العنوان صناعة الرأي العام
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 48
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 66
السبت 11-أغسطس-2001
عرفت جميع النماذج الحضارية ظاهرة صناعة الرأي العام - بدرجات متفاوتة - وقبل تناول النموذج السائد الآن نذكر بنموذج أصيل هو نموذج الحضارة ذات الطبيعة الدينية أو ما يطلق عليها الحضارة المتعدية للنواحي السياسية -Trans polit ical civilization والتي عرفت عملية صناعة الرأي العام على نحو مختلف كأحد مستويات بناء البشر المؤمنين أصحاب الرسالة.
الحضارة المتعدية للنواحي السياسية أحد المفاهيم التي عرفتها تقاليد التحليل السياسي المعاصر، ويمكن أن نسميها - لإزالة غموض المفهوم - بالحضارة فوق السياسية، أو الحضارة المتعددة الجوانب إشارة إلى أن السياسة تعد أحد جوانبها ولكن محورها أوسع من الظاهرة السياسية البحتة كعلاقة بين الحاكم والمحكومين فهي في أحد تطبيقاتها تعرف السياسة بمعناها العربي الإسلامي الإصلاحي الشامل معبرة عن مثالية عقدية تتفاعل فيها الأوامر المنزلة مع النماذج السلوكية للحياة المدنية، بمعنى أن المجتمع عليه أن يلتزم في سلوكياته ويتقيد بتلك الأوامر والتعاليم المنزلة، وتُعد العلاقة بين المواطن والسلطة السياسية الحاكمة امتدادا لذلك بحيث يصبح الحاكم خليفة في أرض الله، ويُناط تحقيق القيم الدينية بالأدوار التي تقوم بها السلطة السياسية الحاكمة ويقوم بها المجتمع سواء كانت أدوارًا إعلامية، أم عقدية، أم حضارية أم دعائية... إلخ وبحيث تتقيد بها السلطة السياسية الحاكمة تماماً كما يتقيد بها الأفراد سواء في جوهرها كمثالية وفلسفة أو في جزئياتها كنظام للقيم وأسلوب للحياة.
وتعد الدولة أو السلطة السياسية الحاكمة امتدادًا لتلك العلاقة المجردة التي تعبر عن الجوهر الأخلاقي والمثالي الذي يسيطر على علاقة الحاكم بالمحكوم، فهي لا تتجاهل الطابع السياسي للسلطة ولكن تجعله نتيجة أو بعدًا من أبعاد العلاقة بين الحاكم والمحكوم في جوهر المفهوم الحضاري للوجود البشري.
ومن خلال تحليل منطق تلك الحضارة الدينية نجد أن ما يسيطر على ممارستها هو مفهوم بناء الإنسان الجديد فالسلطة السياسية في إطار هذا النموذج الحضاري تحاول - انطلاقًا، من الأبعاد المعنوية للوجود السياسي - صناعة أو بناء البشر من خلال ممارسة الأدوار الاتصالية بداية بممارسة الأدوار الإعلامية والتثقيفية فالأدوار العقدية والحضارية، ثم تتدرج نحو الأدوار الأيديولوجية فالأدوار الدعائية «الأمر الذي يرتبط بدرجة ابتعادها عن الإطار القيمي والمثالية السياسية الحاكمة» حتي تصل إلي درجة التجرد من ذلك الاطار القيمي الحاكم للحضارة المتعدية للنواحي السياسية، وتصبح الأولوية للمصلحة الآنية والمباشرة وتنقلب الدعوة التي تبني الرأي العام إلى دعاية تصنعه.
أما الحضارة السياسية السائدة فإن المحور في تحليل الظاهرة الاجتماعية والسياسية هو العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي تدور حول الحقوق المختلفة للسلطة السياسية ورقابة الرأي العام على ممارساتها، وهو نموذج تسيس فيه جميع العلاقات بالمعني الضيق.
السلطة السياسية الحاكمة المنبثقة من ذلك النموذج تنكر - نظريًا على الأقل - أنها تقوم بصناعة الإنسان بدعوى أنها تنطلق من قيمة الحرية التي تترك شؤون الأفراد ومقدراتهم لأنفسهم، وأنها سلطة حارسة تقوم بوظائف وأدوار حمائية ووقائية محدودة في إطار عقد اجتماعي تبرمه مع الكيان المجتمعي، وتلتزم بأبعاده ومضمونه. والواقع أن هذا التصور للدولة والسلطة باعتبارها سلطة الحراسة/ الخفير أو سلطة الحماية والتنسيق/ البستاني هو تصور حقوقي نظري إلى حد بعيد، ففي الخبرة التاريخية الأوربية قامت السلطة السياسية بعملية صناعة البشر، وتشكيلهم كإطار أعم جرت في سياقه عمليات صناعة الرأي العام، انطلاقًا من أيديولوجية سياسية مصلحية، وهكذا تعتبر صناعة الرأي العام في إطار الحضارة السياسية السائدة عملية مستمرة ومنطقًا يتكامل مع جوانبها المختلفة. وقد توزعت صناعة البشر في إطار المجتمعات التي تنتمي إلي ذلك النموذج السياسي السائد في اتجاهين يترجمان بعض جوانب هذه الفكرة عمليا هما: تشكيل البشر وصناعتهم بيولوجيًا، وعملية التشكيل السلوكي، وسنتعرض لذلك تفصيلًا.