العنوان التفاتة إلى الميلاد في وسط الحوادث
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1503
نشر في الصفحة 49
السبت 01-يونيو-2002
أخذتني التفاتة عجلى إلى ميلاد رسول ﷺ في مكة فاستشرفت قول القائل حين هبت عليه أنوار الرسول وأضواء الرسالة، فانبلج منه الصوت قائلًا:
فجر أطل على الوجود فاطلعا *** شمسين: شمس سنا وشمس هدى معا
ظلت مطالع كل شمس لا ترى *** من بعده شيئًا كمكة مطلعا
ما كان ميلاد الرسول المصطفى *** إلا الربيع نضارة وتضوعا
وسمعت أذناي صوت شوقي وهو يوقظني من سباتي قائلًا:
ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله *** للدين والدنيا به بشراء
سمعت ذلك وسمعت غيره من الأدباء والشعراء الذين هاموا بالذكرى، وحلقوا في سماء الشوق إلى الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، فقلت لم لا تتعشقه القلوب والأفئدة وتذوب في حبه المهج والأرواح، وهو الذي زكاه ربه بما لم يزك به نبيًا أو رسولًا، حيث زكى عقله فقال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ (سورة النجم، آية: 1- 2)، وزكي لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (سورة النجم، آية: 3- 4) وزكى بمعلمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ (سورة النجم، آية: 5) وزكى بصرة فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (سورة النجم، آية: 17) وزكى فؤائده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(سورة النجم، آية: 11﴾، وزكى خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم، آية: 4) وزكى منهجه وسيرته في الناس، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة، آية 128) ووصفه بصفات الكمال والعز فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، آية: 45- 46) وجعله رحمة مهداة ونعمة مسداة، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء، آية: 107) وجعله ميراثًا للبشرية وملجأً للإنسانية بعيدًا عن العصبية والقبلية فقال تعالي: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (سورة الأحزاب، آية: 40).
وأقام به عوج الملل وبشر به سائر الأمم: ﴿لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأعراف، آية: 157) وجعله مزيلًا للظلم والظلمات ومجددًا للهدى والرسالات ومظهرًا للحقر البينات، وفاصلًا بين الحق والباطل فقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء، آية:81) ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (سورة الأنبياء، آية: 18) سماه الله المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة الأعراف، آية: 199).
ولا نستطيع أن نحصي ما جاء في رسول الله ﷺ من الصفات البشرية الكريمة ولكننا نقول كما قال البوصيري:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر *** وأنه خير خلق الله كلهم
بشر أوحى الله إليه بشرع فبلغه وجاهد في سبيله وربى عليه خير أمة أخرجت للناس، علمت الدنيا الفضائل، ودربتها على المعالي، وأخذت بيدها إلى المجد، وصاغت من الهداية قلائد نور، وأوسمة ضياء، فأطلعت شموس الرسالات الغاربة، وأشعلتها بفجر الرسالة الخاتمة، ونادت الناس إلى أخوة عامة، وهداية واحدة، ورب واحد، إلى الحقيقة الأزلية الأبدية التي لا تستطيع الفطرة إنكارها أو الحقائق نسيانها، وكون رسول الله ﷺ الأمة التي ستدافع عن الحق وتحمي بيضته وزماره، وتصون أمته ورجاله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب، آية: ۲۳) لأن البشر لا يصلحهم إلا أمران: الأول رسالة هادية بزعامة قادرة، والثاني أمة حية صاحبة أخلاق ومثل، وشجاعة ويقظة وغاية تحيا من أجلها وتموت في سبيلها، فإذا انهدم ركن من هذين الركنين ضاعت الأمم وانهزمت الرسالات وذهب الأمن والأمان وتدنت البشرية إلى أسفل سافلين.
ولهذا نرى شوقي ينظر إلى أمة الإسلام بعدما انهدم ركناها، ويخاطب رسول الله ﷺ فيقول:
شعوبك في شرق البلاد وغربها *** كأصحاب كهف في عميق سبات
فقل رب وفق للعظائم أمتي *** وهيئ لها الأفعال والعزمات
ونرى المسلمين اليوم يتلفتون إلى الذئاب البشرية، وإلى الحق الضائع، وإلى المجد الذاهب، وإلى الحمى المستباح وإلى الكوارث الحالة والمستشرفة وهم حيارى على مفترق طرق، كالثكلى بين اللئـام، وكالأيتام وسط السباع والذئاب، لا يجدون حقًا أو حقيقة.
إن الحقيقة غير ما يتوهم *** فانظر لنفسك أي حال تعزم
أتكون في القوم الذين تأخروا *** عن حقهم أو في الذين تقدموا
لا تخد عن فتلوم نفسك حين لا *** يجدي إليك تأسف وتندم
واليوم في ذكرى الرسول المصطفى وفي ميلاده الكريم.. هل ينهض أتباعه الذين بعث فيهم، وأنصاره الذين اتبعوا النور الذي أنزل معه، لدفع البغي الذي حل بهم والظلم الذي أحاط بديارهم، وهل تفيق الفئة المخدوعة التي ما زالت تتمرغ في أوحال أعدائهم وتمكر بأمتهم، وهل ترعوي هذه الأقزام الهزيلة التي تتصدر الصفوف، ويسحبها البغاة الظالمون على وجوههم دمى لا ينطقون بغير ما تهوى فما، أقول: أبدًا لا، لا يفقهون ولا يرجعون:
فللتدابير فرسان إذا ركضوا *** فيها أبروا كما للحرب فرسان
نعم فمن أين جاءت هذه الدمى؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل