العنوان صياغة العقيدة (العدد 233)
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1975
مشاهدات 92
نشر في العدد 233
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 21-يناير-1975
صياغة العقيدة
أما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فأخباره تملأ الدنيا وتزخم التاريخ، يكاد الباحثون لا يشبعون أبدًا من سيرته، وحياته التي عاشها بين يدي الرسول صلوات الله وسلامه عليه والتي تفرد فيها بخلافته والتي استطاع أن يكون الصورة الكاملة النموذج بعد النبيين للتطبيق العملي لمبادئ الإسلام شريعة الله في الأرض.
والجانب التي تتسلط عليه الأضواء في حياته رضي الله عنه جانب القوة والعدل التي لم توجد إلا مع بناة التاريخ القلائل، يكفينا بذلك شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلم أر عبقريًا يغري فربه حتى ضرب الناس بعطن.
لقد حاز على وسام العبقرية من رسول رب العالمين وإمام النبيين، وتفرد به وحده من دون صحابته أجمعين ويبقى مع ذلك جنديًا في مدرسة النبوة التي خرجت الجيل الخالد على مدار الزمن.
لن أتحدث عن الجوانب المضيئة الباهرة في حياته، والتي هي معين الباحثين والمقتبسين لكني سأتناول حادثتين تختلفان عن الجوانب المشهورة من حياته.
ثورة ابن الخطاب للحق هي المتعة التي نستمتع بها منذ نعومة أظفارنا يحكيها لنا آباؤنا ونحكيها لبراعمنا الصغار، إسلامه، جهاده. حماسه..
ومواقفه مع النفاق يعلمها تاريخ النفاق نفسه الذي يرى في ابن الخطاب أعدى أعدائه الألداد وجملة الفاروق المشهورة.
دعني اضرب عنقه يا رسول الله فقد نافق
هي التي تجعل ضعفاء الإيمان بله المنافقين يرتجفون من ثورته
وأدنى انحراف عن الخط الإسلامي يعالج بالسيف عند الجندي الملتزم عمر «خاصة في حياة قائدة عليه الصلاة والسلام إذ الأذن هو الذي يحل المشكلة وينهي القضية» أما الحادثتان فهما في بني المصطلق وفي فتح مكة.
ليس منافقًا عاديًا، ولا ضعيفًا في الإيمان ولا مؤمنًا، بل زعيم النفاق ومتولي كبره ومهيجة ومحركه عبد الله بن أبي هو بطل الحادثة.
أما موقفه فهو أشد موقف أظهر فيه حقده على المسلمين وأسوأ مرة تعرت فيه نفسيته.
إنه الموقف الذي قال فيه:
«أو قد فعلوها. قد نافرونا في بلادنا. والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»
ولم يكتف بذلك بل تابع قائلًا:
هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموه بلادكم! وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.
ونبحث في هذا الموقف عن الغضبة العمرية لله. لقد وجدنا ابن الخطاب- رضي الله عنه-. في موقف أبسط من هذا بكثير ومع أشخاص أفضل من هذا بكثير يطالب أن يضرب عنق القائل.
أبو حذيفة بن عتبة من كرام المجاهدين وأوائل المهاجرين يزل مرة واحدة في بدر، فيطالب عمر بعنقه رضي الله عنهما لأن أبا حذيفة قد نافق.
حاطب بن أبي بلتعة، تزل نفسه وتضعف في موقف، فيخبر بعض أهل مكة بغزو الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم، فيطالب عمر بعنقه وأن يكون هو الذي يضرب عنقه لأنه قد نافق.
وغير ذلك كثير بل يضرب فعلًا عنق مسلم رفض حكم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وحكم أبي بكر.
ونبحث هنا بعد الموقف الشنيع لابن أبي، بعد تشبيه المهاجرين بالكلاب، بعد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم- بالأزل- وهو من الخاسئين.
بعد هذا كله نبحث عن ثورة عمر رضي الله عنه، فنجد صورة مغايرة أن أقل ما يقتضيه هذا الموقف أن يضرب عنقه بلا هوادة ولا رحمة حتى بدون استشارة.
لكننا نرى هنا موقفًا جديدًا كل الجدة علينا.
عمر رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
مر به عباد بن بشر فليقتله
أنه لا يسارع إلى قتله، ولا يستأذن بأن يكون هو قاتله بل يطالب بأن يباشر قتله عباد بن بشر.
فأين حميته؟ وأين ثورته؟ وأين غضبه؟
نجد هنا كما قلت- موقفًا مغايرًا- لما عهدناه منه.
لماذا؟
ونبحث عن الأسباب، ونستقصي فتطالبنا صياغة العقيدة، العقيدة التي أعادت تركيب النفس الجاهلية من جديد على أسسها ومبادئها من خلال منهج الله.
إن الذي يكشف لنا سر هذه التساؤلات هو نقطة البداية في الحادثة كما ترويها السيرة:
«فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجهاه وسنان وبر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فكانت غضبة ابن أبي الآنفة الذكر وقولته المشهورة.
وكان لا بد بجانبها من غضبة عمر.
خاصة ولديه ما يهيجه، فالاعتداء واقع مباشرة على أجيره التقاري وهنا، هنا يفترق تلاميذ الأنبياء عن الناس، هنا تختلف التربية الإسلامية عن تربية الدنيا كلها التي تمنع الثورة للنفس، والغضب للذات أن الإسلام يريد من المسلم أن يتحرك لله فعلًا دون أي دافع آخر، وعندما تلتبس الأمور، وتختلط الأسباب فلا بد من التريث.
في كل مرة نجد عمر رضي الله عنه. يطالب أن يباشر القتل بنفسه حين يكون الغضب لله.
أما هذه المرة، فرغم كل صفاقة ابن أبي وادعائه وتحديه لله ورسوله فقد لجم عمر نفسه حتى لا تكون ثورته لأجيره جهجاه النفاري. وحتى لا يروى غليله، ويروى غضبه لنفسه وحتى لا تختلط المفاهيم، ولا يكون الغضب لله مشوبًا ولو بقطرة بسيطة من الغضب لله، نجده هنا يتوقف مليًا ويحيل الأمر على عباد بن بشر.
فعباد بن بشر في الأفق الأعلى من الإيمان، وعباد بن بشر من خاصة ابن أبي وقبيلته، أن عمر رضي الله عنه لم يشر على أن يقوم بقتله رجل المهاجرين، لكي لا تأخذه الحمية والثورة للمهاجرين.
خاصة وقد طلب بذلك جهجاه النفاري حين نادي يا للمهاجرين.
بل طلب أن يكون المنفذ للقتل من لا يرقى الشك إلى إيمانه وعمله الخالص لله. وأبعد نفسه عن فطان الشبهة وهو الذي أمضى حياته جهادًا لله في سبيله وفي فتح مكة.
عمر رضي الله عنه يرى منظر أعجبًا.
رآه المسلمون جميعًا فلم يثر فيهم ساكنًا.
رأوا العباس عم رسول الله على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما هو فقد رأى أبا سفيان خلف العباس رضي الله عنه، فكأنما لسعته حية، نتفض وانقض على سيفه وأسرع يصرخ أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ومضى يعدو والعباس يسوق البغلة على أشد ما يكون، وعمر خلفه. والتقيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبه يخفق خوفًا أن ينال الأمان وقد أمضى حياته عداء لله ورسوله وندع الوصف لأبي الفضل العباس عم رسول الله ينقل لنا تفاصيل اللقاء المثير.
وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطي فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد امكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، قلت: يا رسول الله أني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلًا يا عمر: فوالله أن لو كان من بني عدي ابن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف».
ولا بد من التمهل هنا والوقوف مليًا مع هذه الكلمة، إنه اتهام واضح من العباس لعمر رضي الله عنهما، ما لتحرك بدافع القبلية الضيقة.
والعباس ثانيًا: حديث عهد بالإسلام- على ظاهر الأمر- فلم يمر عليه أربع وعشرون ساعة مع هذا الدين الجديد والعباس ثالثًا وحتى لحظة اتهامه لعمر رضي الله عنه لم يخض معركة واحدة بجانب العقيدة، بل وخاض غزوة بدر مع المشركين ووقع فيها أسيرًا.
كل هذه الصور كان لا بد من أن يستعرضها ابن الخطاب رضي الله عنه، وينفجر كالبركان في وجه العباس عم رسول الله يرد الصاع صاعين باتهامه بالقبلية والتعصب لها. خصوصًا والطعنة الموجهة للفاروق رضوان الله عليه أنه إنما يتحرك بدافع قبلي بحت حفاظًا على عدائه لبني عبد مناف.
ونبحث هنا عن ثورة ابن الخطاب وعنفه فنفقدهما بشكل غريب لو كانت القضية مجرد فطرة واندفاع وثورة. لأطاح عمر رأس العباس عن جسده عقب هذا الهجوم عليه ولكنها تربية العقيدة، تربية مدرسة النبوة.
هذه التربية التي لجمت ثورة أبي حفص، وهي التي كمت فاه أن ينطق بكلمة واحدة تمس عم نبيه. إن العباس بن عبد المطلب في ذهن عمر رضوان الله عليه أكبر بكثير من أن يكون سليل نبي عبد مناف. إنه عم النبوة التي أنقذته من النار.
وتغيب الثورة، ويخمد الانفجار وينطق الإيمان الهادئ الثابت العظيم يقول على لسان أبي حفصة رضي الله عنه.
مهلًا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت، أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم وما ذال في شيء إلا لأني أعلم أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم.
لقد انفصل عمر رضي الله عنه عن قبيلته وانسلخ حتى عن أهله، وانضوى تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم وانضوى هواه في هوى نبيه وأصبح كله عجينة نبوية ليحقق الحديث الخالد الذي ربط الإيمان بالهوى، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به.
لقد تجاوز عمر هذا الأفق فلم يعد هواه تبعًا للرسالة فقط بل غدا هواه تبعًا لحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفاق ما كلف أحد من المسلمين فيه، وإنما كان الذوبان في العقيدة والحب للقيادة أعطى هذه الصياغة الخالدة على مدار التاريخ.
«١» كثير من القرائن تؤكد أن العباس رضي الله عنه كان مسلمًا منذ المراحل الأولى للدعوة ولكنه بقي كاتمًا إسلامه حتى فتح مكة حيث انتهت مهمته.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل