بتعملوا غير كده.. وأجبته في هدوء: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون-.. وأنت أيضًا تقول غير ما تعمل.. وتحاول أن تكون فاضلًا ولكن تدفعك نوازع الشر فتأتيه.. وكلنا يجب أن ينصح أخاه.. أنت تنصحني فيما يعنيني وأنا أنصحك فيما يعنيك.. وربت على كتفه مسترسلًا لا فارق بيني وبينك إلا عند الناس أما عند الله. فمن يدري.. فلعلك تبت إلى الله توبة أحرقت كل سيئاتك وجعلتك أقرب إليه مني.. من يدري؟..
... وبدت الدهشة على وجهه.. ولكنه استمر في عناده قائلًا –ومين قال لك إني عايز أبقى راجل صالح... وأتوب؟..
وأجبته على الفور.. وجهك.. خلقه الله في طهر وبراءة الأطفال.. ولا بد أن يكون لباطنك نصيب من الظاهر.. لا أحد يخلو من الخير.. وأطرق الرجل برهة.. ثم رفى إلى رأسه.. واختفى طابع التحدي الذي كان يبرق في عينيه ورأيت بدلًا منه نظرة حزينة تنبئ عن انكسار وأسف وتساؤل قائلًا: ربنا يغفر لي؟ يغفر لي إيه ولا إيه؟ -في يأس- يا عم اقفل الباب ده وخلينا في حالنا. وأجبته فورًا.. أنا حضرت خصيصًا لأفتح هذا الباب عليك ولا أغلقه أبدًا وهذه رسالتي معك..
وابتدرني بسرعة متسائلًا.. هو أنت ضابط ولا واعظ؟.. وأجبتته أيضًا على الفور –الإسلام ما فيهش ضابط أو واعظ.. فيه مسلمين فقط- دور كل مسلم رعاية أخيه والأخذ بيده وإيصال كلمة الله إليه في أي موضع كان فيه كلاهما ضابطًا أو معتقلًا حاكمًا أو محكومًا...
واستغرقني الحديث معه ساعتين أو أكثر فقط كان يائسًا من الناس ومن الله وبدأت أقهر يأسه مستعينًا بآيات الله التي تبشر المؤمنين.. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:186).
وبدأ قلبه ينفتح لي.. ورأيت بواكير يقظة قلبه حين أمسك بيدي بعد أن انتهيت من الحديث معه أمسك بها يقبلها وهو يقول –يا شيخ الكلام اللي بتقوله حلو.. لو كل الناس زيك ما كانش فيه سجان ولا مسجون- وودعته بغير أن أطلب منه شيئًا.
فقد كان يدرك بفطنته أن نظام الحراسة يقتضي إغلاق الباب..، وكرهت أن يظن أن فتحي لمغاليق نفسه كان فقط لتحقيق هذه الجزئية التافهة من عملي بإغلاق الباب عليه. ومضيت إلى العنبر المجاور.. عنبر المشتبه في قواهم العقلية وإن كان غالبهم يتظاهر بالجنون حت يتسنى له الذهاب إلى القاهرة لحين الكشف عليه ليمكث بها حتى يمكنه رؤية أسرته والبعد عن هذا المنفى الذي تهدر فيه آدميته.. مهما كانت نتيجة الكشف الطبي بعد ذلك.. ودخلت العنبر وكان الضجيج والصراخ يملآن الآفاق وإذا بأحد المعتقلين يجري من أول طرقة العنبر متخيلًا نفسه. قطار ويخرج من فمه صوت صفارة القطار ودوي عجلاته. حتى إذا قارب نصف العنبر رجع من حيث بدأ ثم يعاود الكرة مرة بعد مرة وفي كل مرة يقترب مني شيئًا فشيئًا بينما أنا أتحدث إلى زملائه سائلًا كلًا منهم شكواه.
وكنت أتوجس شرًا من هذا المعتقل أو تصورت أنه إنما يعني من وراء هذه الحركات أن يقترب مني ويصطدم بي.. حتى إذا وقعت أو وقعت قبعتي مثلًا يكون ذلك إيذانًا بإهدار كرامة طاقم الضباط القادم... وتبدأ ملاحم العدوان بين المعتقلين والإدارة من جديد..
وتوقف فكري عن العمل حين حدث ما توقعت وجرى إلي بسرعة ورفع يداه محاولًا ضربي على رأسي.. كنت مستبعدًا أسلوب العنف تمامًا في نفس الوقت حريًصا على ألا أمكن هذا المجنون أو متصنع الجنون من إهانتي وإلا تغيرت السياسة التي اتفقت مع الضباط على المضي بها..
وشل تفكيري عن المضي في إنقاذ الموقف وتسمرت قدماي.. ووقفت لا أحرك ساكنًا ولشدة ذهولي.. رأيت من يرفعه من وراء ظهري وكأنه لعبة خشبية.. ثم يقذف به بعيدًا إلى ركن العنبر.. وصرخ الرجل متمًا تمثيليته كما لو كان القطار قد توقف..
وكان ريان وراء هذا الإنقاذ الرباني الذي أتاني في اللحظة الأخيرة في حين هم هذا المعتقل يرفع يده ليهوي بها على رأسي ويبدو أن ريان كان يتوقع ما سيحدث فمضى على إثري بعد أن تركته في غرفته ليرفع ما يمكن أن يلحقني من إيذاء في عنبر المجانين.. وشكرته بكياني كله.. معبرًا بيدي وفمي وخرجت من العنبر بعد أن سكن الضجيج تمامًا بعد هذا الحادث ووقفت طويلًا أمام الباب لأتم الإجراءات الشكلية في تعيين الحراس للمرة الأولى على أرض الحقيقة والواقع.. قد كان كل شيء يتم فقط على صفحات الدفاتر بدون أن يكون للحراسة الحقيقية أثر في هذا المكان..
وملأت صور ريان مخيلتي وأنا أخطو خارج العنبر.. فقد كان هذا السلوك منه أكبر من أن يوصف.. وكان لتدخله في اللحظة المناسبة أثره الفعال في منع كارثة جديدة تزيد الهوة بين الضباط والمعتقلين..
ولكن زادت دهشتي وأنا أسمع ريان بعد أن ذهب إلى غرفته ينادي الشاويش ويقول: تعالى يا شاويش اقفل علي باب الزنزانة.. وذهب الشاويش ليغلق عليه باب الزنزانة للمرة الأولى...
أجل..
لم تهزه شوكة السلاح ولم تغلبه رهبة الحراس ولكن.. قهرته رحمة المودة.
وهكذا أغلقت أبواب السجن في الطور لأول مرة.. لا بيد الحراس ولكن بأيدي المعتقلين أنفسهم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل