العنوان صناعة الموتة الكريمة وصناعة الخيانة اللئيمة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007
مشاهدات 83
نشر في العدد 1760
نشر في الصفحة 37
السبت 14-يوليو-2007
الموت حق، وليست هناك حقيقة أشد وضوحًا من الموت - وصدق الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق:۱۹) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران ۱۸٥) ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ (النساء:۷۸). لكن للموت أنواع، موت المجاهدين، والصالحين الشهداء والعارفين، وموت اللاهين والمضيعين، الضالين، والمنافقين، والكافرين... وليس هناك.. عاقل إلا وتمنى الموتة الكريمة.
يقول أحد تلاميذ الإمام البنا رضوان الله عليه سألت الإمام يومًا وأنا في صحبته إلى المنزل فقلت له: يقول الإمام الشاذلي في بعض أدعيته، وهو يسأل الله: هب لنا الحكمة البالغة مع الحياة الطيبة، والموتة المطهرة، فماذا يقصد الحياة الطيبة والموتة المطهرة؟ فقال: الحياة الطيبة هي حياة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والموتة الطاهرة هي شهادة. ثم قال لي: انصرف وادع الله أن يرزقنا الحياة الطيبة والموتة الطاهرة، فلا نموت كما موت الخراف أو كما شبه خالد بن الوليد t موتته على فراشه بأنه «يموت كما يموت البعير».
وفي أواخر حياة الإمام، وقبل استشهاده بنحو أسبوعين، والظروف يومئذ على أشدها قال قائل: يا أستاذ الإشاعات كثيرة فيما يدبر لك الأعداء، قال الإمام وماذا سيكون القتل؟ إننا نعرف أنه الشهادة، وهي أمنيتنا. قال السائل والدعوة؟! قال: لقد أديت مهمتي وترکت رجالًا ورأيت بعيني أنهم رجال، وسأموت الآن مطمئنًا، والذي أريده هو أن أموت شهيدًا.
وفي مقال له - رضوان الله عليه - في مجلة النذير العدد ١٢ في شعبان سنة ١٣٥٧هـ. 1938م قال: الموت صناعة من الصناعات من الناس من يحسنها، فيعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف، والوقت المناسب، فيبيع القطرة من دمه بأعلى أثمانها، ويربح بها ربحًا عظيمًا، يربح سعادة حياة، وثواب الآخرة، ولم تنقص من عمره ذرة، لم يفقد من حياته يوما واحدا، ولم يستعجل بذلك أجلا، فقد حدده الله.
ومن الناس جبناء أذلة جهلوا سر هذه الصناعة، وغفلوا عن مزاياها، وفضائلها. فمات كل واحد منهم في اليوم الواحد ألف موتة ذليلة، وبقي كذلك حتى وافته موتته الكبرى مهينة ذليلة كذلك، لا كرم معها ولا نبل فيها، في ميدان حامل خسيس ضارع، وقضى ولا ثمن له، وأهدر دمه ولا ثواب ولا كرامة.
ثم قال: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم.
هذه هي الحياة السعيدة والرجولة الكريمة التي ينالها الكرام البررة في الدنيا، والفوز العظيم في الآخرة.
ومن هذا تعلم منزلة المجاهد اليوم، ومنزلة الخائن الذي باع نفسه ووطنه للعدو الغاصب. ولا يجوز أن يعمى الإنسان المسلم عن الصواب، ولا أن تختلط عليه الأمور، في زمننا هذا ونحن نعيش مأساة شعب فلسطين: جماعة تجاهد وتبذل الغالي والنفيس، وتقدم الروح والدم في سبيل كرامتها وعزتها واسترداد حقوقها، وآخرون يلهثون وراء الحرام والهوان، بل وراء العدو المغتصب للديار والمقدسات. وقد فجع العالم الإسلامي والغربي على السواء بما عثر عليه من خزائن الفضائح من الوثائق والأدلة المكتوبة والمرئية والمسموعة التي حصل عليها المجاهدون من حماس بعد طرد الخائنين والعملاء والانقلابيين من غزة، وقد هالنا ما نشر من وثيقة دحلان موفاز الموقعة باسم محمد دحلان، وزير الأمن إبان عهد الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات، حيث يتعهد فيها دحلان الموفاز بأن يتخلص من عرفات على طريقته، لا على طريقة الكيان الصهيوني، كما تعهد أيضًا بأن ينهي ما أسماه بـ «المافيا التي تعمل على تحرير البلاد»، يقصد بذلك المجاهدين الذين يقفون للعدو بالمرصاد؟!
ثم يوضح لنا كيفية صناعة الخيانة فيقول: إنني «أي دحلان» سأدفع حياتي ثمنًا لتنفيذ تعهداتي للرئيس الأمريكي ولـ «إسرائيل»، كما تظهر الوثائق حجم ما كان يقوم به من تحريض على حماس والفصائل المجاهدة إلى العدو، وبعد أحداث غزة قال بذلك وولش: لقد فعل دحلان أفضل ما يستطيع في غزة، وأعتقد أنه عندما حررنا من الفصائل، كان يخشى ما حصل فعلًا. لقد حذرنا منذ فترة طويلة وقال: إن هناك مليشيات مسلحة يجرى بناؤها تضم آلاف المسلحين.
ولم يكتف عملاء الخيانة بذلك بل أوقعوا كبار الوزراء وكبار القادة في فضائح جنسية، وقاموا بتصويرهم لاستعمالها كوسيلة ابتزاز وضغط، هذا وما زال في جعبة حماس الكثير والكثير من هذه الخيانات والفضائح التي تفوح رائحتها فتزكم الأنوف والغريب أن هؤلاء كانوا يتصدرون الشعب ويجثمون على صدره ويتزعمون سياسته ويأكلون خيره، ولا يريدون لهم بديلًا أو رقيبًا وحسيبًا، وكلمة الإصلاح والتضحية بعيدة كل البعد عن مخيلتهم، ولهذا قاموا بما قاموا به من فتن واقتتال، والعقلاء صابرون، والمجاهدون متسامحون، وما يعلمون أنهم يعايشون عقارب وثعابين، ينبغي مطاردتها والقضاء عليها، مصداقًا لتعاليم القرآن الكريم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال:٥٨). لأنهم عديمو الرجولة، ساقطو الشهادة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة.
وبعد فهل يقف العرب مع الخائن الفاسق، أم مع الحق ومع رجال الجهاد؟ أم أن الأرواح جنود مجندة، والمرء على دين خليله؟ ونرجو أن تكون الخلة للصالحين لا للفجار، وأن تتكاتف الأرواح على الجهاد والصلاح. نسأل الله ذلك آمين..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل