; طرق علاج عيوب النفس ونقائصها | مجلة المجتمع

العنوان طرق علاج عيوب النفس ونقائصها

الكاتب يوسف الفليج

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 83

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

يقول أحد الدعاة إلى الله: قد يصاب الداعية -وهو في طريق البناء والإصلاح- بشيء من الضعف البشري فيتعرض لمرض من أمراض القلب أو آفة من آفات النفس أو نزعة من نزغات الشيطان فيزل بعد نهوض، أو يضل بعد هدى، أو يرائي بعد إخلاص، أو يغضب بعد حلم، أو يفتر بعد عزيمة، أو يبخل بعد كرم، أو يتشاءم بعد تفاؤل، أو يسكت بعد جرأة، أو يجبن بعد شجاعة، أو يعجز بعد صبر، أو يتعاظم بعد تواضع. فإذا أصيب الداعية -لا سمح الله- بهذه الآفات أو ببعضها، ولم يسارع إلى التخلص منها ومعالجتها.. فإنه أشد ما يخشى عليه أن تزل قدمه بعد ثبوتها، أو أن يتساقط على طريق الدعوة، أو أن ينحرف عن جادة الإسلام وهو يحسب أنه يحسن صنعًا(1).

ولا ينبغي للداعية إلى الله أن يبحث عن عيوب غيره فيلتقطها وينتقدها وينسى عيوب نفسه، وهذا من مزالق أهل الخير والصلاح في طريق الدعوة. يقول صاحب كتاب «وحي القلم»: «نظر الإنسان إلى نقص غيره هو أول نقصه».

ولا ينبغي للداعية أن ينخدع بالمظاهر وينسى المخابر والبواطن، فتجده يلبس الجديد والثمين ويركب المركب الراقي الجميل ويسكن في بيت أنيق وجميل فينبهر من يراه بهذه المظاهر الخادعة للآخرين وهو يعرف في نفسه أنه ضعيف الإيمان وضعيف الصلة بالله ولا يطلب العلم ولا يقوم بكثير من الواجبات ويتقاعس عن كثير من المهمات. ومع ذلك تجده لا يبحث عن عيوبه وكيف يتعرف عليها حتى يشخصها ثم يعالجها.

ابن قدامة يصف العلاج

«اعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرًا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت له بصيرة، لم تخف عليه عيوبه، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه. وتنحصر طرق الوقوف على علاج النفس في أربعة، وهي:

الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، فيعرف عيوب نفسه وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده -أي زمن ابن قدامة- فمن وقع به فقد وقع بالطبيب الحاذق، فلا ينبغي أن يفارقه(2).

وصفة هذا الشيخ البصير وأخلاقه مع طلابه متميزة، حيث يصفها صاحب كتاب «أخلاق العلماء»، فيقول: «وإن كان له مجلس قد عرف بالعلم، ألزم نفسه حسن المداراة لمن جالسه، والرفق بمن ساءله، واستعمال الأخلاق الجميلة، ويتجافى عن الأخلاق الدنية.. فأما أخلاقه مع مجالسيه فصبور على من كان ذهنه بطيئًا عن الفهم حتى يفهم عنه، صبور على جفاء من جهل عليه حتى يرده بحلم، يؤدب جلساءه بأحسن ما يكون من الأدب، لا يدعهم يخوضون فيما لا يعنيهم، ويأمرهم بالإنصات مع الاستماع إلى ما ينطق به من العلم، فإن تخطى أحدهم إلى خلق لا يحسن بأهل العلم لم يجبهه في وجهه على جهة التبكيت له، ولكن يقول: لا يحسن بأهل العلم والأدب كذا وكذا، لا يعنف السائل بالتوبيخ القبيح فيخجله، ولا يزجره فيضع من قدره، فهو يسكت عن الجاهل حلمًا وينشر الحكمة نصحًا، فهذه أخلاقه لأهل مجلسه وما شاكل هذه الأخلاق(3)، فمن وجد هؤلاء العلماء الربانيين فليتمسك بهم.

الثانية: أن يطلب صديقًا صدوقًا بصيرًا متدينًا، وينصبه رقيبًا على نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «رحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا». وقد كان عمر رضي الله عنه يسأل حذيفة: «هل أنا من المنافقين؟» وهذا لأن كل من علت مرتبته في اليقظة زاد اتهامه لنفسه، إلا أنه قد عز في هذا الزمان وجود صديق على هذه الصفة؛ لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب، وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم ونحن الآن في الغالب أبغض الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا.

وهذا دليل على ضعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة كالعقارب، ولو أن منبهًا نبهنا على أن تحت ثوب أحدنا عقربًا لتقلدنا له منة واشتغلنا بقتلها، والأخلاق الرديئة أعظم ضررًا من العقرب على ما لا يخفى(4).

لذا فالواجب على الأخ الصديق النصح لأخيه ولو قال له ما يكره، فإن كان هذا على وجه النصح فهو حسن، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه: «ولا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره».

فإذا أخبر الرجل أخاه بعيب ليجتنبه، كان ذلك حسنًا لمن أخبر بعيب من عيوبه أن يعتذر منها إن كان له منها عذر، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبيح مذموم، وقيل لبعض السلف: أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: «إن كان يريد أن يوبخني فلا». قال الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير»، فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير، وهو أن النصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان(5).

الثالثة: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدي المساوئ، وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفي عنه عيوبه(6). قال الإمام الشافعي رحمه الله:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة                              كما أن عين السخط تبدي المساويا

الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما يراه مذمومًا فيما بينهم، يجتنبه (7).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الهوامش:

1.      عقبات في طريق الدعاة لعبدالله علوان، القسم الأول ص 10.

2.      مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص 167.

3.      أخلاق العلماء لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، ص 52 (طبعة رئاسة البحوث العلمية - الإفتاء).

4.      مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص 167.

5.      الفرق بين النصيحة والتعيير للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص 35. 6

6، 7.  مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص 167.

اقرأ أيضًا

خواطر داعية.. العيون المجهرية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل