العنوان بين يدي مؤتمر حوار الحضارات.. طبيعة العلاقة بين الإسلام وغيره
الكاتب عبدالله بن إبراهيم الطريقي
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1478
نشر في الصفحة 66
السبت 24-نوفمبر-2001
جاءت نصوص قرآنية كثيرة ترسم خريطة العلاقة بين الإسلام وغيره في سور عديدة وآيات كثيرة.
وقد بدأت معالم هذه الخريطة ترتسم وتتحدد منذ العهد المكي، أي من بدء البعثة إلى قبيل الهجرة، وبقراءة هذه الآيات تبرز هذه المعالم في أذهاننا:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (الإنسان: 24).
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: 10).
﴿ولا تركنوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فتمسكُمُ النَّار) (هود: 113).
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(العنكبوت: 46).
فهذه الآيات وكلها مكية - تؤسس قواعد العلاقة المتمثلة في:
- عدم طاعة الكفار.
- أخذ الحذر منهم.
- مجادلتهم بالحسنى.
- الصبر على أذاهم.
وفي السور المدنية التي نزلت بعد الهجرة -وبعد تكوين دولة المدينة الأولى- نقرأ هذه النصوص.
قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ُ (البقرة: 136- 137).
وفي هذا بيان لأحادية الحق العقدي وأنه من لدن طرف واحد وهم المسلمون، المتمثلون بالإسلام لأنهم هم الذين يؤمنون بالرسالات والنبوات كلها، أما غيرهم فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، أو لا يؤمنون بشيء منها كالوثنيين عمومًا والملاحدة.
2- قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (البقرة: 120) وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ (النساء: 89) وفي هذا تقرير لنظرة غير المسلم إلى المسلم، وأنها قائمة على الحسد والكراهية.
3- قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: 28).
في هذا -ونظائره كثيرة جدًّا- نهي عن عقد الصلات الحميمة بين المسلم وغير المسلم.
4- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123).
وفي هذا وأمثاله بيان وتأكيد شرعية الجهاد الذي سيمضي إلى قيام الساعة.
5- ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8) وقوله:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256).
ففي هذا إشارة إلى الحرية الدينية والتوجيه إلى التسامح في التعامل مع الغير، ولعل في مجموع هذه النصوص -مكيها ومدنيها- ما يجلي الحقيقة كاملة وبصورتها الناصعة في شأن العلاقة مع الكفار، مما لا يجعل للتخرص مجالاً.
اتجاهات مختلفة
إذا ما أجلنا النظر في ساحة الفكر السياسي وما يدور فيها من آراء سواء من خلال الكتاب أو المجلة أو الصحيفة، أو سائر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أو من خلال الندوات والمؤتمرات وما أشبه فإننا نلحظ اتجاهات عدة في هذا الموضوع الدقيق، من أهمها:
أولاً: اتجاه إسلامي أصيل يعتمد النصوص وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه منهجًا في التعامل مع الغير، ويقوم على أصول في مقدمتها:
أ- أحادية الحق: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).
ب- البراءة من المشركين ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4).
ج - الرفق في المعاملة مع الخصم «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» (متفق عليه).
د. نشر الدعوة الإسلامية، واتخاذ كافة الوسائل اللازمة لذلك، حتى لو تطلب الأمر قتالاً وتضحية ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33).
هـ- جواز الاستفادة مما لدى الكفار من كل مفيد علمًا أو صناعة أو تنظيمًا، وجواز التعاون المشترك بين الدول في المصالح العامة.
ثانيًا: اتجاه عصراني ذو طابع إسلامي، يحاول أن يجمع بين النصوص الشرعية وظروف العصر، من خضوع ظاهر للخصم واستسلام لضغوطه.
ويقوم على مبادئ أهمها:
أ- التسامح مع الغير ومبادلته المحبة والمودة.
ب- التوكيد على مبدأ الأخوة الإنسانية، واعتبار الأصل الأول الجامع بين الأمم والشعوب، أما الأخوة الإسلامية فتحتل الدرجة الثانية، وليست لها قوة الأولى وأهميتها.
ج- تأسيس العلاقة على السلم واعتبار الجهاد استثناء ومن باب الضرورة، بل هو دفاعي خالص.
د- إذابة الحواجز النفسية بين المسلمين وغيرهم ومد الجسور المتينة بين الطرفين.
ه- العمل على تقريب الأديان الثلاثة، بعضه من بعض والتهوين من شأن الفروق بينها.
ثالثًا: اتجاه تغريب يعمد إلى صهر الحضارات بعضها ببعض، وينفي أي خصوصية للإسلام أو للمسلمين ومن أهم مبادئه.
أ- فصل الدين عن الحياة، واعتبار الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه.
ب- استبعاد الوحي من المصادر التشريعية وحصر التشريع «التقنين بأيدي البشر.
ج- تمجيد الغرب والثناء عليه بإطلاق ومنح درجة الأستاذية في كل شيء، وفي كل مجال فكري، أو سياسي أو اجتماعي أو أدبي أو لغوي... إلخ. هذا مع الجحود المطلق لحضارة الإسلام وثقافته.
وإذا كان هذا الاتجاه الأخير لا يمكن أن يكون مقبولاً عند من في قلبه ذرة إيمان فإن الاتجاه الثاني هو مكمن الخطورة، لما يحمله من زخرف القول، ولهذا فإن كثيرًا من المواقف التي نسمعها أو نعايشها، ويتبناها مثقفون ومفكرون وعلماء، يمكن تصنيفه ضمن هذا الاتجاه، حيث يلحظ فيه ضعف العرض، وتقديم التنازلات باسم مسايرة العصر وإظهار الإسلام بصورة الحمل الوديع.
وكثيرًا ما نجد عندهم مثل هذه العبارات والشعارات:
الإسلام دين السلام والمحبة والإخاء.
الإسلام دين التسامح.
الإسلام والغرب حوار لا صراع.
الحوار أصل والصراع استثناء.
الإسلام ليس وصيًّا على الأديان.
الإسلام يحترم الديانات ويجلها.
ونظرًا لما في مثل هذه العبارات من البريق الساحر، فإنها تستهوي أكثر المتلقين والواقع أنها عبارات مجملة، تحتاج إلى تفصيل وبيان لما ينطوي عليه أكثرها من التمويه وإلباس الحق بالباطل. فالمنطق إذن والإنصاف يقتضيان تمحيص مثل هذه العبارات وما تحويه من مصطلحات، وتحرير محل الخلاف وقبول الحق ورد الباطل.
(*) أستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل