العنوان صناع النكبة (2)
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2008
مشاهدات 58
نشر في العدد 1803
نشر في الصفحة 13
السبت 24-مايو-2008
كانت عملية تقسيم فلسطين عام ١٩٤٨م وليدة تحالف دولي رهيب، قادته بريطانيا والولايات المتحدة، وجندت خلالها الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت «تريجفي لي»، وقد حفلت تلك العملية بضغوط شديدة على الدول الرافضة للقرار وكانت الحالة العربية يومها أشبه بها اليوم.. حالة تصيب بالحزن والإحباط والغثيان من فرض تشرذمها وانبطاحها استسلاما للأوامر.
لنتذكر ما جرى.. ولنتوقف أمام ما يجري اليوم.
أسفر المؤتمر الاستثنائي الذي عقدته الجامعة العربية في مدينة «بلودان» السورية عام ١٩٤٦م عن تشكيل وفد عربي للسفر إلى لندن لمواصلة مناقشة القضية الفلسطينية، بناء على ضغوط بريطانية. والوصول إلى قرار بشأنها قبل عرض الأمر على الأمم المتحدة، وكان من البدهي أن يشارك وفد فلسطيني ضمن الوفد، لكن بريطانيا رفضت حضور وفد فلسطيني إلا إذا ضم أربعة من الشخصيات الفلسطينية اختارتهم بريطانيا وهم من التابعين لها لإحداث انشقاق في الموقف الفلسطيني!
وقد كان اللعب على شق الموقف الفلسطيني أحد مرتكزات السياسة الاستعمارية، منذ بروز القضية وحتى اليوم، ولعلنا نتابع أفاعيل تلك السياسة اليوم فهي مجسدة في فريق «أوسلو» و «سلطة عباس»، المرتمية تحت أقدام الصهاينة والأمريكان، أملًا في الحصول على شيء، لكن دون جدوى؛ فالمطلوب منها صهيونيًا وأمريكيًا هو تعميق الانشقاق والفتنة في الصف الفلسطيني دون مقابل.
والمهم.. أن بريطانيا رفضت حضور الوفد الفلسطيني لمؤتمر لندن عام ١٩٤٦م ورغم إلحاح الطرف الفلسطيني على وفد الجامعة العربية العمل على حضوره إلا أن الدول العربية لم تعر ذلك الإلحاح اهتمامًا، وذهب وفد الجامعة إلى لندن وحده وقدم أول هدايا التنازل العربي عن فلسطين إلى السيد «بيفن» وزير الخارجية البريطاني، عبر مشروع أطلق عليه «المشروع العربي».. الذي ينص في أهم وأخطر أجزائه على ما يلي «اعتراف العرب بما لليهود من كيان ومكان في فلسطين على ألا يزيدوا في أي يوم من الأيام عن ثلث السكان، وهم مستعدون للسماح بهجرة جديدة عند اللزوم للمحافظة على النسبة المذكورة، وإنشاء مجلس تمثيل لا يتجاوز أعضاء اليهود فيه نسبة الثلث على ألا يتخذ في ذلك المجلس أي قرار بشأن هجرة اليهود ومصالح اليهود، إلا إذا وافقت على ذلك أكثرية الأعضاء اليهود، على أن يتمتع اليهود في مناطقهم بحقوق دستورية، وبلغتهم العبرية وبالإشراف على التعليم وبقسط وافر من الحكم الذاتي، وأن يكون ذلك وسط دولة فلسطينية مرتبطة مع بريطانيا بمعاهدة تحالف، (جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن. صالح سعود أبو بصير. ص ٢٩٤).
وهكذا في غيبة أصحاب القضية المكتوين بنار ما يجري قدمت الجامعة العربية رسميًا أول التنازلات في فلسطين، وأرست طائعة مختارة أولى لبنات الكيان الصهيوني، مسطرة الكلمات الأولى من كتاب النكبة الأسود بحروف من الذل والهوان، ورغم ذلك فإن هذا التنازل لم يعجب بريطانيا ولم يشبع نهم اليهود، وفي المقابل استنكر الفلسطينيون هذا المشروع.. لكن ماذا يجدي استنكارهم وبنو جلدته هم الذين قدموه على طبق من ذهب للصهاينة؟!. ولم يرض الصهاينة بالهدية، وأعلن «بيفن» رفض المشروع العربي، ثم قدم مشروعًا جديدًا يقرر: «وضع البلاد تحت حماية دولية لمدة خمسة أعوام، وتقسيمها إلى وحدات إدارية، وبعد أربعة أعوام تحاول جمعية عربية يهودية سن دستور فلسطين المستقلة (لاحظ الشعارات البراقة والخداعة)، فإذا اتفقت أكثرية أعضائها اليهود وأعضائها العرب أعلن الاستقلال وإلا رفعت القضية للأمم المتحدة» (نفس المصدر السابق).
وهكذا تم إبقاء زمام القضية في يد الصهاينة بحماية بريطانيا وإفساح الوقت والطريق لهم لإحكام السيطرة على فلسطين، ودحرجة القضية إلى دهاليز الأمم المتحدة التي كانت قد استعدت لإخراج السيناريو المعد للنكبة وتقسيم فلسطين، ويعبر أحد المسؤولين الفلسطينيين عما جرى في لندن بالقول: «لقد انتهى مؤتمر لندن بفشل ذريع للعرب وربح البريطانيون واليهود هذه الجولة، إذ حصلوا من الدول العربية بطريق رسمي- بفضل المشروع العربي- على تنازل عن بعض المبادئ والحقوق التي ما برح الفلسطينيون وأبناء الشعوب العربية يسفكون دماءهم في سبيل الدفاع عنها ، والعمل على تحقيقها» (المؤامرة الكبرى واغتيال فلسطين ص ١٨٦).
لقد كان ما جرى في مؤتمر لندن، من ضغوط وإملاءات على الطرف العربي وتقديم تنازلات مهينة، مؤشرًا تاريخيًا لما جرى في كل المؤتمرات اللاحقة بين الطرف العربي- مجتمعًا أو منفردًا- والصهاينة من تنازلات بدءًا من «كامب ديفيد» ثم «أوسلو» ثم «وادي عربة» ثم مؤتمرات «شرم الشيخ» المتكررة، ناهيك عن اللقاءات السرية والعلنية، وكلها تصب في معنى واحد هو التنازل والتفريط في حق فلسطين، والانبطاح والهرولة نحو الصهاينة دون الحصول على شيء.. أليس ما يجري اليوم يجسد ذلك؟!
ووصلت القضية إلى الأمم المتحدة التي كانت قد تهيأت تمامًا لمشروع التقسيم، وعقدت أولى جلساتها في 28/4/1947م وسط هالة إعلامية من الإعلام الأمريكي تناصر اليهود، وتم تشكيل لجنة من إحدى عشرة دولة تم اختيارها من الدول السائرة في ركاب أمريكا وبريطانيا لبحث القضية، يقول «مناحم بيجن» زعيم عصابة الأرجون زفاي صاحبة المذابح الشهيرة في فلسطين في مذكراته: «لقد حرص أعضاء هذه اللجنة على مقابلتي ومقابلة زملائي». وقال الدكتور «وبانش» الوسيط الدولي في فلسطين بعد ذلك، إنني مثلكم أنتمي إلى أقلية مضطهدة. وقال «د. هو» مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لبيجن: إلى اللقاء في إسرائيل المستقلة.. أما سكرتير عام الأمم المتحدة «تريجفي لي» فقد جندته الصهيونية تمامًا، إذ جند موظفي الأمم المتحدة الثلاثة آلاف للاندساس بين الوفود للتأثير عليهم للموافقة على مشروع التقسيم، وأعد مجلدين اشتملا على وثائق وبيانات ومقالات ومذكرات منتقاة تصب في تأييد وجهة النظر اليهودية وتخسف بالحق الفلسطيني الأرض. (مجلة المصور المصرية عدد ١٩٥٢.١٤٧٠م، كتاب المؤامرة الكبرى واغتيال فلسطين. بتصرف).
وأعد المسرح تمامًا لصدور قرار النكبة بأغلبية صوتين فقط، هما صوت الفلبين وهايتي اللتان كانتا ترفضان بشدة القرار ولكن الضغوط الهائلة اضطرتهما للموافقة.. أما مندوب الفلبين فقد اضطر للهرب من الجلسة، وأما مندوب هايتي فيقول عنه الزعيم السوري فارس الخوري: لقد بكى أمامي لأن مصالح بلاده مع أمريكا أقدس من مصالح العرب.. ولهذا اضطر لنقض وعده برفض القرار، أما المندوبون العرب فقد ضاع صوتهم وسط الضغوط والابتزاز، وزاد ضياعها حالة الضعف والهزال.
أليس اليوم أشبه بالبارحة؟!