العنوان طشقند وسمرقند وبخاری (۳)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008
مشاهدات 70
نشر في العدد 1784
نشر في الصفحة 40
السبت 12-يناير-2008
في ظل الإسلام زخرت "أوزبكستان" بقوميات عديدة عاشت في وئام وسلام لا مثيل له.
د. ماجدة مخلوف: الأوزبك حكموا مصر في عهد آل طولون، وكانت لهم أياد بيضاء في رد البيزنطيين والحكم بالشريعة.
بعد استيلاء الشيوعيين على الحكم في تركستان طمسوا الهوية الإسلامية وفصلوا المنطقة عن العالم الإسلامي.
د. مولودة يوسفوفا: قبل القرن (١٦) الميلادي لم تبن الأضرحة فوق القبور التزامًا بتعاليم الإسلام، ثم انتشرت بعد ذلك على قبور النقشبندية.
انتهت أعمال اليوم الأول للمؤتمر في سمرقند، وتم اصطحابنا إلى محطة القطار، وركبناه في رحلة استغرقت ثلاث ساعات إلى بخارى، حيث استقبلنا في رصيف المحطة كما استقبلنا في سمرقند، وقد ذكرت هذا في العدد الماضي فلا أعود لوصفه حفاظًا على وقت القارئ.
ثم أخذنا إلى فندق قصر بخاری وقدم العشاء، ولم يكن هناك إلا الراحة والإخلاد إلى النوم، لكن جاءني إلى الغرفة ثلاثة من طلبة المدرسة الشرعية، وتحدثت معهم بحرية عن بعض الأوضاع الاجتماعية في البلاد، وذلك لأني لم أجد أحدًا أتحدث معه عن البلاد سوى الرسميين فقط، وهؤلاء في كل زمان ومكان لا يبثون كل ما في نفوسهم، وقد وجدت من هؤلاء الشبان حماسة وقدرة على الحديث والحوار باللغة العربية، وقد نصحتهم بنصائح، ثم انصرفوا جزاهم الله خيرًا ونفع بهم .
وفي اليوم التالي بدأت الجلسة الثانية للمؤتمر، وقد طرحت فيها عدة بحوث منها: "الأوزبك في تركيا" للدكتور التركي "أكرم كولتشان" وقد تحدث بالعربية جزاه الله خيرًا، وبين في بحثه أن الأوزبك إذا أرادوا الحج. بإسطنبول أولًا، ويصلون الجمعة مع السلطان، ثم يستأذنونه استئذانًا رمزيًا في الحج، وذكر عن أحد هؤلاء أنه لما جاء إسطنبول وجد أن حرب القرم قد بدأت فشارك في الجهاد، ثم شارك مع الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبعد الفراغ من الحرب سنة ١٣٣٨هـ/١٩١٨م ذهب للحج ثم عاد ليجد سورية في حرب مع الفرنسيين، فشارك في الجهاد حتى استشهد، ودفن في "طرطوس" سنة ١٣٤٠هـ/١٩٢٠م فرحمه الله رحمة واسعة، وهذا يبين كيف أن المسلمين وحدة واحدة إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
وذكر في بحثه أيضًا جملة من أخبار المجاهدين، وذكر أيضًا بعض اخبار التكية الأوزبكية في إسطنبول التي بنيت بأمر السلطان محمود الأول.
التسامح الإسلامي:
وكان من الأبحاث أيضًا بحث الدكتورة "زهرا قادروفا" وتحدثت عن الأسس التاريخية والفلسفية للتسامح الديني والحوار بين الحضارات في "أوزبكستان" فتحدثت عن كل شيء تقريبًا، ولم تذكر الإسلام وهو الأساس العظيم للتسامح، بل هو الأساس الأول للبحث في هذا الموضوع، إنما اكتفت بذكر بعض النصوص عن "أبي الريحان البيروني" و"الفارابي" فقام أحد الباحثين فعقب على بحثها بأنها أغفلت الأساس الصوفي ووحدة الشهود وجهود النقشبندية في هذا الباب، فلم أر إلا التعقيب فطلبت الكلمة وأعطيتها، وبينت للدكتورة والحضور أن البحث أغفل أساسين مهمين جدًا الأساس الأول آلاف الكتب الفقهية التي ألفها العلماء الأوزبك على مدار التاريخ، ووضعوا في ثناياها الأسس الرائعة للتعامل مع غير المسلمين في البلاد الإسلامية وفي خارجها، وهذه الأسس مستندة إلى الكتاب والسنة، والأساس الآخر هو الواقع التاريخي؛ حيث إن أوزبكستان زخرت بعديد من القوميات غير الإسلامية التي عاشت في وئام وسلام لا مثيل له، وسمح لها بأداء شعائرها بحرية، ولم ينقل التاريخ الطويل أي اعتداء عليها، وهذا من أعظم الأسس التي تبين التطبيق العملي لمبادئ الإسلام وتردع الذين يتهمون الإسلام بالتهم الغريبة التي نسمعها اليوم. ثم رفعت الجلسة لتناول الشاي والفطائر.
الشيوعيون وطمس الهوية:
وبدأت الجلسة الثالثة ببحث مهم وهو "دور الأمير تيمور والتيموريين في قيادة الأمة الإسلامية" للدكتور زكريا كتابجي الأستاذ في جامعة قونية بتركيا، وكان باللغة العربية، فلما بدأ الدكتور بحثه طلب تغيير العنوان إلى عنوان آخر متعلق بتاريخ أوزبكستان الإسلامي، ومن أهم ما ذكره في البحث أن هناك أمرًا مؤسفًا ألا وهو استيلاء الشيوعيين على مقاليد الأمور في "ترکستان"، ولم يكتفوا بالسيطرة الاقتصادية والسياسية بل تعدى ذلك إلى طمس الهوية الإسلامية، وفصل تركستان عن العالم الإسلامي بستار حديدي يشبه سور الصين العظيم، ثم ذكر نعمة الله على التركستان بالانعتاق من الشيوعية، وحمد الله على ذلك، ثم أنهى بحثه بلفتة بارعة رائعة حيث نادي رجال الدولة الأوزبكية وطلب منهم العودة إلى دين الإسلام، كيف لا وهم أحفاد خانات -أي ملوك- الأوزبك القدماء الذين ساروا على نهج الإسلام في وقت الحضارة الذهبية للإسلام وكرر هذا الطلب منهم ثلاث مرات بصيغ مختلفة، وهذا -في رأيي- أهم ما قيل في المؤتمر مطلقًا؛ وذلك لأن وسائل الإعلام الأوزبكية نقلته، وكان هناك حضور شعبي لا كما كان الأمر في سمرقند؛ فقد كان الحضور مقصورًا على الباحثين؛ ولأن قائل ذلك باحث تركي له قدره ووزنه في الأتراك بالمعنى الواسع أي في التركستان وما تفرع منهم في الأناضول -تركيا اليوم- فجزاه الله خيرًا.
لحظات تاريخية:
ثم تحدثت الدكتورة ماجدة مخلوف من مصر عن الأوزبك في مصر: اللحظات التاريخية، وهي رئيسة قسم اللغات الشرقية وآدابها بجامعة عين شمس في مصر، وذكرت في بحثها أن أول الأوزبك الذين حكموا مصر هم آل طولون "أحمد" وابنه "خمارويه" وكان لأحمد أياد جليلة في رد البيزنطيين، وكان منقادًا إلى الشريعة كريمًا محسنًا إلى شعبه محبوبًا منهم، ثم جاءت الدولة الإخشيدية وهي أوزبكية أيضًا.
وذكرت أيضًا أن الأوزبك كان لهم مناصب ووظائف قيادية رفيعة في دولة المماليك، وكانوا أمراء فيها أيضًا، وكان بين الأوزبك والمماليك السلاطين مصاهرات عديدة، وهناك أسر أوزبكية ما زالت تعيش في مصر إلى اليوم وتحتفظ بأسمائها، ثم عرضت في آخر بحثها عدة صور جميلة عن آثار الأوزبك في مصر مثل جامع ابن طولون الباقي إلى اليوم بحي السيدة زينب بالقاهرة، وعرضت مسجد الأمير أوزبك اليوسفي الذي أنشأه في أول القرن العاشر الهجري وهو اليوم بحي القلعة بالقاهرة.
ومما يحمد لهذه الدكتورة الفاضلة أنها جاءت بحجابها، وهذا أمر مهم لأن هناك نسوة وفتيات كثيرات استمعن لمحاضرتها، وليس بينهن امرأة محجبة، فعسى أن تكون قدوة لهن إن شاء الله تعالى.
الحديقة الأوزبكية:
ثم تحدث الدكتور حامد الطحاوي وهو أستاذ بكلية الآداب بجامعة الزقازيق في مصر، وتكلم عن الحديقة الأوزبكية في القاهرة مفصلًا بداية إنشائها وعمل الأمير الأوزبكي في ذلك، إلى أن وصل الباحث إلى وضعها في العصر الحديث.
ثم تحدثت الدكتورة مولودة يوسفوفا وهي موظفة في معهد الفنون في أكاديمية الفنون، وقد تحدثت عن "خصائص الهندسة المعمارية الإسلامية في أوزبكستان" وكان حديثها مشفوعًا بعرض مرئي.
ومن أهم ما ذكرته أنه في القرون التي قبل القرن السادس عشر الميلادي لم تكن تبنى الأضرحة فوق القبور التزامًا بتعاليم الإسلام خاصة في بخاري، وإنما انتشرت بعد ذلك على قبور النقشبندية، وهذا الذي أوردته أجاب على سؤال كان يدور في نفسي ذكرته في الحلقة السابقة.
