العنوان صورة الإسلام عند مخاطبة الآخر.. أخطاء بعض الرموز وأثرها على الدعوة
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 65
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 54
الجمعة 11-يونيو-2004
روى الإمام أحمد في مسنده: عن الحارث بن يزيد البكري، قال: «خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالربذة-وهي قرية قريبة من المدينة. فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها أي ليس معها من يحملها إلى ما تريد-فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا.
قال: فدخل منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال:(هل كان بينكم وبين بني تميم شيء)؟
قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة-أي الغلبة والنصر- عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن: لها، فدخلت.
فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزًا فاجعل الدهناء-وهي صحراء معروفة في الجزيرة العربية-فحميت العجوز واستوفرت، -أي غضبت وثارت لقومها-قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرك؟ (أين تذهب قبيلة مضر إذا أعطيت الدهناء لقبيلة ربيعة وهي القبيلة التي أوقدت الحارث؟).
قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، وهي الغنمة التي حملت حملًا ثقيلًا فماتت، وهو مثل يضرب لمن فعل فعلًا أضر به نفسه. حملت هذه،ولا أشعر أنها لي خصمًا.
أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال:(هيه، وما وافد عادة؟).
وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه أي أنه أراد أن يستمع إلى قصة واقد عاد من الحارث مع علمه بها.
قلت: إن عادًا قحطوا أي أصابهم القحط والكرب-فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قيل-أي أحد الزعماء يستسقي ويدعو لهم بمكة. فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان. يقال لهما الجرادتان. وهما مغنيتان مشهورتان بمكة فلما مضى الشهر خرج جبال تهامة، فنادي: اللهم إنك تعلم أني لم أجي إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه: أي أنه دعا بدون أدب، ولم يطلب سقيا رحمة.
فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، أي لم يحسن الاختيار فنودي منها: خذها رمادًا. رمددًا. أي أدق ما يكون الرماد- لا تبقي من عاد أحدًا.
قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا قال أبو وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم، قالوا: لا تكن كوافد عاد، (ورواه الترمذي أيضًا في كتاب التفسير).
وبقراءة سريعة لهذه القصة نخلص إلى بعض الدروس
1-أهمية اختيار الوافدين.
2-على الوافد ألا يخرج عن طبيعة المهمة التي خرج من أجلها، فلا يدخل في تفاصيل رحلته قبل إنجاز المهمة.
3-نستفيد من موقف المرأة العجوز، فاعلية الفرد في التغيير الاجتماعي، وكيف أن قوة الحجة والغيرة على الحقوق العامة، والترفع عن المصالح الشخصية كل ذلك يؤدي إلى نتائج يستفيد منها المجموع.
4-في موقف المرأة العجوز أيضًا، وغضبها على مصالح قومها عامة، ومكاسبها التي حصلت عليها، أن الإسلام يحترم دور المرأة ورأيها، ويقدر إيجابيتها.
5-طلب الرسول سماع القصة من الحارث مع علمه بها: يبين أهمية القصص، وكيف أن النفس الإنسانية يسرها سماعها وتكرارها، بلا ملل: إذا كانت بها عبر ودروس تربوية.
6-انطماس بصيرة غير المؤمن، تجعل طريقة تفكيره غير سوية في كل الأمور وتدبر كيف أن عادًا، لا يدركون أن الله سبحانه أقرب لعباده من حبل الوريد، فليس هناك داع لأن يرسلوا وافدًا يقطع القفار في مهمة قد تقضى في أرضهم، وكيف أنهم قد أرسلوا زعيمًا لا يحسن الأدب في مهمته فيركن إلى مراتع السوء، وينسى مهمته الجليلة، ثم لا يتأدب في دعائه مع الله -عز وجل-، ثم في سوء اختياره للسحابة السوداء الشؤم.
7-خطأ الفرد يؤدي إلى ضرر المجموع، وتدير ما فعله الحارث، وما فعله وافد عاد.
مكامن الخلل
الأول:عدم التدقيق في اختيار الرموز.وعدم وجود آلية في مراعاة نوعية الوافدين:ونحن نعلم أن لكل ظرف أو مناسبة رجالها.
وكذلك فإن الآخر يختلف حسب تباين المستوى والمكانة: سواء اجتماعيًا، أو تعليميًا، أو ثقافيًا، أو ماديًا أيضًا. ولهذا فإنه من الأهمية بمكان أن تكون الرموز الاجتماعية التي تخاطب الآخر، تتميز بسمات لا تجعلها كوافد عاد.
وتدبر كيف اختارت قريش عمرو بن العاص ليكون وافدهم إلى النجاشي ليرد المهاجرين من الحبشة،فما كان من هذه (الجالية) المسلمة المهاجرة إلا أن اختارت جعفر بن أبي طالب ليحاور ويرد على محاورات عمرو،حتى نجح في كسب القضية لصالح المهاجرين.
وتأمل أيضًا نوعية الرسل الذي كان يرسلهم الحبيب، إلى القبائل والملوك
الثاني:عدم مراعاة العنصر الأخلاقي في سلوك الوافدين:
فالسلوك دومًا أبلغ من القول. وهناك قاعدة مهمة: وهي أن سلوك الفرد يدل على الفكرة التي يحملها.
لهذا فمن الضروري أن يكون سلوك الوافد ترجمانًا صادقًا للفكرة الربانية التي يحملها.
ويجب أن يعرف بسمات تجعله معروفًا للمحيطين-على اختلاف نوعياتهم وأحوالهم-يحسن أخلاقه، كما عرف بها يوسف عليه السلام منطق السجينان ناشدين رأيه في رؤياهما: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:36).
وتأمل هذا الجانب السلوكي في حياة الفتية المؤمنين أصحاب الكهف. عندما نتدبر الشرط الذي اشترطوه على رسولهم الذي أرسلوه ليحضر لهم الطعام.
﴿فَٱبعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُم هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلمَدِينَةِ فَليَنظُر أَيُّهَآ أَزكَىٰ طَعَاما فَليَأتِكُم بِرِزقٖ مِّنهُ﴾ (الكهف: ١٩).
أي فليتخير أحل وأطيب الطعام أو أجوده. فليأتكم بشيء منه. فتأمل هذا الورع واجتناب المحرمات والبعد عن الشبهات، وعدم الركون إلى أن الضرورات تبيح المحظورات. وهذا يعطي ملمحًا طيبًا للداعية أن يترفع عن الدنايا، ويتورع عن الشبهات ومحقرات الذنوب وآثارها التراكمية المهلكة: إياكم و محقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله ضرب لهن مثلًا: كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجي بالعود والرجل يجيء بالبعرة، حتى جمعوا سوادًا وأججوا النار وأنضجوا ما قذفوا فيها، (رواه البخاري وغيره).
وتكون النتيجة: سقوطًا في حبائل (سلسلة الذنوب) وحلقاتها المتتابعة التي تبدأ بذنب، يتبعه ذنب ثم يتبعه آخر حتى يؤدي إلى تغطية القلب بالران، الذي ينتج حجابًا مهلكًا، والعياذ بالله.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون*14كـَلَّآ إِنَّهُم عَن رَّبِّهِم يَومَئِذٖ لَّمَحجُوبُونَ﴾ (المطففين:14-15).
الثالث:عدم الاهتمام بتنمية الشعور بالمسؤولية الفردية:خاصة عند الرموز: وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم تنمية الفاعلية الفردية.
فالحركة الجماعية نحو الأهداف الربانية تلغي التبعة الفردية، وذلك من باب ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38).
وتدبر هذا الألم الذي شعر به الحارث، وهو يراجع نفسه، من باب الشعور بالمسؤولية الفردية في القصة التي أوردناها: عندما راجع نفسه نادمًا ومعاتبًا، قال: «أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد». وتدبر خطأ الحارث بن يزيد -رضي الله عنه-. وأخطاء وافد عاد وآثار ذلك على قومهما. أي أن الخطأ الفردي سيلحق الضرر بالمجموع. وهو باب عظيم في التربية، يعمق مفهوم المسؤولية الفردية، فالفرد في المجتمع المسلم منوط به التغيير الحضاري لأمته، بشرط أن يكون متوافقًا مع المجموع: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 1۱).
وعلى هذا يجب التركيز على فاعلية الفرد، ودوره الإيجابي ومسؤوليته في تحقيق الأهداف والغايات العظام، وفي حماية نفسه، وحماية المجموع وأنه دومًا على ثغرة فلا يجب أن يؤتى الإسلام من قبله.
الرابع: ضعف الدور الرقابي: وتدبر قصة الذين خلفوا وكيف كان من أسباب تخلف كعب بن مالك -رضي الله عنه-، عن غزوة العسرة. أن تسرب إلى نفسه.
شعور بضعف الرقابة، وأنه ليس هناك كتاب حافظ جامع يحصر أسماء الذين خرجوا، والذين لم يخرجوا، وتدبر قوله -رضي الله عنه-: «والمسلمون مع رسول الله كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ. يريد بذلك الديوان. قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله». (متفق عليه).
الخامس:عدم وجود آلية متفق عليها للمحاسبة:
فليس هناك قدسية لفرد تمنع محاسبته. وليس هناك أي نوع من التوثين أو التصنيم لأحد تمنع محاسبته ونقده إذا أخطأ، مهما علت رتبته. وتدبر سلوك الرسول كقائد ومرب، عندما وصل إلى تبوك لم يمنعه وجود جيش عظيم قوامه ثلاثون ألفًا، من أن يتفقد الغائب، ويسأل عمن تخلف، فقال: ما فعل كعب بن مالك؟ (متفق عليه).
وكذلك «فبينما هو على ذلك، رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع من التمر، حين لمزه المنافقون» (متفق عليه).
السادس:الخلل في التعامل مع الأفراد وعدم التسوية:
وعندما يحدث الخلل في التعامل. مع بعض الأفراد على حساب البعض الآخر خاصة مع الرموز، يقع ما حذر منه الحبيب، أن من أسباب هلاك السابقين، محاباة الشريف على حساب الضعيف فإن الآثار على الجانبين تكون من الخطورة بمكان.
فالشريف يتمادى في خطئه، ويستشعر قوة الحصانة الدعوية التي يحملها. والآخر يستشعر ضعفه، فيصاب بحالة من التمرد المقنع، أو العقوق الدعوي، والذي تندهش لحدوثه ونتعامى عن أسبابه.
ولو تدبرنا نصيحته الجامعة: «أعينوا أولادكم على البر بالإحسان إليهم وعدم التضييق عليهم والتسوية بينهم في العطية، فمن شاء استخرج العقوق من ولده» (رواه الطبراني).
لتبين لنا مدى اهتمامه بتلك القضية والتركيز على أهمية استمرارية المربي في معالجة الظواهر المرضية،من كل جوانبها،والمتابعة الدائمة ضد عوامل الخلل والانحراف.
فإن المربي هو حجر الزاوية، وعليه الدور الفعال والإيجابي، في عملية استخراج العقوق الدعوي من نفوس أتباعه، (فمن شاء استخرج العقوق من أتباعه).
المخرج
المخرج بتجنب أسباب ومكامن الخلل المذكورة آنفًا: ثم التوبة النصوح والله -عز وجل- يحب التوابين: وهذا في حقه سبحانه.
أما في حق الخلق، فيكون بالمراجعة والتصحيح بشرط بيان الخطأ ومحاسبة المخطئ، مهما علت رتبته.
هكذا علمنا سبحانه وتعالى، في كتابه الكريم أن المراجعات والوقفات هي من صميم المنهج القرآني العظيم.
وكما كانت المراجعة في الأمور والأحداث العامة، سواء في حالة النصر عقيب غزوة بدر: كما جاء في آيات (سورة الأنفال)، أو في حالة الهزيمة أثناء وعقيب غزوة أحد: كما جاء في آيات (سورة آل عمران)
كانت أيضًا على المستوى الفردي، وتأمل المراجعة القرآنية. لخير من وطئ الحصى. في مطلع (سورة عبس).
ونسوق هنا مراجعة من نوع آخر: وذلك عندما أخطأ صحابي جليل، من خير القرون: وهو أبو لبابة بن المنذر: وذلك كما جاء في تفسير الآية الكريمة:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:102).
وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة إنه الذبح (وأشار بيده إلى حلقه). وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: قال ابن عباس «وآخرون»، نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل وسبعة معه وقيل وتسعة معه، فلما رجع رسول الله من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا ألا يحلهم إلا رسول الله فلما أنزل الله هذه الآية «وآخرون اعترفوا بذنوبهم". أطلقهم رسول الله، وعفا عنهم.
عند اختيار الرموز لابد من مراعاة عدد من العناصر المهمة. وإلا كانت النتائج عكسية.