العنوان طباخة ماهرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 12
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
كنت في بداية المرحلة الجامعية عندما تزوجت، كان أول شيء أخبرت به زوجي بعد عقد القرآن أنني لا أتقن فن الطبخ وأنني لم أفكر يومًا في الدخول إلى المطبخ لتحضير وجبة غداء أو عشاء للعائلة. فما كان منه إلا أن ابتسم وقال: «نوقف استمرار مسيرة حياتنا من أجل عدم إتقانك للطبخ؟ فأنا لا أهتم بمثل هذه الأمور».
وسارت حياتنا الزوجية بلا عناء أو نكد أو خصام، فقد
كان زوجي عند وعده لي، يحتمل الكثير ويتغاضى عن الكثير. والحق أنني كنت أجهد نفسي
في إتقان طبخة معينة أو أكلة يحبها، فتراني أبحث بين طيات الكتب أو أرفع سماعة
الهاتف لأسأل ذوي الخبرة والاختصاص، فصعدت درجة واحدة فقط في سلم الطبخ، وكانت
بالنسبة لي قفزة واسعة خاصة بعد سماع تشجيعاته وإطرائه المستمر.
كان زوجي من نوعية الرجال الذين يستقبلون الكثير من
الأصدقاء على وجبة العشاء مرة أسبوعيًا على الأقل، وفي كل مرة كان يقوم بشراء
وجبات خارجية. حتى جاء اليوم الذي أحسست فيه أن هذا عيب كبير في حقي كزوجة، وكثيرًا
ما كنت أشعر منه أنه يتمنى اليوم الذي أقدم فيه شيئًا لأصدقائه من صنع يدي. وقررت
أن أقوم بهذا العمل من الأسبوع المقبل، فأخذت أستعد لذلك إلى أن جاء يوم
الاستقبال، وحاولت جاهدة أن أتقن ما أقوم به من عمل، خاصة وأنا أرى السرور والفرح
ينتاب زوجي، ومكثت ساعات في المطبخ.
ولكن محاولتي الأولى ماتت يوم مولدها؛ فأنا لم أتقن
عمل كمية بسيطة تكفيني وزوجي، فكيف إذن بكمية لعشرة أشخاص أو أكثر بقليل؟ ثم أنني
لا أملك الأساسيات في الطبخ، فقد وضعت الأرز على نار متوهجة وكمية الماء كانت
قليلة جدًا حتى إذا ما انتهت كنتُ أزيدها حتى تعانقت حباتُ الأرز من بعد الفراق
وأبت إلا الوصال، وأصبح وكأنه معد لكبار السن في دار العجزة الذين فقدوا أسنانهم
وأضراسهم، فهو للبلع أقرب منه للمضغ.
ورأيت انكسار خاطر زوجي وذبول عينيه التي ما برحت
تنظر إلى الأرض من شدة الخجل من الأصدقاء الذين فجعوا بهذا المصاب الأليم، فبعد
الانتظار لم يجدوا إلا الدمار، وانتهت الضيافة وخرج الأصدقاء وقد ماتت على لسان كل
واحد منهم كلمة عزاء يود لو قالها لزوجي على هذه الزوجة (الماهرة)!
وبكيت في تلك الليلة كما لم أبك من قبل.. بكيت على
فشلي، بكيت على عدم إتقاني لفن الطبخ الذي هو تاج تفتخر به كل زوجة ماهرة والذي لم
يكن يعني لي شيئًا قبل الزواج. بكيت بشدة على الموقف المؤسف المحرج الذي وضعت فيه
زوجي الحنون.. بكيت على تحمله لي وحسن عشرته وصحبته والتي أقابلها بالخيبة
والفشل.. بكيت إلى أن بزغ فجر يوم جديد.
تفجرت في نفسي في ذلك اليوم موهبة جديدة اسمها فن
الطبخ.. فقد أصبح حديثي الدائم والذي لا ينتهي هو الطبخ وما أساسياته وكيفية
إتقانه. ويومًا بعد يوم أصبحت أتقن مئات الطبخات والحلويات، وأصبح زوجي يستقبل
أصدقاءه مرفوع الرأس وهو يسمع إطراءهم على طعامي اللذيذ..
ولكنني تعلمتُ درسًا لن أنساه ولن أنسى أن أحدث به
كل فتاة على أبواب الزواج، وأنصحها بأن تتعلم أساسيات الطبخ وتتقن عمل الكثير من
المأكولات؛ لأن هذا الأمر سيكون هامًا بالنسبة لها بعد الزواج. فإذا ما جاءها زوج
حنون، فإنها ستشعر بمدى الإساءة التي تسببها له، وكيف تقابل إحسانه بإساءة، وإن
كان غير ذلك فستكون هذه بداية المشاحنات، فقد حدثتني إحدى القريبات بأن زوجها كان
يترك البيت ويذهب إلى أحد المطاعم وهو ناقم عليها وعلى حالها، وكانت نظرته ترمقها
دائمًا وهي تقول: «إنك لا تستحقين لقب زوجة». وكان هذا الأمر يكدر عليها حياتها
إلى أن أتقنت صنع الطعام. وقديمًا قالوا: «أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته».
مع تحيات زوجة ناصحة
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل