; صورة جزائرية للفساد الثوري! | مجلة المجتمع

العنوان صورة جزائرية للفساد الثوري!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1983

مشاهدات 72

نشر في العدد 614

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 29-مارس-1983

  • من الإجحاف في حق المسلمين أن يطالبوا بالتنازل عن دنياهم وآخرتهم معًا من أجل العيون الثورية أو غيرها من الأنظمة الوضعية.
  • الفساد الثوري يتفوق على الفساد التقليدي!
  • الثوريون يبتدعون مسألة تأمين الثورة.
  • صديق بومدين الذي صار من أكبر أغنياء العالم.

ذكرت مجلة «كل العرب» الصادرة بتاريخ 16/3/1983م أن السلطة الجزائرية تقوم هذه الأيام بحملة شاملة على الفساد، وأن التحقيقات قائمة على قدم وساق، وقد شملت الحملة فيما شملت مجموعة من الوزراء القدامى وأعضاء مجلس الثورة وقادة حزب التحرير

ظاهرة الفساد الثوري:

ونعني به هذا النوع الذي يزكم الأنوف من نتانته والذي ارتبط بما يسمى بالأنظمة الثورية في عالمنا الإسلامي المسكين وفي أجزائه العربية بوجه أخص.

فبدءًا بمصر التي تعد منبع «الثورية» -كما تصنف من جانب بعض المراقبين- فإن هناك فسادًا «ثوريًا» يكاد الفساد الملكي السابق له يتواضع أمامه ويبدأ التتلمذ على يديه من جديد! وحسبك أن تعلم أن مصر الثورة فرخت 17 ألف مليونير!

ولا يعترض على هذا بأنه تم في ما بعد عهد عبدالناصر، كلا.. ففي حياة الرجل نفسه كان هناك الكثير من الذين أثروا بالحرام.. وفيهم أقرب المقربين إليه وبعض الأسماء الكبيرة ظهرت في عهده هو بالذات.

ومن أكبر التهم التي تردد في مصر هذه الأيام مسألة سرقة كنوز أسرة محمد علي باشا والتي كانت في أوائل العهد الثوري «الناصري» وغير ذلك من أشياء يستعصي تصديقها لولا كثرة الأدلة والبينات وشهود بعض اللصوص على بعض.

ولم تتميز مصر وحدها بهذا، فالثوريون «العرب» في كل مكان تتداول قصص ثرائهم وفسادهم الذي لا مثيل له والذي يبز كل فساد سبقه مما بررت «الثورية» قدومها من أجل القضاء عليه حتى صار من الظواهر العادية جدًا أن يتحول أحد «الضباط» أو صغار الموظفين إلى صاحب ضياع وقصور و«أمور» أيضًا مما لا يوجد في قصص ألف ليلة وليلة.

وفي الجزائر:

وقد كنا نحسب أن الجزائر استثناء يثبت القاعدة فيما يتصل بظاهرة الفساد الثوري.

ولكن تبين عدم الاستثناء في هذه القاعدة على الإطلاق! وقد كان حسن الظن مؤسسًا على بعض الملابسات والعوامل الخاصة التي أحاطت «بالثورية الجزائرية» فبعيدًا عن الأقاويل الاشتراكية في كل مكان، وتتوج ذلك بانتصار كان ثمنه مليونًا من الشهداء أو يزيد وتلك ملابسة خاصة لا تحيط بمكان آخر للأنظمة الثورية إياها! فعلى أقل تقدير تلزم ذكريات دماء الشهداء الغزيرة التي روت الأرض الجزائرية بحد أدنى من الوفاء والالتزام الأخلاقي تجاه هؤلاء المجاهدين الشهداء.. وما نذروا أنفسهم له.. ولكن يبدو أن ظنوننا في غير محلها وأن الظاهرة الثورية في الجزء العربي من العالم الإسلامي لا تعفي أحدًا من الالتزام بخصائصها.

بدعة تأمين الثورة:

وبئست البدعة هي وقد تنسب لجمال عبدالناصر الذي قرر بناء على نصيحة غالية -كما ذكر- بإيداع بعض الأموال في الخارج تحسبًا للظروف وتأمينًا لمستقبل الضباط الثوريين الذين «ضحوا» بالاستيلاء على السلطة وتصريف الأمور في البلاد.

وأعجب من تلاه من الثوريين على طريقه بالبدعة «المغرية» والتي لا تتعدى عادة بضعة ملايين من الدولارات أو الجنيهات!! يتقاسمها المغامرون فيما بعد.

والمتبادر للذهن أن تعاد تلك الأموال إلى خزينة الدولة بعد نجاح الثورة، ولكن سرعان ما يجد «الثوريون المالكون» مبررات جديدة لا لإبقائها وحفظها في البنوك الأجنبية بعيدة عن الأعين وإنما أيضًا بزيادتها ومضاعفتها وفقًا لمقتضيات حجة «التأمين» المتسعة والتي ستظل تلبس لبوسًا متجددًا حتى تعود حقًا خالصًا للثوريين باستثمارات خارجية وقصور تشترى وتبنى وهلم جرا... وعادة ما تغري الكأس الأولى بأخواتها لاسيما في هذا المقام والقصص التي تنقل عن الجزائر الآن تقوم شاهدًا كبيرًا على هذا.

حكايات ونماذج:

على ذمة «مجلة كل العرب» -العدد المشار إليه سابقًا- فإن عبدالعزيز بوتفليقة الذي كان وزيرًا لخارجية بومدين، استدعي للتحقيق معه حول ما تردد عن الأموال المودعة باسم بومدين في الخارج. ونفى أن تكون لرئيسه حسابات خارجية عدا رقم ضئيل لا يعتد به. كان قد أودع من جانب بومدين حين انقلابه على بن بيلا سنة 1965م تحسبًا للطوارئ ومستجدات الظروف!

ولكن بوتفليقة عاد بعد زمان من باريس ومعه مبالغ ضخمة قدرت بـ 8 مليارات فرنك وحين سئل عن هذه المبالغ قال: إنها كانت موضوعة تحت حسابات الدولة السرية.. وثمة من يشك بأن تكون هذه المبالغ المجلوبة هي كل ما استودع في الخارج

وحكاية أخرى من صديق لبومدين يسمى مسعود زوغار صار من أكبر أغنياء العالم في غضون عشر سنوات، وقد تقاضى في صفقة واحدة من طائرات البوينغ للجزائر 8 ملايين دولار.

وحكايات عديدة عن المسؤول في أمن الثورة الذي غدا صاحب أكبر أسطول بحري عربي، ووزير «المجاهدين» الذي كان يلقب بـ «أبو التصنيع» ثم صار صاحب بيت استثماري تفوق ميزانيته ميزانية ست وزارات.. وغير ذلك من الحكايات التي تتحفظ في نقلها وتكتفي بالإشارة إليها.

هل يتصور هذا؟!

لقد نسبنا إلى بن بيلا إلى المبالغة وهو يقارن بين أسرة شاه إيران السابق وبين بعض الثوريين ممن يعرفهم -انظر نيوزويك 28/2/1983م- وظنناه مبالغًا مما أصابه على أيدي زملائه السابقين. ولكن تبين أن ما يعرفه الرجل ويصرح به أقل من الواقع بكثير بحكم القائمة الممتدة في التحقيق والأرقام «الفلكية» التي تساق عما حازه الثوريون من ثروات!

وأمر آخر في هذا الارتباط الوثيق بين الأنظمة الثورية وبين أميركا، فعلى كثرة ما يسب الثوريون أميركا إلا أن ارتباطهم معها يكاد يفوق ارتباط العملاء التقليديين لها في المنطقة.. حتى صرنا نفكر في مصطلح مناسب لهذه الحمى الأمريكية السارية في الأنظمة الثورية، وهل هناك «عمالة ثورية» يا ترى أم ماذا في الأمر؟ ويساق ذلك تذكيرًا بالارتباط الوثيق بين الاقتصاد الجزائري وأميركا والمؤسسات الأميركية عمومًا لاسيما في عهد بومدين. والعجب أن الاشتراكية المتبناة هناك، ودعاويها -في أغلبها- اقتصادية وتقوم أساسًا على مناهضة الأنظمة الرأسمالية. فإذا وضع نظام اشتراكي نفسه بين فكي غول الرأسمالية المعاصرة (أميركا) فإن الأمر يحتاج إلى تفسير!! ومهما سيق من مبررات عملية لتسويغ هذا الارتباط ولكنها تظل قاصرة عن الإيضاح والبيان المطلوب!

هل يحارَب الإسلاميون من أجل هذا؟

ونود أن نتساءل في هذا المقام عن المبررات لهذه الحرب الشعواء ضد الإسلاميين في الجزائر، وفي هذا الوقت بالذات وهل هي محاولة لتكميم الأفواه الأكثر قدرة على تعرية الظلم والفساد؟

ولعل بعض العقلاء من الثوريين يستدركون على رفاقهم بأن هناك كثيرًا من الثغرات التي ينفذ الإسلاميون من خلالها، وهي ثغرات أساسية وليست ثانوية يمكن التجاوز عنها ولعل من أوضحها هذه الأرقام المذهلة عن الثراء الحرام الذي تم تحت ظلال العهد الثوري.

وليس ذلك هو الفساد الوحيد الذي يقف الإسلاميون ضده وينادون بالتغيير من أجله، فهناك وجوه متعددة يعايشها الناس هناك ويلزم غير «الثوريين» بالصمت عنها إلى أن يتنازل النظام الثوري «ويتفضل»! بإعادة النظر فيها.

أين الحل؟

لقد تعجبت مجلة «جان أفريك» الفرنسية عدد -16/3/1983م- من دعوة الإسلاميين في الجزائر إلى إقامة حكومة مؤسسة على هدي الشريعة. وأيضًا فغرت فاها من أن ينادوا بإلغاء الميثاق الوطني وتبديله بالقرآن. ولم تنس أن تشوه سمعة الإسلاميين بالصورة التقليدية المعتادة ثم طمأنت المجلة نفسها وعشيرتها بأن كل شيء على ما يرام. ولكنها دعت إلى مواجهة «المتطرفين» على «ساحة الفكر وتفسير الإسلام»! ولعل القائمين على المجلة يستطيعون أيضًا أن يدلوا على بعض الاختصاصيين في التفسير المرجو للإسلام!

ولكن المجلة وأشياعها يتجاهلون الدواعي الأساسية الملمة بالبحث عن الإسلام وسط هذه الظلمات الثورية التي سقنا طرفًا من حكاياتها فيما قبل. ونود أن ندل هذا القبيل على «حجة بالغة» تبتر ألسنة «المتطرفين» في الجزائر وفي غيرها من البلدان الإسلامية التي يقوم على صدرها الجماعات الثورية.. هو أن يحققوا الحد الأدنى من إشباع الحاجة الحيوية، فمن الإجحاف في حق المسلمين تنازل عن دنياهم وآخرتهم معًا من أجل العيون الثورية أو غيرها من الأنظمة الوضعية؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

138

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 10

200

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10