; طفل الأنبوب | مجلة المجتمع

العنوان طفل الأنبوب

الكاتب محمد ابرهيم شقرة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984

مشاهدات 71

نشر في العدد 675

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 12-يونيو-1984

هذه مسألة شغلت أذهان الناس منذ سنين وجالت فيها أنظار العلماء، وحدقت في نتائجها ومقدماتها عقولهم، فكان منهم المتثبت المتأني وكان منهم المتخوض المتسرع. 

وقد نظرت فيها نظر الحذر اليقظ المتوقي بالأدلة الشرعية التي كان واحد منها يغني عن كل الأدلة العقلية مجتمعة، فما وجدت إلا الدليل الحاظر المانع، الذي تدرئ به تقوى الله سبحانه، فلا يكاد مؤمن يخالجه ريب في خطره ومنعه، ولا أحسب أنه تحدثه نفسه أن يدلي فيها برأي عقلي محض ليقول فيه بالإباحة بالغًا ما بلغ ذلك الرأي العقلي من قوة الأحكام والنظر، فليس للرأي حيلة مع الدليل الشرعي الموحي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، فأقول مستعينا بالله طالبًا منه السداد:

أولًا: إن طفل الأنبوب لا يعدو أن يكون تجربة علمية ظنية لا يمكن القطع معها بحمل المرأة وإنجابها، لأن الحمل والإنجاب- حتى في الحالات الطبيعية- يبقيان شيئًا ظنيًا محضًا، مرده إلى علم الله وإرادته وحده لا يستطيع إنسان أن يحدسه فضلًا عن أن يقطع بوقوعه قبل أن يكون أمرًا في الواقع مشهود.

ثانيًا: إن المادة التي تساعد البويضة على الانشطار والحيوان المنوي على التفاعل مع البويضة والالتحام بها لم تعرف حتى الآن على وجه القطع ماهيتها، رغم أن بعض الأطباء يحاول أن يزيل الشك من حولها بقوله: إن الحيوانات المنوية الآن تجمد وتباع علانية وبصراحة، فربما خالطت هذه المادة أشياء عضوية، ومنها حيوانات منوية، ولا يقال هنا: أنه لا داعي لإخفاء ماهية هذه ما دامت الحيوانات المنوية تباع كما يباع الدم، فإن العقلية التجارية غلبت على العلم، والمنطق التجاري يفرض على صاحب تجربة طفل الأنبوب أن يخفي ماهية هذه المادة، إذ أن جل الناس لا زالوا على الأقل- ينفرون من أن يكون علوق حمل في أرحام أزواجهم من غير مائهم، إذا فمن شاء من الناس الملهوفين على الأبناء- فليأخذ بما هو مجهول غير معلوم، ومن شاء فليأخذ بما هو ظاهر معلوم، والنتيجة في النهاية واحدة، حمل لا يعرف ماؤه، لكن الإقبال على المجهول غير المعلوم يظل أرغب وأكثر، ويتوفر بذلك لصاحب تجربة الأنبوب دخل مالي وفير.

ثالثًا: قضت إرادة الله سبحانه أن يكون تزاوج بين الرجال وبين النساء، وأن يكون منهم العقيم ومنهم الولود، قال تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (سورة الشورى: 50). ولا بد للإنسان الذي يبتلى بالعقم أن يصبر عليه وأن يعلم علم اليقين بأن الله سبحانه حكمة في ذلك، وحكمة الله وإرادته لا يضادان.

وإذا جاشت عاطفة البنوة في صدر الرجل، وكانت المرأة عقيما فقد أباح الله للرجل أن يجمع إليها ثانية وثالثة ورابعة ولكن ماذا لو تحركت عاطفة البنوة في صدر المرأة، وكان الرجل عقيمًا؟ فماذا تصنع المرأة حينئذ؟ 

الجواب: إما أن تطلب من زوجها أن يفارقها لتجرب حظها مع رجل غيره في نيل طلبتها، وإما أن تجد في طفل الأنبوب تسكينًا لعاطفتها، وفي هذه الحالة طبعًا لن يكون طفل الأنبوب من زوجها العقيم، بل من رجل مجهول تبرع بمائه، أو باعه وهذا هو المحظور الذي سوف لن يطول زمانه، بل سيصبح يومًا ما أمرًا عاديًا غير محظور ولا معيب وكم من باب شر فتح على الأمة بمثل هذا الأمر الذي كانت الآراء فيه مختلفة، وتساهل فيه الناس.

رابعًا: في هذا لا يختلف بين ما إذا كان عقم في الزوجين أو في أحدهما، وبين ما إذا كان عدم الحمل من عائق عضوي في المرأة، ولا يقال: بإن العائق العضوي يشبه المرض الذي يستدعي الكشف من الطبيب لعلاجه، فالمرض شيء والعائق يقاس به- المرض يطلب له الدواء والعادي لا يطلب له دواء، فاختلفت العلة فيهما فبطل القياس. 

إلا أن يكون هذا العائق مرضًا عضويًا يخشى منه على صحة المرأة، فحينئذ يكون العلاج لأن العائق مرض. 

خامسًا: معلوم أن الزواج يكون لأمرين اثنين- الأول: إعفاف النفس عن الحرام. الثاني: النسل والولد. وتحقق الأول يغني عن الثاني، أما تحقق الثاني فليس مغنيًا عن الأول، فقد يكون مع الإنجاب والولد وقوع الفاحشة من الرجل أو من المرأة، أما إذا عف الإنسان بالزواج عن الوقوع في الفاحشة فيبقى طلب الولد أمرًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه كما هو واقع في حياة الكثيرين.

سادسًا: قاعدة سد الذرائع في الإسلام تفرض حظر طفل الأنبوب ومنعه، إذ أن هذه القاعدة تحظر على المسلم شيئًا من الحلال الصريح مخافة الوقوع في الحرام الصريح، وطفل الأنبوب يطلب- بغض النظر عن وصفه بالحل أو بالحرمة- بسبيل غير مشروع، وهو الكشف عن عورة المرأة وملامستها وتصويب النظر إلى مواطن الفتنة فالقضية فيه معكوسة تمامًا، فيكون أولى بالتحريم مما حرم بسد الذرائع. 

سابعًا: وبعد ما تقدم ينبغي أن نعلم أن مثل هذه الحالة التي يمتنع فيها الحمل لعائق إلا بطريق الحمل الأنبوبي ليست حالة مرضية، يصدق عليها ما يصدق على ما يطلب للمرضى من علاج ودواء، فلا يباح للطبيب علاجها بالنظر إلى عورة المرأة وبخاصة المغلظة منها، وليس كل حالة مرضية أيضًا يباح للطبيب أن يجري ما يعرف «بالفحص النسائي» الذي تساهل فيه الناس في زماننا هذا تساهلًا جرهم إلى الإثم وأوقعهم في حبالة المنكر، وأذهب عنهم الحياء من الإيمان.

وإذا كان النظر لا يباح لوجه المرأة الأجنبية إلا أن تكون نظرة واحدة فجائية، يحرم على الرجل بعدها النظر مرة أخرى، فكيف بمثل هذا الكشف الذي لا تمليه ضرورة شرعية.

وقد صح في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منها قوله لعلي- رضي الله عنه-: «أن لك الأولى وعليك الآخرة» وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله البجلي قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» والقرآن صريح في نهيه وأمره في هذا الأمر ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (النور: 30) و ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور:31) ولاشك أن من حفظ الفرج عدم الإذن بالنظر إليه لغير ضرورة شرعية أباحها الشارع الحكيم.

بل إن الأمر بغض البصر وعدم النظر كما يكون من الرجل للمرأة وبالعكس يكون من المرأة للمرأة أيضًا ومن الرجل للرجل يقول عليه الصلاة والسلام: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة»..

ومما يؤسف له، ويؤذن بالإثم والعقوبة أن المسلمين قد تساهلوا في مثل هذا الأمر وغيره تساهلًا عجيبًا، حتى أن المرأة لتسمح لنفسها أن تذهب إلى الطبيب النسائي لأدنى ألم تحس به، كان أضعافه في زمان مضى وانقضى تؤديه «الداية» الله يرحمها ويرحم زمانًا كانت فيه الداية أما بارة رحيمة، وطبيبًا حاذقًا مؤنسًا، وجدة فاضلة نقية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 607

63

الثلاثاء 08-فبراير-1983

الأسرة (607)

نشر في العدد 558

67

الثلاثاء 26-يناير-1982

باختصار- المرأة والحق السياسي