العنوان طبيعة الأدب الإسلامي في حوار مفتوح مع الدكتور محمد عادل الهاشمي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987
مشاهدات 47
نشر في العدد 824
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 07-يوليو-1987
في العدد الماضي نشرنا الجزء الأول من المقابلة القيمة مع الدكتور محمد عادل الهاشمي.
وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثانية والأخيرة من المقابلة وذلك كما يلي:
المجتمع: هل يعني التحديث في الأدب الإسلامي أن نستقدم له التقنيات الأدبية الأوروبية بوصفها مطروحة في الساحة الأدبية كالرمز والأسطورة والصراع..؟
الدكتور الهاشمي: الأدب الإسلامي أدب غير منغلق، يفيد من المعطيات العالمية ويصهرها ببوتقة شخصيته، ولكن إفادته من التقنيات العالمية تظل في حدود الاصطفاء للملائم المنسجم منها مع طبيعته.. إن الأدب الإسلامي يفيد من تقنية الرمز، ولا سيما إذا اتخذ أقنعة من تاريخنا الإسلامي، أو من التاريخ بعامة على سبيل المقابلة ورسم النماذج، ولكنه يقف من الأسطورة موقفًا مختلفًا ذلك أن الأسطورة تكاد عند ممارسيها الأوروبيين ومن سار على أثرهم تنبع من أوهام تستقي من تاريخ الوثنية والنصرانية والباطنية.. ولن تقدم- عن طريق هؤلاء- للأدب الإسلامي ما يلائم تصوره ووجهة نظره وشخصيته المستقلة.
وأما الصراع فقائم في الحياة بين الخير والشر، وبين النماذج المتقابلة في الحياة، وقائم أحيانًا في النفس الإنسانية، ولكن الأدب الإسلامي لا يفيد من الصراع بوصفه «خاصة» أو «حتمية»، في كل النتاج الأدبي، وفي نسيج ذلك النتاج بحيث يتخلله الصراع الحقيقي والخيالي والمسقط على الأشياء، الأمر الذي يوهم بالجدلية «الديالكتيكية» التي تثبت منهجية الصراع، وبالحتمية التي تسفر عن نتيجته، فالأدب الإسلامي يصور الصراع في بيئة الصراع، ولكن لا يثبته في نسيج نتاجه كمنهج أو فن، كما يصنع بعض المتغربين، بل قد ينشئ الأدب الإسلامي أثارًا أدبية خالية من الصراع، إذا كانت تحكي صورة المجتمع الإسلامي في خاصية الواقع الثاني كما هو عند أحمد رائف في «البعد الخامس»، أو حينما تمثل لصورة الجبل الإسلامي الأول.
نعم قد تكون هناك ملامح صراع بين الإنسان والشيطان، ولكنه صراع غير دائم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).
وأما الصراع مع الباطل المعاصر فهو صراع مرحلي لا يتسم بصفة أبدية، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار مستوى الحق المتمثل في الإسلام، ومستوى الجاهليات المعاصرة، إن الإسلام إزاء الجاهلية والجاهلين- في أصل طريقه وخطته- هاد ومرشد، وليس مصارعا أزليا، إنما نفذت هذه البدعة إلى بعض كتابنا من خلال منهج «الديالكتيكية» الشيوعي، فأصبح له منهجًا وطريقًا لا يغادر نتاجه، حتى أصبحت المقابلات والمتضادات أصلًا فنيًا عنده بما يجوز على الحقائق الفطرية.
المجتمع: تناول بعض الكتاب الغيورين على الإسلام قضية «الحداثة»، وتكلموا عنها منددين بالاتجاه الذي يرفع لواءها، وفي مقدمتهم «أدونيس» فما رأيك في هذه القضية؟
الدكتور الهاشمي: إن «أدونيس» وسواه من الأدباء المعاصرين قد رفعوا- على زعمهم- لواء «الحداثة» ضد الأصالة والقيم الإسلامية في كلام طويل، والذي يهمنا هنا بيانه أن الذين يدعون الحداثة لا يأتون بما يدعونه من عند أنفسهم، ولكنهم يستوردون مفاهيمهم من أوروبا ويطلقون عليها «حداثة»، فهم تابعون متغربون، مقلدون، وليسوا أدباء حداثة، لذا أجد أن يطلق على هذا التيار الحابي وراء أدب أوروبا اسم «التغريب» لا الحداثة، لأن الحداثة إنما تنبثق من خلال الإبداع الذاتي لا التقليد.
المجتمع: لقد تبنى أدباء التغريب ونقاده قواعد أدبية ونقدية مأخوذة عن الغرب أو الشرق، وأرادوا فرضها على وسطنا الأدبي المعاصر، فهل نرفض تلك القواعد المجلوبة استرسالا مع ظاهرة ردود الفعل المعاصرة؟
الدكتور الهاشمي: إننا بمقتضى مدلول الأصالة في أدبنا الإسلامي لا نخضع لردود الفعل رفضًا أو استجابة، فلا نرفض المعطيات المطروحة ولا نجاريها، لأن رفض معطيات الأداب الأخرى انعزال، ومجاراتها تبعية وانقياد، إنما نأخذ ما يناسب تصورنا الأصيل، ونصهر المعطيات المصطفاة بشخصيتنا المتميزة، فلا انعزال ولا تبعية كما لا تستجر أدباءنا الجاهليات المعاصر إلى ما تريد بحثه من قضايا بدافع رد الفعل، فتغرقهم في التعبير عن قضايا مرحلية لتلفتهم عن منطلقات الأدب الإسلامي وآفاقه وعوالمه. إن أدبنا المسلم هو من يوائم بين متطلبات المرحلي والدائم، ويعطي كل منهما ما يناسبه قدرًا وقيمة وتلوينا من النتاج.
شجب الضعف والشبهات
المجتمع: يزعم البعض ضعف المستوى الفني للأدب الإسلامي في العصر القديم فهل هناك ما يدفع هذا الزعم؟
الدكتور الهاشمي: لقد تابع بعض الباحثين، دون استقراء شامل لنصوص عمر صدر الإسلام مقوله الأصمعي: «إن الشعر نكد بابه الشر.. إذا دخل في باب خير لان، ألا ترى إلى حسان كان من فحول الجاهلية فلان شعره في الإسلام» واكتفى من قال بالضعف بهذا الدليل، محكمًا القواعد النقدية القديمة التي تغلب جانب الشكل على المضمون، أما الأدباء المعاصرون الذين يمزجون بين الشكل والمضمون في التقويم فيرون خلاف ذلك، ولا سيما إذا كان تقويم العصر من خلال التصور الإسلامي ، إنهم ليرون استفاضة الشعر في عصر الإسلام وقوته وغني موضوعاته ومضامينه وارتقاء الرؤية الكونية فيه، ولقد كان لي حظ البحث المفصل في هذا الموضوع في كتابي: «شعر صدر الإسلام من منظور التصور الإسلامي» حيث عرضت لرأي الفريقين وأدلتهما موضوعيًا، وانتهيت إلى ترجيح ارتقاء مستوى شعر هذا.
المجتمع: ما رأيك في الزعم القائل بكثافة المضمون وضمور الجانب الفني في نتاج الأدب الإسلامي؟
الدكتور الهاشمي: إنها دعوى.. ولكنها في ميزان الإسلامية الأدبية لا ترقى إلى مستوى القبول، وذلك لأن رقي المضمون يستتبع رقي الفن، وإن آفاق التصور الإسلامي الراقية الشاملة لتمنح مدا واتساعا في آفاق الفن والتعبير، ولما كان المضمون والشكل متلازمين ويتبادلان التأثير والقوة كان ما يروى على أنه أدب إسلام ثري المضمون واهن الفن ليس أدبًا أصلًا حتى يدخل دائرة الأدب الإسلامي، إنما يعوز الأمر الضبط والنقد.
المجتمع: ما رأيك فيما يقوله أحد الباحثين: الأدب الإسلامي المعاصر هو تعبير عن المعادل الموضوعي لدى الأديب المسلم إزاء معاناته بين آفاقه العليا، وما تتردى فيه المجتمعات من انحلال وارتكا س اجتماعي وأخلاقي؟
الدكتور الهاشمي: كأن الباحث في قوله هذا يجعل من نتاج الأدب الإسلامي المعاصر مجرد التعبير عن ردود فعل موقوتة للارتكاس الاجتماعي والأخلاقي، يعكس فيها الأديب المسلم معاناته بين آفاقه العليا وتردي المجتمعات المعاصرة.. إن هذا النتاج الذي يذكره الباحث هو أدنى مستويات الأدب الإسلامي، إن الأديب المسلم لا يقف عند هذا المعادل الذي يذكره الباحث، وإنما يقفز علي التصوير الوجداني للمجتمع الإسلامي من تصورات الإسلام الراقية وعوالمه الشامخة... إنه أدب البناء الذي يشيد على مستوى الوجدانات المؤمنة الحياة الإسلامية المستقبلة التي ترف في حناياها آفاق الإسلام الخالدة، وتتعطش إلى ريها البشرية الظامئة.
المجتمع: بم نحدد مطلع «الشعر الإسلامي»؟
الدكتور الهاشمي: الشعر هو أرقى ألوان التعبير الأدبية، و«هو التعبير عن اللحظات الأقوى والاملأ بالطاقة الشعورية في الحياة»، والشعر الإسلامي يجمع إلى هذا المستوى في الرقي التعبيري انبثاقه عن أرقى تصور للوجود والحياة هو التصور الإسلامي، وعلى هذا فالشعر الإسلامي هو لون من الأدب الإسلامي لا يدخل دائرته.. ولا يسمى شعرًا إسلاميًا إلا النتاج الشعري المستوفي للشروط الآنفة... أما الشعر الذي نلحظ فيه أثرًا أو ملمحًا إسلاميًا أو يحمل موضوعًا إسلاميًا ولم يستوف شروط الأدب الإسلامي، فنطلق عليه شعر الاتجاه الإسلامي أو الأثر الإسلامي، ولي في هذا الشعر المتأثر بالإسلام كتاب ألفته منذ بضعه عشر عام هو «أثر الإسلام في الشعر الحديث في سورية» وهو على الرغم من مستوى شعرائه الجيد فنيًا وموضوعاتهم الإسلامية، وبعض الملامح الإسلامية، لا أسمي سائر الشعر الوارد فيه شعرًا إسلاميًا، ولم أطلق على الكتاب عنوان الشعر الإسلامي، وإن كان بعض شعراء الكتاب قد وصل إلى مرتبة الإسلامية الأدبية في بعض نتاجه... هذا التمييز يعكس الرؤية الأدبية الإسلامية التي آمل أن يحوزها كل متأدب مسلم.
المجتمع: هل تعتمد في تأصيلك للأدب الإسلامي النصوص الإسلامية أو الأدباء الإسلاميين؟
الدكتور الهاشمي: إن هذا يعود إلى طبيعة الموضوع، فقد اعتمدت لتأصيل الأدب الإسلامي في بعض مؤلفاتي النصوص الأدبية الإسلامية، اصطفيتها لموضوعاتها الملائمة، ومواقعها التي تنطقها بموقف أو ترسي بها حقيقة أو تطرح نظرة.. اصطفيت هذه النصوص قد انبثقت عن تصور إسلامي، وصحوة إسلامية وفطرة تيقظ إيمانها، في تعبير ملهم موح راق.. فكانت هذه القطوف انعكاسا للحظات المضيئة للنفس الإنسانية.. المشرقة بنور الإيمان.
وفي مؤلفات أخرى اعتمدت في التأصيل للأدب الإسلامي تحليل شخصية الأديب المسلم، ورصد ألوان إبداعه الإيماني، ومعالجاته الإسلامية للواقع المعاصر، واستشراف عوالمه الأدبية وموقعه من الأدب الإسلامي القديم والمعاصر، وآمل أن يرسخ بكلتا الطريقتين المتكاملتين للأدب الإسلامي رأسيا وأفقيا.
المجتمع: ما مدى اهتمام الجيل المعاصر بالأدب الإسلامي؟ وهل نال هذا الاهتمام حقه؟
الدكتور الهاشمي: إن الأدب الإسلامي محل اهتمام الشباب المؤمن الذي يرى في الأدب الإسلامي نفسه، وأمته ومثله وعقيدته وتاريخه الزاهر، كما يرى فيه لسان الصحوة الإسلامية الواجداني إلى شباب الأمة وأجيالها؛ لذا تراهم دائبي البحث عما يكتب في الدوريات، وما يصدر من الكتب في الأدب الإسلامي، ولكن هذا التطلع النبيل إلى الأدب الإسلامي، وهذا الجيشان العاطفي من الشباب نحوه، يتطلب أن تقدم لهم الكلمة الراقية المغموسة بالمعاناة، الصادرة عن وجدان أديب مسلم يدرك مسؤوليته تجاه عواطف الجيل المؤمن الذي أولاه ثقته، فلا ينشر من الأدب إلا الجيد من نتاجه، ولا يقدم لهم إلا ما ارتقى منه.
إن ما يكتبه الأدباء الإسلاميون لهذه الأجيال يغرس في أعماق قلوبهم، فليتق الله من يحفر على شغاف هذه الوجدانات الطرية المؤمنة، وليكتب لها مخلصًا، لا تاجرًا، مستشعرًا المسؤولية أمام الله، فهي أجيال المستقبل وبناة الغد، خليق بنا أن نرعى فطرتها السليمة وأذواقها الرفيعة التي بناها إيمانها الصادق الخالص، وأنها عدة الأمانة التي ستتسلمها غدا.
المجتمع: ما تمنياتك للأدباء الإسلاميين رعاة الكلمة المؤمنة؟
الدكتور الهاشمي: بعد إزجاء التحية والإكبار للأقلام المتأدبة المؤمنة، أتمنى على أصحابها شعراء وكتاب قصة ومسرحية ومقالة وخاطرة، أن يثروا من اطلاعهم وأن يصدروا عن تصورهم الإيماني في كل ما يكتبون، أن ينبثق عن أقلامهم أجود النتاج، وألا ينشروا منه إلا اللباب آملًا أن يكون أدبهم بناء شعوريًا راقيًا لأمتهم ومحررًا وجدانيا للنفوس البشرية الحائرة في أقطار الأرض.
إن رسالتهم لأشرف رسالة، وإن بناءهم لأكرم بناء، سيخلد التاريخ صياغتهم الوجدانات المؤمنة، وسيذكر لهم دورهم الكبير في هذا العصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل