العنوان ضد ضرب العراق.. ومع زوال صدام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 9
السبت 03-أغسطس-2002
بعد الهجوم الأمريكي على أفغانستان، واستثمارًا للتجاوب الرسمي من كثير من الحكومات مع التوجهات الأمريكية، فيما تسمية بالحرب على الإرهاب، توالت التصريحات الأمريكية التي تشير إلى الإعداد لتوجيه ضربة عسكرية للعراق تستهدف تغيير النظام، ويستند الرأي الأمريكي في ذلك إلى أن العراق يرفض تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ۱۲۸٤، القاضي بعودة فرق التفتيش الدولية، ويرفض تنفيذ صيغة العقوبات الذكية، مكان صيغة النفط مقابل الغذاء التي استمرت منذ ما بعد حرب تحرير الكويت، لكن الولايات المتحدة وفي سبيل التمهيد لخططها راحت -ومعها بريطانيا- تكرر بانتظام أن النظام العراقي يطور أسلحة دمار شامل، وأنه يجب منعه من ذلك والتخلص منه، وإحلال نظام بديل يتسلم السلطة على أسنة الرماح الأمريكية وفوق الدبابات الأمريكية.
وبداية نقول: إننا ندين النظام الدموي للطاغية صدام حسين، ولن ننسى أبدًا عمله الإجرامي الشائن، المتمثل في غزو الكويت في مثل هذه الأيام من عام ۱۹۹۰م، كما أن جرائمه بحق شعبه، وبحق بعض شعوب المنطقة، مما يندى له جبين الإنسانية، فقد سفك الدماء، واستخدم الأسلحة المحرمة دوليًّا.
كما سجن واعتقل وعذب أعدادًا من الأبرياء تفوق الحصر، ولا شك أن أكبر المشكلات التي تعاني منها المنطقة سببها سياسات صدام الرعناء الهوجاء التي تفتقد العقلانية والرشد، فقد جلب على المنطقة كوارث تصعب إزالتها في سنوات طويلة، غير أن تلك المسلمات لا تبرر على الإطلاق تأييد حملة عسكرية أمريكية، لن يعاني منها سوى شعب العراق وشعوب المنطقة، ولن تستفيد منها سوى القوى الأجنبية عن المنطقة والكيان الصهيوني.
فصدام حسين يوفر لنفسه ولأركان نظامه الحماية التي تجعلهم في مأمن من تأثير الغارات الجوية والصاروخية، وسيكون الضحايا من المدنيين الأبرياء مثلما هو الحال الآن، إذ إن العقوبات وآثار الحصار لا تُطال إلا المواطنين البسطاء. ولا يخفى أنه إذا كان هناك توجه حقيقي لإزاحة النظام العراقي، فإنه سيستميت في الدفاع عن نفسه، ولن يقتلع إلا مثلما تقتلع الشوكة من الوبر، وسيضع الشعب العراقي أمامه حائطًا بشريًّا لحمايته، ولذا فإن من المتوقع أن يسقط الكثير من المدنيين، كما ستدمر البنية التحتية والمصالح الحيوية للشعب العراقي. كما أن التهديد الخارجي المستمر لا يخدم احتمالات تغيير النظام، فإذا كان العراقيون يكرهون صدام حسين، فإن كرههم للتدخل الأجنبي أشد، ويستغل النظام العراقي ذلك التهديد المستمر لتجميع أكبر عدد من الأنصار حوله. يُضاف إلى ذلك أن عملية تغيير النظام قد تقود إلى تقسيم العراق وتفتيته، وتخل بالتوازن الإقليمي بشكل كبير وعلى المستوى الخليجي والعربي، فإنه ليس من المصلحة بحال قيام حرب تزيد من عدم الاستقرار القائم وتمكن لمزيد من التدخل الأجنبي والوجود العسكري الأجنبي، وتشغل المنطقة عن القضية الأساسية، والمواجهة الأهم مع العدو الصهيوني في فلسطين، وترسي سابقة خطيرة في تغيير النظم وتقسيم الدول وفق الهوى الأمريكي، خاصة وأن المصادر تقول إن الأمر لن يقف عند حد ضرب العراق، بل سيتعداه إلى كل من تسميهم واشنطن الدول المارقة ومحور الشر، بما في ذلك إيران وسورية، وستلحق خسائر اقتصادية فادحة نتيجة الحرب التي ستدفع المنطقة شطرًا وافرًا من فاتورتها، بينما يجني الآخرون ثمارها. ولا يغيب عن البال التهديدات التي يطلقها النظام العراقي، والتي يمكن أن تتحول إلى أفعال تطال بعض بلدان المنطقة، خاصة إذا أحس بالخطر الحقيقي على وجوده. أما المستفيد الأكبر فهو القوى الغربية التي تقود الحملة وتؤجج نار الحرب، فهذه ستقوي نفوذها، وترسخ جذورها في المنطقة إذا كتب لها النصر، وتجعل من العراق «رأس الذئب الطائر» الذي تخوف به النظم والحكومات، كما ستستفيد مصانع وشركات الأسلحة التي ستروج بضاعتها وتكثر مبيعاتها، وتجري التجارب الميدانية على أسلحتها الجديدة، وستستفيد الشركات الأمريكية والغربية من إعادة تعمير وبناء ما دمرته الحرب، وستذهب العقود إلى تلك الشركات بأوامر ممن نجحوا في التدخل وفرض النظام الجديد، أما الكيان الصهيوني فسيحقق فائدة كبيرة بإضعاف دولة عربية وإن لم يكن لها دور مهم في مواجهة المشروع الصهيوني حتى اليوم، فإن الأمل لا يزال قائمًا في أن يكون لها -ولبقية دول العالم العربي والإسلامي- دور في المستقبل ما دام الخطر يهدد المنطقة بوضوح. كما أن من الأمور المطروحة مع تغيير النظام العراقي، أن يجري توطين عدد من الفلسطينيين في العراق لينعم الصهاينة بما اغتصبوا من أرض فلسطين، ولا ننسى أن شعار الصهيونية هو «من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل»، وهذا يعتمد على الدعم الأمريكي والغربي، نرجو الله ألا يحقق لهم أهدافهم.
إن واشنطن لا تسعى للتدخل من أجل إرغام النظام العراقي على الإفراج عن الأسرى الكويتيين، أو تحقيق الديمقراطية والحرية في العراق، ولا من أجل إرغامه على تنفيذ القرارات الدولية، فهي أول من يساند إسرائيل التي تضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط، ولكنها تتدخل من أجل تحقيق مصالحها، ومصالحها وحدها حتى دون النظر لأقرب حلفائها، وإذا كانت الغاية هي التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، فلماذا لا تقف أمريكا وأوروبا والمجتمع الدولي الموقف نفسه من إسرائيل التي تمتلك أسلحة دمار شامل من مختلف الأنواع بما في ذلك الأسلحة النووية ولا تزال تطور الجديد والمزيد منها؟ وها هي تذيق الفلسطينيين شتى أنواع التنكيل والاضطهاد والقتل والتدمير بالسلاح الأمريكي، وبالمخالفة للقانون الأمريكي ذاته، فيما تغض واشنطن الطرف عن ذلك ودون أدنى اعتبار للقوانين والقرارات الدولية
لقد صرحت معظم الدول العربية -وبصفة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي- بأنها غير صاحبة مصلحة في ضرب العراق، بل هي المتضررة. ويبقى أن تساهم تلك الدول وأن تحشد التأييد الدولي لمنع وقوع تلك المواجهة، لما سيترتب عليها من أضرار فادحة على دول الخليج بشكل عام، ﴿واتَّقُوا فتنة لا تُصين الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الانفال:25).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل