; ضوابط فقهية عن صحة الصيام ومبطلاته | مجلة المجتمع

العنوان ضوابط فقهية عن صحة الصيام ومبطلاته

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005

مشاهدات 84

نشر في العدد 1672

نشر في الصفحة 44

السبت 08-أكتوبر-2005

كثير من الناس يقع في بعض الأخطاء أو يقع في بعض الممارسات ويظن أنها تفسد صيامه، أو قد يقع بالفعل في بعض الأمور التي تفسد الصيام ويظن أنها لا تفسده، لذلك رأينا أن نستعرض هذه الأمور مع أقوال الفقهاء لبيان الحكم الشرعي فيها. 

فمن الأمور التي يسأل كثير من الشباب عنها الاحتلام وأثره في الصيام، هل يبطل الصيام أم لا؟ وعند الاغتسال لو دخل الماء رغما عن الإنسان إلى أذنيه أو أنفه هل يفطر؟ 

في البداية تطالعنا فتوى فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي بأن الاحتلام لا يفطر .. لأنه شيء لا دخل للإنسان فيه، ولم يقصد إليه فهو لا يفطر.. فنزول المني في الاحتلام لا يفطر.. وكذلك بالطبع الاستحمام لا يفطر، فإنه طهارة أمر بها الشارع الحكيم وفرضها على المسلم، وحتى لو دخل الماء إلى أذنيه فهو لا يفطر، ولو دخل الماء إلى الفم رغما عنه وهو يتمضمض للوضوء أو للغسل، فهو أيضا غير مفطر، لأنه من الخطأ المعفو عنه.

ويستدل الشيخ بعدد من الآيات والأحاديث في هذا، منها قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:5) وحديث النبي ﷺ الذي يقول: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان». كما يمكن الاستدلال أيضًا بحديث النبي «ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام».

ولكن كل هذا في الاحتلام الذي لا دخل للإنسان فيه، ولكن بعض الشباب قد يأتي العادة السرية، فهل هي مفسدة للصيام؟

والجمهور على أن العادة السرية في الصيام مفسدة له، ويجب فيها القضاء دون الكفارة كما هو مذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة والحنفية، وهو موجب للقضاء والكفارة عند المالكية، ورواية عن الإمام أحمد.

إبرة التخدير

وقد يحتاج الإنسان إلى إبرة تخدير لتنظيف أسنانه وحشوها مثلًا، فهل أخذ إبرة التخدير يفطر؟

يرى العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله- أن إبر التخدير غير مفطرة، لأنها

ليست في معنى الأكل والشرب.. والأصل صحة الصوم وسلامته، وهذا من باب المعفو عنه، وعلى المرء أن يتحفظ من ابتلاع شيء من الدواء أو الدم، وإن أمكن الذهاب للطبيب ليلًا كان أفضل.

الكذب والغش ومشاهدة الأفلام الخليعة

وعن المعاصي التي يرتكبها الناس أثناء الصيام من غير أكل أو شرب أو جماع يسأل كثير من الناس هل تفسد صيامهم. فالكذب والغش والنظرة المحرمة ومشاهدة الأفلام الخليعة وغيرها هل تفسد الصيام أم لا؟ 

ویرى الشيخ القرضاوي أن جمهور العلماء على صحة الصوم، ولكنه صوم ناقص، وينقل عن الإمام ابن حزم أن الذنوب تفسد الصيام. كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين ما يفهم هذا، وإن لم يكن راجحًا في نظر الشيخ، لكنه يقول: «ونحن - وإن لم نقل برأي ابن حزم- نرى أن هذه المعاصي تضيع ثمرة الصيام وتفسد المقصود من شرعيته، ومن أجل ذلك كان سلف الأمة الصالحون يهتمون بالصوم عن اللغو والحرام كما يهتمون بالصوم عن الشراب والطعام».

ويرى الدكتور حسام الدين عفانة أستاذ الفقه والأصول بجامعة القدس بفلسطين أن الصوم لا يقصد به مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل لا بد من صوم الجوارح عن المعاصي، فعلى الصائم أن يجتنب كل المحرمات ويلتزم بكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به حتى تتحقق فيه معاني الصوم الحقيقية، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا ينتفع بصومه ويكون نصيبه من صومه مجرد الجوع والعطش والعياذ بالله، كما أشار إلى ذلك الحديث الأخير، وله رواية أخرى وهي: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر»، وهي رواية صحيحة.

ويرى الشيخ العلامة ابن باز- رحمه الله- أن الواجب على الصائم أن يبتعد عن كل ما حرم الله تعالى من المنكر بكل أشكاله لما يسببه ذلك من قسوة القلب والتجرؤ على الشرع، والتثاقل عن الواجبات والوقوع في المحرمات، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ﴿6﴾﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾﴿7﴾ (لقمان).

المجمع الفقي: هذه الأشياء لا تبطل الصوم

وحتى نوجز كل ما لا يفطر، فسنسوق قرار المجمع الفقهي في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ۲۳-۲۸ صفر ١٤١٨هـ الموافق ٢٨ يونيو - ٣ يوليو ١٩٩٧م. بالتعاون والاطلاع على قرارات الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدت في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من ۱۲-۹ صفر ١٤١٨هـ الموافق ١٤-١٧ يونيو ۱۹۹۷م:

قطرة العين أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق والأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق وما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس) أو غسول أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي وإدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم. وما يدخل الإحليل- أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى- من قسطرة (أنبوب دقيق) أو منظار أو مادة ظليلة على الأشعة أو دواء أو محلول لغسل المثانة وحفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق والمضمضة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق والحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية باستثناء السوائل والحقن المغذية، وغاز الأكسجين، وغازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية وما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية، وإدخال قسطرة أنبوب دقيق في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء، وإدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها وأخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل، ومنظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل أو مواد أخرى. ودخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي، والقيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة).

ومن المعلوم أن الطعام والشراب والجماع هي أهم مفسدات الصيام وأنه يجوز للرجل أن يجامع زوجته في ليل رمضان، ولكن ماذا لو كان الرجل يجامع زوجته وقد أذن الفجر فماذا عليه أن يفعل؟ 

يرى الشيخ محمد صالح المنجد من كبار علماء السعودية أن الواجب هنا أن يترك زوجته بمجرد سماع الأذان وصيامه صحيح ولا شيء عليه، أما إن استمر بعد الأذان، فصيامه باطل، وعليه القضاء والكفارة. والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، ولكن بشرط أن يتأكد من صحة الأذان، وإن كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما يجتهد بعض المؤذنين اجتهادًا خاطئًا، ويفعلون ذلك احتياطًا للصيام في زعمهم، فيجوز الاستمرار في الجماع حتى يتيقن طلوع الفجر. 

ويغلب عند بعض الناس ألا يفطر حتى ينطق المؤذن بالشهادتين، أو ينتهي من الأذان في الكلية، ويرى بعض الناس أنه من الخطأ أن يفطر قبل النطق بالشهادة. غير أن هذا يعد من باب الخطأ فالدكتور أحمد يوسف يجيب عن هذه الحالة بأنه لا يجب الانتظار حتى نطق المؤذن بالشهادتين فضلًا عن انتهائه من الأذان، فإذا أكل الصائم أو شرب بعد غروب الشمس، وعند التكبير لأذان المغرب، فصومه صحيح لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: ۱۸۷) والمراد بالليل غروب الشمس، فقد روى البخاري في الصحيح وغيره بسنده عن این عمر- رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ص يقول: «إذا أقبل الليل وأدبر النهار، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم.. بل إن من السنة تعجيل الفطر إذا تأكد الصائم من دخول وقت المغرب فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».

وقد يظن بعض الناس أن الفجر لم يطلع فيتسحرون، أو يظنون أن المغرب قد أذن ولم يؤذن، فيأكلون، فما حكم صيامهم؟

ينقل لنا الشيخ القرضاوي أن المفتي به في مشهور المذاهب أن حالة هذا وذاك تبطل الصيام وعليه القضاء، ولا إثم عليه. لأنه أفطر خطأ، وإثم الخاطئ مرفوع ولكنه لا يصحح العبادة، ولكن الشيخ ينقل رأي ابن حزم والذي يرى أن كلتا الحالتين صاحبهما صيامه صحيح، لأن المرء لا يحاسب على الخطأ بنص الحديث، وينقل ابن حزم أن هذا قول جمهور السلف. وقد أفطر الناس خطأ في زمن عمر ونقل هذا عن عدد من التابعين، ويعلق الشيخ القرضاوي قائلًا: «ودليل ابن حزم قوي واضح، وإن كان أقوى وأنصع بالنسبة لمن تسحر بعد الفجر، إذ القرآن أباح المباشرة والأكل والشرب حتى يتبين الفجر للمكلف. ومن تسحر يظن أنه في الليل لم يتبين له الفجر قطعًا». ولكن على المسلم أن يتحرى جيدًا.

رمضان كريم 

عن سلمان الفارسي أنه قال: «خطبنا رسول الله آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيها الناس! قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة شهر المواساة من قطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء». قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال عليه الصلاة والسلام، «يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

134

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

رمضان كريم

نشر في العدد 1285

200

الثلاثاء 20-يناير-1998

استراحة المجتمع   العدد 1285

نشر في العدد 537

110

الثلاثاء 21-يوليو-1981

الأسرة