العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي (٤) النفي الغربي للإسلام
الكاتب محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2005
مشاهدات 73
نشر في العدد 1658
نشر في الصفحة 66
السبت 02-يوليو-2005
وفي الموقف الغربيِّ من الآخر الإسلاميِّ تنهضُ هذه النزعة المركزية، بالدور المحوريِّ في اختراع الصور الغربية عن الإسلام، وفي إذكاء روح العداء الغربي للحضارة الإسلامية، وفي التبرير لحروب الغرب الفكرية والقتالية، ضد عالم الإسلام وأمته وحضارته.
وإذا كانت المواجهة، التاريخية والحديثة والمعاصرة. قائمة بين المشروع الغربي الذي ينفي المشروع الإسلامي، فإن هذا النفي الغربي للإسلام وحضارته له جذور عميقة في تصورات الثقافة الغربية عن الإسلام، وهذه الجذور الرافضة والنافية للآخر الإسلامي حية وفاعلة -بل ونامية- حتى هذه اللحظات.
نجد ذلك في المشروع الكنسي الذي أعلن بلسان البروتستانت في مؤتمر كولورادو، سنة ١٩٧٨م. ضرورة اختراق الإسلام لتنصير كل المسلمين، كما أعلن هذا المشروع الكنسي بلسان الكاثوليك. ضرورة أن تصبح إفريقيا نصرانية سنة ٢٠٠٠ م، فلما خاب الرجاء غير الصالح، أجلوا التاريخ إلى سنة ٢٠٢٥ م.. وتعبر عن هذا المشروع الكنسي، حتى فرنسا العلمانية. بلسان رئيسها الأسبق، فاليري جيسكار ديستان، عندما أعلن استحالة قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، لأنها مسلمة، والاتحاد الأوروبي ناد مسيحي..
أما "لسان" الغرب الأرثوذكسي، فلقد مارس هذا النفي للإسلام بالمجازر والمقابر الجماعية، على أرض البلقان والشيشان.. كما تمارسه الصهيونية. وهي امتداد غربي متحالفة مع الصليبية الغربية على أرض فلسطين.
بل إن كنائس الغرب. التي خانت نصرانيتها. لا تستحي عندما تعلن هذا النفي للإسلام، حتى في المؤتمرات التي تحاور فيها رموز الإسلام، في عقر دار الإسلام!!.. ففي مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي الذي عقد بالقاهرة بدعوة من المنتدى العالمي للحوار. بجدة ومؤتمر العالم الإسلامي.. والذي انعقدت جلساته في فندق شيراتون هليوبولس في ۲۸. ۲۹ أكتوبر سنة ٢٠٠١ م. رفض ممثل الفاتيكان، نائب الأمين العام للمجلس البابوي للحوار بين الأديان، القس. خالد أكاش... وممثل مجلس الكنائس العالمي الدكتور طارق متري... رفضا التوقيع على البيان الختامي للمؤتمر، لأنه وضع الإسلام مع اليهودية والنصرانية تحت وصف الأديان السماوية الربانية، وقالا: إن وصف الإسلام كدين سماوي ورباني لا يزال محل خلاف لم يحسم بعد!!
ولقد علق الدكتور يوسف القرضاوي. وكان مشاركًا مع شيخ الأزهر في هذا المؤتمر. على هذا الموقف فقال: إنني استغرب من توجس بعض رجال الدين المسيحي من وصف الإسلام بالربانية والسماوية، وإذا كان الفاتيكان والكنائس العالمية لا تعترف بالإسلام كدين سماوي فلماذا نجتمع إذن؟ وإذا لم يقرر رجال الدين المسيحي والفاتيكان بأن الإسلام دين رباني فلا داعي للقاء والحوار... (۱).
إنهم يعترفون بالإسلام، كأمر واقع، ويصنفونه ضمن الديانات الوضعية، غير السماوية وغير الربانية وذلك لتبرير السعي الكنسي الدائب والدائم لتنصير المسلمين، وطي صفحة الإسلام من الوجود انطلاقًا من النزعة المركزية التي لا تعترف بالآخرين... فتسعى إلى إلغائهم بضمير مستريح!
كذلك نجد هذا النفي للآخر، والرفض المشروعية وجوده المتميز والمستقل في المشروع الحضاري الغربي الذي لا يعترف بالتعددية الحضارية العالمية.. وإن اعترف بالحضارات غير العربية كأمر واقع فهو يسعى. بالتغريب وعولمة نموذجه الحضاري. إلى إلغاء هذه التعددية الحضارية والانفراد الغربي بالعالم كله.. وفي سبيل ذلك يستخدم نزعة صدام الحضارات.. وصراع الثقافات. كحتمية مزعومة لتبرير سيادة هذه النزعة المركزية على النطاق العالمي.
وفيما يتعلق بالنفي الغربي للإسلام على وجه الخصوص. يكفي أن نشير إلى كلمات المستشرق الفرنسي جاك بيرك (١٩١٠ ۱۹۹٥ م) التي يقول فيها إن الإسلام الذي هو آخر الديانات السماوية الثلاث، والذي يدين به أكثر من مليار نسمة في العالم، والذي هو قريب من الغرب جغرافيًا، وتاريخيًا، وحتى من ناحية القيم والمفاهيم.. قد ظل ويظل حتى هذه الساعة، بالنسبة للغرب ابن العم المجهول والأخ المرفوض.. والمنكور الأبدي.. والمبعد الأبدي.. والمتهم الأبدي والمشتبه فيه الأبدي. (۲).
لقد قال، جاك بيرك، هذا الكلام المعبر. وهو الخبير في الثقافة الغربية وفي الإسلام معًا. عن نفي الغرب للإسلام وحضارته وأمته كموقف ثابت ودائم.. وقدم هذه الصورة للإسلام في الثقافة الغربية والحضارة الغربية والممارسات الغربية قبل قارعة سبتمبر سنة ٢٠٠١، بسبع سنوات.... وكأنه كان يصف طوفان ثقافة الكراهية السوداء التي انهالت على الإسلام وأمته وحضارته عقب سبتمبر سنة ٢٠٠١م.
فنحن أمام موقف ثابت ودائم من قبل المشروع الكنسي الغربي.. والمشروع السياسي والحضاري الغربي. وهو موقف ينفي الآخر الإسلامي، ليبرر العدوان الاستعماري والهيمنة الحضارية على عالم الإسلام.
الهوامش
(۱) صحيفة «الأسبوع» - القاهرة - في 5/11/2005م، وصحيفة «العالم الإسلامي». مكة. في 16/11/2005م.
(۲) من حديث جال بيرك في 27/6/1995م. انظر: حسونة المصباحي العرب والإسلام في نظر المستشرق وصحيفة «عقيدتي» - القاهرة - في 6/11/2001م. الفرنسي جاك بيرك.. صحيفة الشرق الأوسط - لندن - في 1/11/2000م.