المحدثون العظام:
ثم تحدث الأستاذ الدكتور "عبيد لله أواتواف" وهو مدير خزانة المخطوطات في جامعة طشقند الإسلامية، تحدث عن "أوزبكستان موطن المحدثين العظام، وقد سرد أسماء بعض المحدثين، ثم خص أربعة بالحديث، لكن قبل ذلك أشار إشارة حسنة إلى أن الحديث الشريف هو المصدر الثاني المهم بعد القرآن، وذكر أن الأحاديث مصدر مهم لحياتنا المعاصرة، ونستفيد منها في جوانب عديدة منها تربية الأولاد علي الإسلام، ثم عرض عرضًا موجزًا حياة الإمام الدارمي السمرقندي، وكتابه "المسند"، ثم عرض حياة الإمام البخاري -يرحمه الله تعالى- عرضًا موجزًا أيضًا، وقد ذكر أن كتابه الجامع الصحيح لم يسمح الروس بطبعه ولا تداوله، لكن بعد الاستقلال نشر كتابه واحتفي بصاحبه يرحمه الله تعالى.
ثم عرض حياة الإمام الترمذي، ثم ذكر المحدث أبا سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، ثم ختم حديثه بأنه يجب على الأوزبكيين ترجمة أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اللغة العربية والعناية بآثارهم الحديثية، وهذا هدف مشترك مع العرب كمال قال.
إحياء التراث الأوزبكي:
ثم تحدث أخيرًا الأستاذ الدكتور "زاهد إسلاموف" وهو نائب مدير جامعة طشقند الإسلامـية وموضوعه: "مكانة العلماء الشاشيين في تطوير الدين الإسلامي وفلسفته" والشاش هي طشقند الآن، وبدأ حديثه بأن أوزبكستان بعد الاستقلال صارت قادرة على إحياء تراثها ونشره، وهناك مؤتمرات عالمية أقيمت بعد الاستقلال على أرض أوزبكستان لإحياء ذكرى العلماء، وأسست جامعة طشقند الإسلامية، وترجمت معاني القرآن الكريم والأحاديث، ورممت الجوامع القديمة الأثرية المهمة، وذكر أن اختيار طشقند لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة ١٤٣٧هـ / ٢٠٠٧م له دلالة كبيرة على عظمة تراث هذه المنطقة وتاريخها.
ثم ذكر أمثلة على العلماء والصلحاء الذين زخرت بهم بلاد الشاش "طشقند" منهم أبوبكر القفال الشاشي الفقيه الشافعي المشهور، وذكر أن اسم طشقند قد التزمته بلاد الشاش في القرن السادس عشر، وختم بأن هذا البحث وأمثاله يغرس في قلوب الشباب العزة والفخر بهذا التراث، وأنها مقدمة مهمة لدراسة المجتمع الأوزبكي وتراثه.
الجلسة الثالثة:
ثم عقب بعض الباحثين على بعض الأبحاث، وانتهت أعمال هذه الجلسة، وطلب منا أن نتناول طعام الغداء، ونعود سريعًا للجلسة الثالثة التي حفلت بعدة بحوث منها بحث قدمته عن "المدن الأوزبكية التاريخية عرض وتحليل"، ثم تحدث الأستاذ الدكتور "عبد اللطيف العبيد" عميد كلية اللغات الخارجية في تونس تحدث عن موضوع مهم وهو أهمية تدريس اللغة العربية في أوزبكستان وفي آسيا المركزية أي آسيا الوسطى، وذلك أن الهالك ستالين غير اسم موقع التركستان من آسيا الوسطى إلى آسيا المركزية، وذكر الباحث لأهمية العربية وجوهًا عديدة، منها: العامل البشري حيث يتحدث العربية (۳۰۰) مليون عربي، وعدد ضخم جدًا من سكان الدول الإسلامية غير العربية يفهمون العربية ويتحدثون بها، ومنها أن اللغة العربية صارت لغة معتمدة في كثير من الهيئات العالمية، وصار العديد من الدول العالمية يهتمون بها، ومنها أن اللغة العربية هي لغة دين الإسلام، ومنها أن اللغة العربية هي لغة الحضارة والفنون قديمًا ومرشحة الآن لتعود لسابق مجدها، ولتكون لغة الحضارة الإسلامية المنشودة والمترقبة في هذا الزمان إن شاء الله تعالى.
لغة التواصل: وبين بعد ذلك أن أهمية تدريس اللغة العربية في أوزبكستان تنبعث من العوامل السابقة، ولأن هذه اللغة نقلت الدين إلى هذه المنطقة، ولأنها أثرت اللغة الأوزبكية، ولأن كثيرًا جدًا من المؤلفات أولأزبكية كتبت بها قديمًا، ولأنها كانت لغة التواصل بين سكان هذه المنطقة وبين البلاد العربية، ولأن سكان المنطقة إذا تعلموا العربية تمكنوا من الاطلاع على تاريخهم وثقافتهم، وتمكنوا من الاتصال بالعرب من جديد.
ثم تحدث «د. نجم الدين كاملوف» وهو أستاذ كرسي في أكاديمية بناء المجتمع بطشقند، تحدث عن "خواجة بهاء الدين نقشبند حياته وآثاره" ثم ألقيت بحوث أخرى ختم بها المؤتمر في يومه الثاني والأخير، ثم تليت التوصيات في الجلسة الختامية، ووزعت شهادات التقدير على المشاركين.