; ضحايا الهولوكوست.. والشيزوفرينيا الغربية | مجلة المجتمع

العنوان ضحايا الهولوكوست.. والشيزوفرينيا الغربية

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000

مشاهدات 54

نشر في العدد 1388

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 15-فبراير-2000

الحملة العالمية التي يتعرض لها الشعب النمساوي اليوم ليست مفاجئة، كما لا ينبغي حصرها داخل حدود هذه الدولة الأوروبية الصغيرة، إنها بالقلم العريض هجمة صهيونية عالمية لكتم وإخماد صوت دعوات تحرير أوروبا من عقدة «النازية فوبيا»، صحيح أن حزب الحرية الذي يحتل نصف مقاعد الحكومة النمساوية الجديدة يعتنق مبادئ ذات نزعة عنصرية سماها الإعلام الغربي بالنازية الجديدة، إلا أن النزعة الشوفينية العنصرية في أوروبا ليست حكرًا على النمسا وحدها، فهي ملاحظة وملموسة في شوارع غالبية الدول الغربية وبرلماناتها ومدارسها.

حزب الحرية في النمسا بزعامة يورج هايدر لم يتسلق السلطة على ظهر دبابة بل من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة، ولذلك فإن تدخل الحكومات الغربية في النمسا وضغطها عليها بالصورة التي حصلت من أجل استبعاد حزب هايدر عن الحكومة يعتبر تعديًا على حرية الشعب النمساوي واعتداءً على خياره.. ومشكلة هذا الحزب مع العالم الغربي، أو مع الدولة اليهودية بالتحديد باعتبارها تنتمي لهذا العالم، ليست في تصريحات رئيسه وبعض مسؤوليه المعادية للأجانب بل في محاولته الخروج من قمقم «الهولوكست» أو عقدة الذنب التي كانت ولا تزال من مقومات حياة الدولة اليهودية منذ إنشائها عام 1948م.

ومن الواضح أن الصهاينة اختاروا التصعيد في النمسا، البلد الأوروبي التي أنجبت مؤسس حركتهم ثيودور هرتزل، ومن المفارقات أن تكون النمسا أيضًا موطن أدولف هتلر زعيم النازية والمفترض بأنه ارتكب أكبر مذبحة بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تنفع الاعتذارات التي قدمها هايدر والمبررات التي ساقها في معرض الدفاع عن تصريحاته التي أثارت غضب الإسرائيليين وحنق كثير من الغربيين المسحورين بهم أو منهم، والغريب أن هايدر كان قد أدلى بتلك التصريحات منذ سنوات لكنه اعتذر عنها علنًا بعد ذلك، وكل ما قاله هايدر في ذلك الوقت لم يجنح بعيدًا عن الحقيقة حيث ألمح إلى أن عملاء الاستخبارات النازية كانوا يتميزون بالصلابة، وأن معسكرات الاعتقال النازية كانت تأديبية، كما أنه قلل من حجم الضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن مصيرهم كان جزءًا صغيرًا من تاريخ الحرب، أي أنه ليس بالصورة التي يقدمها اليهود ولا بالحجم الذي يدعونه، وهذه حقيقة أعلنها – ولا يزال - عدد كبير من الكتاب والمفكرين في الغرب وواجهوا بسببها حملات إعلامية شرسة وحوربوا، ومثل كثير منهم أمام محاكم بلادهم بسبب القوانين التي تعتبر التقليل من الهولوكست النازية ضد اليهود من المحرمات التي يجب عدم الاقتراب منها.

وكانت الدولة العبرية أول من تحرك لمعاقبة النمسا بعد تشكيل الحكومة الائتلافية في فيينا، فقد سحبت سفيرها هناك وحذت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حذوها، كما قررت دول الاتحاد الأوروبي «14 دولة» فرض عقوبات مختلفة عليها، وعلى الرغم من علم هايدر بأن سياسات حزبه ومواقفه العنصرية من المهاجرين الأجانب ليست السبب الحقيقي وراء الحملة الغربية - الإسرائيلية عليه وأن سببها موقفه من اليهود والهولوكست تحديدًا، إلا أنه حاول تجاهل تلك الحقيقة بالزعم أن النمسا رحبت بالمهاجرين واليهود والملونين، كما وصف قوانين بلاده الخاصة بالهجرة بأنها أكثر اعتدالًا من قوانين الهجرة في الولايات المتحدة، فبلاده كما يقول لم تغلق حدودها مع جاراتها، ولا تقبل بناء سور بارتفاع مترين كما بين المكسيك والولايات المتحدة!

وواضح أن هايدر لن يستطيع الصمود في وجه الضغوط والحصار المفروض عليه من الغرب والكيان الصهيوني، ومثل معظم الدول الأوروبية التي رضخت لدفع تعويضات لليهود، ممن زعموا بأنهم ضحايا الهولوكست، أعرب هايدر عن استنكاره لأن الحكومة السابقة بزعامة الحزب الاشتراكي الديمقراطي لم تستجب لمطالبات التعويض وخصوصًا لليهود، وقد وعد بأن تحاول الحكومة الجديدة التخفيف من آلام ضحايا الهولوكست وتعويضهم، لكنه في الوقت نفسه طالب بتعويض الألمان والنمساويين الذين طردوا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، مما كان يُعرف سابقًا بشيكوسلوفاكيا.

إذن فتصريحات هايدر الجديدة واعتذاراته تركز في غالبها وتهدف إلى تبييض ملفه في تل أبيب وبين الأوساط الصهيونية في الغرب، حيث يبدو كأنه استوعب وأدرك أغراض الحملة الغربية التي استهدفته وحزبه.

وكان هايدر مصيبًا في تصريحه لـ«يديعوت أحرونوت» حين قال إن هناك في إسرائيل أحزابًا أكثر يمينية من حزبه ممثلة في الكنيست وتمارس عملها بكل حرية، لكن ما غفل عنه أن اليمين واليسار في تل أبيب يتنافسان في «اليمينية» - من وجهة نظر هايدر - عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني والعربي في أرضهم المغتصبة والمحتلة، وإذا كان الرأي العام الإسرائيلي يزعم بأن ثلث اليهود هم ضحايا للهولوكست فإن كل الشعب الفلسطيني ومعهم ملايين العرب ضحايا للإرهاب الصهيوني، يمينه ويساره على السواء، ومنذ أكثر من خمسين عامًا.

إذا كانت مجرد تصريحات ومواقف لفظية أبداها هايدر تجاه الأجانب أو حتى تشكيكه في مزاعم الهولوكست قد أوقفت العالم الغربي على أصابع قدميه فتحرك لمحاصرة النمسا وفرض عليها العقوبات، فلماذا يقف هذا العالم صامتًا على الفظائع والمذابح وأعمال الإرهاب التي يرتكبها الناجون اليهود من الهولوكست ضد الفلسطينيين والعرب؟ إنها الشيزوفرانيا الغربية!

الرابط المختصر :