; صناعة الرأي العام (٦) | مجلة المجتمع

العنوان صناعة الرأي العام (٦)

الكاتب حامد عبد الماجد

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001

مشاهدات 83

نشر في العدد 1468

نشر في الصفحة 66

السبت 15-سبتمبر-2001

التسميم السياسي

يعبر مفهوم الحرب النفسية عن حملة شاملة تستخدم فيها كل الأجهزة والأدوات المتاحة للتأثير في عقول وأفئدة الجماعة المحددة، بقصد تدمير مواقف معينة، وإحلال مواقف أخرى تؤدي إلى سلوك يتفق مع مصالح الطرف الذي يشن هذه الحرب، وغالبًا ما تكون الحرب النفسية موجهة إلى مجتمع آخر أو سلطة أخرى، غالبًا ما يكون مجتمعًا أو طرفًا معاديًا بالأساس.

وتتوجه الحرب النفسية إلى عقل الإنسان ونفسيته -وليس جسده- وهي جزء من مفهوم الحرب الشاملة، تشن قبلها، وفي أثنائها، وفي أعقابها، وغالبًا لا يتم إدراك مدى نجاحها أو إخفاقها إلا بعد سنوات.

وكثيرًا ما يطلق عليها حرب الأعصاب ومحرب الدهاء إذ تعد الحرب النفسية أحد مستويات صناعة الرأي العام على المستوى العالمي، فعندما يشن طرف (ًا) حربًا نفسية ضد الطرف (ب)، فإن ذلك يعني أنه يحاول تحطيم معنوياته أي يحاول التأثير في رأيه العام الحالي ويستبدل به الرأي العام الموالي له أو المناصر لما يتبنى من أهداف وقضايا، وبالتالي يقاس مدى نجاح الحرب النفسية بحجم واتجاه التغيير الذي تحدثه في الرأي العام المستهدف.

(*) كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

ويمكن القول إن مقومات الحرب النفسية هي:

1- أنها تتجه في خطابها إلى العدو أو الخصم أو الآخر بالمعنى الأوسع.

2- هي تختلف عن الدعاية من حيث كونها لا تسعى إلى الإقناع أو الاقتناع، بل تستهدف القضاء على الخصم وشل قدراته المعنوية.

أما من حيث غايات الحرب النفسية فيمكن تحديدها فيما يلي:

أ- تحطيم إيمان الخصم بعقيدته السياسية.

ب- تحطيم التماسك النفسي العقائدي للخصم.

ج- استغلال النجاحات التي يصل إليها الطرف المهاجم كوسيلة لإضعاف ثقة الطرف الآخر بنفسه وعقيدته.

د- رفض دعاية أو حملة مخالفة. أما مفهوم التسميم السياسي «Political

intoxication» فيعد المنطق المهيمن على صناعة الرأي العام في المجتمعات المعاصرة وقد استخدمه العلماء الفرنسيون، وبالذات خبراء الحرب النفسية في أواخر الستينيات للتعبير عن عملية زرع قيم صحيحة ثم دفعها تدريجيًا في السلم التصاعدي لنظام القيم الفردي أو الجماعي بحيث ترتفع إلى أعلاه، ومن ثم تفرض على القيم المطلقة أو العليا النزول إلى مراتب أقل أهمية، وبالتالي فإن مفهوم التسميم Intoxication يشير إلى العملية التي يراد بها التأثير على العقول والأفئدة عن طريق التلاعب بعناصر التكوين المعنوي، وهو يمثل قمة ما يمكن أن يسمى بعملية ال7توجيه السياسي أو المعنوي الذي يدور حول زرع أفكار معينة من خلال الدعاية، بحيث تؤدي إلى تصور معين للموقف يختلف عن حقيقته، مما يترتب عليه عند اكتشاف تلك الحقيقة نوع من الصدمة يؤدي إلى شلل نفسي، وبالتالي عدم القدرة على المواجهة، وهذه العملية قد تكون مقدمة المعركة فعلية، تأتي بعدها عملية الهجوم القتالي ليتحقق الانتصار بأقل تكلفة ممكنة، كما قد تكون لاحقة لها بحيث تكمل الانتصار بالقضاء المطلق على الخصم كوجود ذاتي يناضل في سبيل التمسك ببقائه الحضاري، وهناك عنصران مهمان قد يشكلان آليات التسميم.

 (1) التضليل، والذي يقوم على إساءة توظيف القيم.

 (2) الترويض، والذي يجعل تلك القيم متجانسة ومنسقة مع النظام السائد.

ولنوضح ذلك فقد نكون أمام رأي عام سائد إزاء قضية محددة، ولتكن قضية تحرير أرض محتلة، ويرى الرأي العام حتمية التحرير استنادًا إلى مبادئ العدل، ومقاومة الاحتلال والحق التاريخي، وقدسية الأرض.. الخ وكلها مبادئ مطلقة يتأسس عليها الإيمان بمسألة تحرير كل الأرض.. وهو منطق لا يقبل المساومات وأنصاف الحلول.

تبدأ عملية التسميم السياسي من خلال زرع قيم جديدة لدى طبقات معينة في المجتمع المحكوم، ولدى بعض عناصر النخبة الحاكمة تدور حول الاعتراف بالآخر، وقبول التعايش معه وضراوة ما يترتب على الحروب من ماس، ومزايا السلام والتنمية.. الخ. هذه المبادئ. في حد ذاتها تعد أمرًا مرغوبًا فيه، بل إنها تمثل في ظروف محددة تطلعات المجتمع والإنسان المعاصر، وفي مرحلة تالية تتم عملية تضخيم هذه القيم. وتصعيد تدريجي لها بوعي وعبر وسائل الاتصال والإعلام بصفة خاصة، وهكذا تتصاعد القيم الجديدة شيئًا فشيئًا إلى أعلى قمة السلم الهرمي للقيم، عندئذ تحدث عملية إحلال لاشعورية: فإذا بالقيم الجديدة تحل محل القيم القديمة في تشكيل إطار الرأي العام وصياغته.

وغالبًا ما يحدث تصادم بين النوعين من القيم على المستويين الفردي والجماعي، فعلى المستوى الفردي إذا خضع موظف ما لمثل هذه العملية. وتصاعدت لديه قيم الاستهلاك والكسب السريع على حساب قيم الأمانة والحق، والشرف يكون على استعداد لأن يسرق ويرتشي، وعلى المستوى الجماعي فإن الأمة أو النخبة الحاكمة التي تخضع لمثل هذه العملية سوف ينتهي بها الأمر إلى أن تتخلى عن حقوقها الأصلية، ومقدساتها في سبيل حل مشكلاتها الاقتصادية، وتحقيق التنمية أو الرفاهية الاقتصادية.

وهكذا يعاد تشكيل الإطار الذي ينطلق منه الرأي العام بحيث يسود في المجتمع رأى عام إزاء القضايا التي تواجهه يتناسب أو يتوافق مع القيم الجديدة التي تم غرسها أو تسريبها إلى وعيه الجمعي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل