; طريق الأمناء لتحقيق الوفاء - منافذ الغدر وأسبابه | مجلة المجتمع

العنوان طريق الأمناء لتحقيق الوفاء - منافذ الغدر وأسبابه

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1193

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 26-مارس-1996

الغفلة والنسيان وضعف الهمة وتراخي العزيمة مع الحسد والهوى هي أهم الأسباب المؤدية إلى الغدر ونقض العهد، وهي كلها ضروب من الوهن الذي يصيب الأفراد ثم الجماعات نتيجة سوء التربية، فيتساوى لديها التقدم والتقهقر والحركة والسكون، لا تبالي أنهضت من عثرتها أم سقطت في قرار سحيق؛ ولذا فقد جاء التحذير منها وتنبيه المسلمين إلى خطورة الركون إليها أو الانغماس فيها. 
فالله سبحانه حذر نبيه من الغفلة بقوله: «ولا تكن من الغافلين» والنهي هنا مسوق لكل مسلم أن يتوخى اليقظة في حركته وفي سلوكه في الحياة، وفي عهوده ومواثيقه وأن يبتعد عن الغفلة والنسيان إذ هما سبيل كل مضرة قد تنزل بصاحبها فتهلكه، ولذا قال الله عن الأمم السابقة: « ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 44-45)، وجاء على لسان موسى -عليه السلام- وهو يخاطب فرعون: ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ (طه:٥٢)، فالنسيان مذمة وصفة نقص لا تليق بذات الله المتصف بكل كمال والإنسان مطلوب منه أن يتخلق بصفات الله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولذا فمحاولة التذكر الدائم من الإنسان تجعله يفي بعهده وإذا نسي أو غفل فقد أضاع العهد وباء بالغدر والإثم.
وهذا آدم -أبو البشر- أصابه النسيان والضعف فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فوقع فيما سجله عليه القرآن الكريم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه:115)، فالذكر الدائم والهمة العالية هما دافعان قويان لتحقيق العهد والوفاء به.
والذكر المطرد اليقظ، ضرورة لازمة للوفاء، فمن أين لناسي العهد أن يفي به؟! لذلك ختمت آية العهد بعنصر التذكير قال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، (الأنعام: ١٥٢).
فإذا ذكر المرء الموثق المأخوذ عليه، يجب أن ينضم إلى هذا الذكر عزم مشدد على إنفاذه عزم يذلل الأهواء الجامحة، ويهون الصعاب العارضة، عزم يمضي في سبيل الوفاء مهما تجشم من مشاق وغرم من تضحيات وأقدار الرجال تتفاوت تفاوتًا شاسعًا في هذا المضمار فإن ثمن الوفاء قد يكون فادحًا، قد يكلف المال أو الحياة أو الأحبة بيد أن هذه هي تكاليف المجد المنشود في الدنيا والآخرة.
لولا المشـقة ساد الناس كلهم        الجود يفقر والإقدام قتال
ولقد استنكر القرآن الكريم على بعض الأفهام أن تطلب العلا بالراحة، وأن ترقب الخير الكثير بالجهاد اليسير، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤).
وعندما يستجمع الإنسان الذهن الواعي والقلب الكبير فهو أهل للوفاء (خلق المسلم: للغزالي) وإذا غفل المرء عما هو مطلوب منه ونسي مـا هـو مــوكــول إليه وقع في الغدر، ووصم بالخيانة. 
والهمة العالية والعزيمة الماضية قوة في الإنسان تجعله يتحمل التضحيات ولا يبالي بالمغارم، ويترفع عن الدنايا والماديات ولا ينظر إلى مصلحة قريبة يفر بها من تبعات الوفاء، بل إن الوفاء عنده يعدل، بل يفوق كل هذه المصالح لأنه دليل على قوة معنوية عالية ترفع الإنسان عن عالم الحيوان، ليصير ذا إرادة يتمتع بها ويتصرف في سلوكه تبعًا لها، وليس صاحب شهوة أو لذة في مطعم أو مشرب أو غيرهما، متى ما أتيحت له فلا عهد ولا موثق فينحط كما تنحط الحيوانات، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد:۱۲).
ليس المؤمن الوفي كذلك، فإرادته القوية وعزيمته الماضية، وهمته العالية التي يبعثها الإيمان ويمدها بالتوهج الدائم تجعله من الأوفياء لا من الخائنين الغادرين فإذا ضعفت الهمة وخارت العزيمة، وكثرت المغريات، وتراقصت أمام الإنسان الشهوات فلا وفاء يرجى، ولا ميثاق يوفي به، وكيف يكون وفاء يتطلب التضحيات والنفوس قد ضعفت، لأن نبع الإيمان في القلوب غير دفاق ولا رقراق حينئذ يتسرب الغدر إلى العهود فيمحقها، كما يتسرب كثير من مفاهيم الدين من قلوب أصحاب الغفلة والنسيان أو أصحاب الهمة الفاترة الذين يصيبهم الخسران. 
فاعمل أخي المؤمن على أن تشتعل فيك جذوة الهمة، فتنير لك سبيل الوفاء وكل سبيل في الحياة قويم وتدفع عنك ظلمة الغدر، وكل ظلمة سلوك بهيم.
الحسد منفذ من منافذ الغدر: ونأتي إلى الحسد، الذي يجعل الحاسد لا هم له إلا ذهاب النعمة عن المحسود، فإذا بقيت النعمة ولم تزل عن المحسود، ظل قلبه يشتعل نارا، فلا يهدأ له بال ولا يستقر به قرار، فهل يستطيع حاسد أن يفي بعهد المحسود؟ ولأنه أمر خطير أمرنا الله سبحانه أن نستعيذ به من شرور كثيرة، منها شر الحسد فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَوَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ (الفلق: ٥:١).
وغالبًا ما يتم ذلك بين أصحاب المهنة الواحدة، فترى القادة العسكريين مثلًا يحسد بعضهم بعضًا ويشغب بعضهم على بعض ونادرًا ما يفي أحدهم للآخر، وترى ذلك في كل أصحاب الشأن الذين يعملون في: مجال واحد، ويعرف بعضهم بعضًا، ولقد أصاب هذا الداء بعض الدعاة فتراه ينفس على فلان الداعية شهرته أو علمه أو قبوله لدى الناس، أو كلمته المسموعة عند أصحاب النفوذ أو غير ذلك مما يجعل هذا التنافس مدعاة للغدر والخيانة عند أول بادرة تلوح في الأفق، ولا يكاد يسلم من هذا الداء إلا من عصمه الله بقوة الإيمان وسلامة الصدر، والخشية من الله وحده، ودفع الهوى بعيدًا عن مطالب النفس والخضوع لأحكام الله وطلب الاحتكام إليها في كل حين، وبذلك قد ينجو الإنسان من أن يكون من الغادرين الآثمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 121

91

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

في فقه الدعوة(20).. المشمرون

نشر في العدد 237

96

الثلاثاء 18-فبراير-1975

تلالنا الهامدة