; صور من همم الصالحين | مجلة المجتمع

العنوان صور من همم الصالحين

الكاتب خالد علي الملا

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 74

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 61

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

 الناظر في السيرة يجد العجب العجاب من همم الصالحين ومن تبعهم، فقد كانوا خير جيل قرآني فريد في عصرهم، فاستحقوا الميزة التي أطلقها عليهم الرسول صلى الله عليهم وسلم حين قال: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ولعلنا في جولتنا هذه نسلط الضوء على بعض الصور من هممهم لنشحذ بها همتنا؛ لعلنا نصل إلى بعض ما وصلوا إليه في علو الهمة بالعمل والمثابرة، وكما يقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني            * * *           ولكن تؤخذ الدنيا غلابا 

وما استعصى على قوم منال        * * *          إذا الإقدام كان لهم ركابا

  • حرص على الوقت: يقول ابن عقيل: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح..». فهل لك بهذا عظة أيها الداعية بأن تغتنم وقتك بما يفيدك ويفيد دعوتك، «فالوقت هو الحياة»، ورحم الله ابن المبارك عندما سئل «إلى متى تطلب العلم»؟ فأجاب: «حتى الممات إن شاء الله»، وكان الإمام أحمد بن حنبل ينتقل لطلب الحديث فسأله أحدهم مستغربًا: «مرة إلى الكوفة، ومرة إلى البصرة!!، إلى متى؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة»، فاستغل وقتك فالعمل كثير، والعمر قصير، وإلا سوف تندم يوم القيامة، وتتحسر على هذا الوقت ثم تقول: «رب ارجعون».
  • همة في العبادة: كان السلف -رضي الله عنهم- يتنافسون في العبادة تحت شعار قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (الواقعة: ۱۰ -۱۱) وقول وهيب بن الورد «إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل»، ومن عجيب حرصهم على العبادة ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا، وأحيا ليلة وأعتق رقبة، وقد كان أبو مسلم الخولاني يحدث نفسه قائلًا: «أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا، كلا والله لنزاحمهم عليه حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا» نعم إنهم بحق رهبان بالليل، وفرسان بالنهار، لا ترى أحدهم إلا مصليًا، أو عائدًا لمريض، أو مشيعًا لجنازة، أو معتكفًا بالمسجد، أو تراه مجاهدًا في سبيل الله. حتى قال ابن عماد الحنبلي: «ما تكلمت بكلمة، ولا فعلت فعلًا إلا أعددت له جوابًا بين يدي الله» فراجع نفسك أيها الداعية، واشحذ همتك في طاعة الله، وزاحم أصحاب محمد -صلي الله عليه وسلم- حتى تنال مقامهم في الفردوس الأعلى بإذن الله تعالى.
  • همة في طلب العلم: قيل للشافعي: «كيف شهوتك للعلم؟» فقال: «أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تنعم به ما تنعمت به الأذنان، وكان أبو نعيم يقول: «لانزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا» فالعلم أيها الداعية نور لك يضيء دربك، ويعلي مقامك في الدنيا والآخرة، ولن تنال ذلك إلا بالهمة العالية في طلبه، كما سئل أحد السلف فقيل له: «بم أدركت العلم؟» فقال: «بالسفر والسهر والبكور في السحر» فعليك يا طالب العلم، أن تجد في تحصيل العلم، وكما قال الشاعر:

الجد بالجد والحرمان بالكسل            * * *        فانصب تصب عن قريب غاية الأمل

      ومن حرص أبي حاتم الرازي في طلب العلم ما يرويه ابنه عبد الرحمن ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب الشيء وأقرأ عليه، فهل نستطيع أن نحرص ولو بشيء يسير مما كانوا يحرصون عليه؟ لا شك أن همم عالية تحتاج إلى من يناطحها حتى يصل إلى ما وصلوا إليه.

الرابط المختصر :