العنوان صناعة الرأي العام (۲) تشكيل البشر
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001
مشاهدات 60
نشر في العدد 1464
نشر في الصفحة 66
السبت 18-أغسطس-2001
تعتبر صناعة الرأي العام في إطار الحضارة السياسية السائدة عملية مستمرة ومنطقًا يتكامل مع جوانبها المختلفة، وقد توزعت صناعة البشر في إطار المجتمعات التي تنتمي إلى ذلك النموذج السياسي السائد في اتجاهين يترجمان بعض جوانب هذه الفكرة عمليًا هما: تشكيل البشر وصناعتهم بيولوجيًا، وعملية التشكيل السلوكي:
الأول تشكيل البشر وصناعتهم بيولوجيًا وهو مجال يطلق عليه Bio-technology وتتم هذه العملية من خلال التحكم في العوامل الوراثية، ولعل دراسات الهندسة الوراثية من أقرب المجالات الذي تعتبر نتائج الأبحاث فيها على درجة كبيرة من الأهمية المستقبل البشرية، ويتكامل مع الاتجاه الأول الاتجاه الثاني وهو عملية التشكيل السلوكي People Shaping باعتبارها تمثل –بدرجة من الدرجات– إخراجًا للإنسان عن طبيعته الأولى، فكأنه يبرمج أو يصنع صنعًا جديدًا، فهي تعبير عن مجموعة المحاولات المخططة للهيمنة على العقول البشرية والتلاعب بها، وبالتالي قيادتها أو توجيهها وفقًا لأهداف وغايات محددة ومرسومة سلفًا وذلك بعد أن يتم تجريدها من رؤيتها ومبادئها واتجاهاتها السابقة والأولية، ويندرج في إطارها معظم العمليات المخططة والهادفة للسيطرة على التعبيرات الجماعية إزاء القضايا والأحداث والمشكلات المهمة والتي تدور حول عمليات أربعة هي عمليات التطويع الحضاري، وغسل المخ الجماعي، والتلاعب بالعقول، والتسميم السياسي، وسنأتي عليها تفصيلًا فيما بعد...
ويستوحي الصانعون الجدد للبشر -بيولوجيًا وسلوكيًا- أفكارهم وأساليبهم أساسًا مما توصلت إليه الدراسات من اكتشافات في علوم السلوك والتحكم والسيطرة، والحاسوب وتقنية المعلومات.. إلخ، وقد تمكنوا من تحقيق السيطرة على تصرفات الناس، وأمزجتهم ورغباتهم، وأفكارهم بدرجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، وقد كانت البداية الحقيقية مع نشأة علم التحكم في السلوك البشري في كل مكان دور الحضانة، وقاعات الدراسة والمستشفيات ودور النقاهة، والسجون والمصانع، والمسارح، والملاهي، والمتنزهات العامة والمتاجر ومراكز الصحة النفسية إلخ.
وفي الوقت الحالي فإن هناك طلبًا متزايدًا على خبراء السلوك وتغيير الآراء والاتجاهات الذين يستخدمون أحدث أدوات التكنولوجيا للتأثير في عشرات الآلاف من الناس ودفعهم إلى سلوك معين لحساب الكثير من المؤسسات التي تسعى إلى تعديل أو تغيير مسلك من تتعامل معهم من البشر تحقيقًا لأغراضها، وهكذا، وفي هذا الإطار الأوسع تجري عملية صناعة الآراء الفردية من ناحية وخلق الأنماط الجماعية من ناحية أخرى، وبالتالي صناعة الرأي العام في التحليل الأخير.
وترى بعض الدراسات أن القائمين على سياسة إنتاج المعلومات وتوزيعها يختارون منها ما يناسب اهتماماتهم، ويحقق مصالحهم ويخفون ما لا يريدون توزيعه ونشره أو يتعارض معها ويشمل ذلك الحكومة، أو النخب الحاكمة والمهيمنون على وسائل الإعلام، وأحيانًا أولئك الذين يطلق عليهم قادة الرأي.. إلخ، وفي هذا الإطار تتم برمجة البشر أي دفعهم لاتخاذ المسلك الذي يراه الآخرون مناسبًا لهم، وها هنا تتكون القاعدة الأساسية لعملية صناعة الرأي العام.
ومن هنا يأتي دور السلطة السياسية في إطار عملية صناعة الرأي العام التي يمكن القول إنها تهدف إلى صناعة أنماط معينة من الرأي العام وتسييدها، أي صنع أنماط من فئة غير المهتم، من لا رأى له، أو من يهتم على نحو معين بمشكلات محددة بما يدعم ما تريده السلطة السياسية من أهداف وسياسات... إلخ، أو صناعة من يوافق دائمًا، أو بعبارة أخرى صناعة ال«نعم» الدائمة.
كيفية تنميط البشر في إطار الدولة المعاصرة: الدولة القومية والدولة السوق
اعتمدت الحضارة السياسية السائدة في تقدمها على عملية تنميط البشر، وقوليتهم وإخراج نماذج منهم ذات أنماط موحدة من خلال هيمنة واضحة للدولة القومية في فترة صعودها، وهي التي كانت تقوم بدور المربي والمنظم الأكبر للبشر طاغية بذلك على أدوار المؤسسات الأخرى كالأسرة، والمسجد «والكنيسة في بلاد أخرى»... إلخ، ولعل ذلك مما جعل الكثير من المفاهيم تدور حول علاقة الفرد بالدولة وضرورة حمايته منها، وذلك لانصهار كل التشكيلات الوسيطة بينهما.
وحتى مع أزمة الدولة القومية، ومع الثورة الاتصالية استمرت البشرية تخضع لعملية تنميط كبرى في سلوكياتها، وبالتالي مواقفها وآرائها، الأمر الذي جعل من تنميط البشر، أو قولبتهم عملية مستمرة ودائمة لإخراج الأعداد المطلوبة للدولة السوق –أحدث المفاهيم المعبرة عن فكرة الدولة وفلسفتها في الوقت الحالي- فهي عملية توحيد قياسي شاملة، فكما أن هناك نماذج سلعية متشابهة وذات مواصفات محددة، ثمة نماذج بشرية بمواصفات قياسية، بل إن الثانية شرط وجود وتحقق الأولى، وفي هذا الإطار يمكن فهم عملية صناعة الرأي العام من خلال تنميطه في مجموعة من الأنماط التي تتناسب مع طبيعة السلطة السياسية وأهدافها، ومثاليتها السياسية التي تسعى لتحقيقها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل