العنوان ضياع إنسانية الإنسان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1848
نشر في الصفحة 41
السبت 18-أبريل-2009
ضياع القيم هو ضياع لإنسانية الإنسان، وقتل لروحه، وحفز لنفسه الأمارة بالسوء، وتحريض لحيوانيته السبعية، وإثارة لغرائزه الهمجية، وقذف لشهواته البهيمية، وهل يصلح فرد هذا شأنه؟ وهل ينتفع بإنسان هذه طبيعته؟ وهل تسود أمم هذه لبناتها؟ وهل تتقدم شعوب هذا نسيجها؟
وهذا ما دعا الكثير من الساسة غربيين وشرقيين إلى الإيمان العميق بعد تجارب مريرة، إلى طرح سؤال واضح المعالم بين القسمات وهو:
هل تستطيع قوة عالمية لا تهتدي بمجموعة من القيم المماثلة في عالميتها أن تمارس هيمنتها على نفسها أو غيرها فترة طويلة؟!!
وتكون الإجابة بالاستحالة؛ لمعارضتها طبيعة الإنسان نفسه ومخالفتها لسنن الحياة وقانون الاستقرار البشري، ولهذا كان القرن العشرون بتخليه عن القيم وعن الأخلاقيات، واتباعه للمذاهب المنحرفة عصر ما يسمى بـ «سياسة الجنون المنظم أو المتفلت».. ولم يقتصر ذلك الجنون على السبق من حيث إراقة الدماء فقط، ولكنه تجاوز ذلك إلى كونه أكثر المحاولات البشرية إجرامًا في السيطرة على النفس البشرية داخليًا وخارجيًا بحجة خلق مدينة فاضلة بديلة عن هداية الله، ولكن بأساليب قهرية دموية متعسفة فاضحة، وبحجة خلق مجتمع فاضل جبري، يُقام على أساس من التصفيات الجسدية لمن يُدعى عليهم بأنهم غير صالحين اجتماعيًا وغير قابلين للإصلاح، أو معارضين، أو غير متعاونين، أو مخالفين عرقيًا، أو اجتماعيًا لطبقة الآلهة لتلك المدينة أو المجتمع الفاضل، وكان لا بد لهؤلاء الآلهة البشرية أن يخترعوا من المذاهب والنظم ما يسير عليه البشر، وما يكون دستورًا لتلك المجتمعات، وقد كان، واغتصبت «الهتلرية»، و«اللينينية»، و«الإستالينية»، دور الوحي الإلهي، ورفضوا الأديان، وأنكروا الروحيات، وأغرقوا أنفسهم في المادة، فصادموا ملكات الإنسان، وغالبوا نواميس الكون، وأرادوا إقرار مذاهبهم وأديانهم الجديدة بالحديد والنار، فماذا كان؟
كان القرن العشرون قرن المذابح المليونية، وعصر المجازر الدموية التي تفوق مقدرة التصور البشري، وتعظم عن إدراك التخيل الإنساني، لأن كمية الهول الذي لم يسبق له مثيل جعله غير قابل للفهم أو مستوعب للعقل؛ لأن حروب هذا القرن قد حصدت حوالي ۷۸ مليون نسمة، وهذا الرقم يوازيه أو يطغى عليه أخلاقيًا أرقام أخرى مروعة تبرر وصم هذا القرن بأنه قرن «المذابح المليونية»، إنها أعداد الأفراد العزل بسبب الكراهية المذهبية، وبسبب محاولة فرض مذاهب ونظم مخترعة تلفظها الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية لأربعة فقط من الدمويين في العصر الحديث.
يقول «برجنسكي» -مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الولايات المتحدة ومستشار مركز الدراسات الإستراتيجية الدولي -: «إن مجموع القتلى في أثناء هذا القرن لأسباب دينية وأيديولوجية من الذين ماتوا بعيدًا عن المعارك الحربية يصل إلى (۸۰) مليون نسمة، وبالتالي فإن ما لا يقل عن (١٦٧) مليون نسمة وربما (١٧٥) مليونًا قد لقوا مصرعهم في مجازر وقفت خلفها السياسة، وهذا الرقم أكبر من إجمالي ضحايا كل الحروب والمعارك الأهلية والاضطهادات الدينية عبر التاريخ الإنساني كله، أفليس جديرًا بهذا القرن أن يسمى بقرن الكوارث والنكبات والفواجع البشرية؟! وأن يسمى بعصر القهر المذهبي والقتل الأيديولوجي للمذاهب والنظم المخترعة التي بعدت عن منهج الله فشقيت وضلت، وسفكت الدماء، وعاشت الضنك الحقيقي في الحياة، وصدق الله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124)
إنني ولإيضاح هذا الضنك، سأتحدث عن ضحايا أربعة فقط من زعماء تلك المذاهب الأيديولوجية على لسان «برجنسكي»:
فباسم المذهب تسبب «هتلر» في قتل (٥) ملايين من أعراق مختلفة يهود وغيرهم، هذا بالإضافة إلى (۸۰۰) ألف من الغجر، ومليوني بولندي، وحوالي (٦) ملايين سوفييتي، هذا خلاف الملايين الذين قتلوا في الحرب، هذا خلاف من اتهمهم بالخيانة والخروج عليه، وخلاصة القول فإن «هتلر» وحده قتل (۷۱) مليون نسمة، ومع هذا فقد تفوق عليه «ستالين» في سبيل إقرار المذهب الشيوعي، فبعد أن قتل «لينين» حوالي (۸) ملايين نسمة، تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات على يد «ستالين» الذي تسبب في قتل ما لا يقل عن (۲۰) مليون نسمة، وقد يصل إلى (٥٢) مليونًا، وتفصيل ذلك كما يلي: مليونًا رميًا بالرصاص، مليونين في معسكرات العمل من المعارضين، مليونًا على أعواد المشانق، (۷) ملايين من الريفيين نتيجة التأميم (۲۱) مليونًا منهم في معسكرات العمل، مليونًا في النفي الجماعي والتهجير، هذا عدا ملايين المعارضين والمتهمين بالخيانة!!
وكانت الخسائر البشرية في الصين على يد «ماو» بسبب تنفيذ التجربة الشيوعية مفزعة تفوق سابقتها في الاتحاد السوفييتي، حيث كانت حصيلتها حوالي (۲۹) مليونًا، مليونان منهم أعدموا لأنهم أعداء الشعب، و(۷۲) مليونًا من الفلاحين نتيجة التطبيق الجبري للملكية الجماعية، فكانت هذه الأرقام حصيلة أربعة فقط هم «هتلر»، و«لينين»، و«ستالين» و«ماو» هذا عدا حساب الأرواح البشرية التي دفعت من أجل محاولة مدينة فاضلة في أوروبا الشرقية التي تكلفت (۳) ملايين، وهذا عدا كوريا الشمالية، وفيتنام، وكمبوديا، وكوبا، وتقدر أعداد الضحايا لذلك بـ (٤) ملايين.
وباختصار فإن الجهود الفاشلة لبناء مجتمع شيوعي أهلكت أرواح ما يربو على (٤٦) مليون نسمة في هذا العصر، هذا عدا البلاد التي كانت تتشبه بهذا المعسكر كبلاد الشرق الأوسط وغيرها، وبعد هذا الضياع وسفك الدماء انهدمت هذه المذاهب والمبادئ وأصبحت كجيف تزكم الأنوف، ولكن هل صحا المخدوعون بهذه الأباطيل، أم باتوا يبحثون عن جيف أخرى، وينقبون عن مبادئ شرود تعيد التجربة الدموية، وتعمق الضنك الإنساني، وتقتل القيم، وتقطع الأخوة، وتعبد الناس لآلهة من البشر لا ترحم ولا تهتدي؟
وهل عرفت الإنسانية واهتدى الضالون في هذا العصر إلى الإرهابيين الحقيقيين؟ وهل هدأت الذئاب البشرية وتركت الناس لمنهج ربها ورحمة خالقها؟ أم أنها استنعجت حتى تجد فرصة واستنامت حتى تنقض على الفريسة؟!
وإذا الذئاب استنعجت لك مرة
فحذار منها أن تعود ذئابًا
فالذئب أخبث ما يكون إذا اكتسا
من جلد أولاد النعاج ثيابا
وهل تصحو العزائم المسلمة وتأتي الأيدى الحانية والمناهج المؤمنة لتنعم البشرية وترتاح، ويفرح المؤمنون بنصر الله؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل