العنوان الابتكار طعم آخر للحياة.. طبقات ومستويات الإبتكار
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 53
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 63
السبت 30-ديسمبر-2006
الابتكار يشمل مجالات الحياة كلها، إلا ما جاء محددًا من نص في كتاب الله أو رسوله ﷺ، فليس لنا الزيادة والنقصان، ولكننا نستطيع أن نبتكر في طرق عرضه وتدريسه، وإيصاله للناس، وسنختار بعض المجالات كأمثلة ونماذج:
أولًا: مجال التأليف
المتابع لحركة الابتكار في العالم الإسلامي يجدها تنبض بالحركة والسرعة والمسابقة بين أبناء الأمة لطرح الجديد المبتكر دائمًا، منذ عهد التدوين حتى زمننا هذا.
ولم يكتف العلماء بتأليف كتب التفسير والحديث على الشكل النمطي، بل بدؤوا يطرحون أفكارًا جديدة منبثقة من هذين الأصلين، وبدؤوا يخصصون تأليفًا لفروع من هذين الأصلين.
١- القرآن الكريم:
أصبح الناس يرون تآليف جديدة في القرآن الكريم وعلومه، مثل كتب متخصصة في أسباب النزول وأخرى في أنواع القراءات، وأخرى في الناسخ والمنسوخ، وأنواع التفسير ومدارسه، وكتب في تراجم المفسرين، وكتب في غريب القرآن، وكتب متخصصة في إعجاز القرآن، ومقاصد القرآن، وأحكام القرآن، وإعراب القرآن، وتسابق العلماء بابتكار الجديد في هذا المجال على مر العصور، ومن أبرز ما ابتكر العلماء في العصر الحديث في هذا المجال ولم يسبقهم به علماء القرون الماضية التأليف في قصص القرآن الكريم (١)، وأخرى في معاجم وفهارس لألفاظ القرآن الكريم (۲)، بحيث يستطيع الباحث أن يصل إلى الآية التي يريدها بمعرفته بلفظ واحد من الآية.
٢- السنة المطهرة:
وبدأ العلماء يطرحون للمجتمع كتبًا جديدة، وابتكارات جديدة في عرض السنة المطهرة، فخصصوا للأحاديث الصحيحة كتبًا خاصة بها، وظهر علم الجرح والتعديل والذي يختص بالرجال وتوثيقهم وتقييمهم، ثم ظهرت كتب متخصصة بعلم التخريج وأصوله، وكتب شروح الحديث، وكتب أطراف الحديث، وذلك لتسهيل البحث والعثور على الحديث من خلال معرفة طرقه، وكتب الأذكار، وكتب فضائل الأعمال، مثل كتاب رياض الصالحين، وكتب الترغيب والترهيب، التي يجمع بها المؤلف أحاديث ترغب بالعمل الصالح، وترهب من المعصية، وكتب في علل الحديث، وكتب في مصطلحات الحديث اللفظية، كالمسند والمتصل، والمرفوع، والموقوف، والمعضل، والمقطوع، والمرسل، وكتب متخصصة بالأحاديث القدسية.
3- الأدب والتاريخ:
وفي مجال التاريخ تفنن العلماء بعرض التاريخ بابتكارات مذهلة، بعيدًا عن الأسلوب التقليدي لتدوين التاريخ، وذلك بذكر السنوات وما حدث فيها من أحداث، ومن مات فيها من شخصيات، وركزوا قبل كل شيء على السيرة النبوية.
أ- السيرة النبوية:
وبعد الفترة الأولى من التأليف التقليدي، مثل سيرة ابن هشام، والسيرة النبوية لابن كثير، والروض الأنف، وما شابهها بدأ العلماء المسلمون يبتكرون طرقًا جديدة بتناول السيرة النبوية، فبدأ المبدع ابن قيم الجوزية بتأليف كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد»، حيث على خلاف الكتب التقليدية القديمة، ذكر في هذا الكتاب الموسوعة، كل ما يتعلق بالرسول ولادته، مرضعاته، ختانه، حواضنه، أسمائه، أولاده، بناته، سراريه، زوجاته، مواليه، خدامه، كتابه، كتبه، رسله، مؤذنيه، أمرائه، حرسه، شعرائه، خطبائه، أعمامه، أخواله، خالاته، عماته، دوابه، غزواته، وسراياه، سلاحه، أثاثه، ثم أفرد فصلًا في هدية بشكل عام باللباس، والطعام، والنكاح، والنوم، والشراء، والبيع، والمشي، وقضاء، الحاجة، وما يتصل بذلك، ثم دخل في هدية في العبادات، وغيرها.
ثم ابتكر ابن القيم فصلًا، الفصل بعد ذلك، وأصبح كتابًا منفردًا عن الطب النبوي، والذي أصبح بعد ذلك مرجعًا وأصلًا في الطب البديل، وقد أبدع المعاصرون في عرض السيرة النبوية، بما لم يخطر على بال السابقين.
ب- التاريخ:
كان الاهتمام بالتاريخ متأخرًا شيئًا ما، فكانت بدايات تدوين التاريخ في أواخر القرن الثاني للهجرة، ابتداءً من الإمام ابن جرير الطبري، وابن كثير، وابن الأثير، وابن الجوزي.. وغيرهم، ولكن جميع هؤلاء كانوا يدونون التاريخ بطريقة تقليدية، إلى بدايات القرن الخامس الهجري، حيث بدأ الاهتمام بالتاريخ يأخذ منحى آخر، وذلك عبر ابتكارات جديدة، ابتداءً بالإمام ابن الجوزي الذي قدم للمكتبة الإسلامية كتبًا مبتكرة في التاريخ مثل «المصباح المضيء في خلافة المستضيء» والذي عرض فيه مواعظ العلماء للخلفاء والسلاطين والأمراء بما يؤرخ مواقف العلماء من خلفاء ذلك الزمان، وقبله بقليل أرخ الحافظ أبو نعيم، للزهاد منذ عهد الصحابة إلى وقته، وأسماء «حلية الأولياء».
ثم جاء العصر الحديث، وأبدع علماؤه في عرض التاريخ بما لم يتطرق له من كان قبلهم، فلأول مرة يعرض التاريخ العسكري للحروب والمعارك، كما عرضها اللواء محمود شيت خطاب.
الهوامش
(۱) مثل كتاب «قصص القرآن الكريم» للأستاذ فضل حسن عباس ط/ دار الفرقان، وكتاب قصص الأنبياء لابن كثير.
(۲) مثل كتاب «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» لمحمد فؤاد عبد الباقي.