; طه حسين .. حقائق جديدة | مجلة المجتمع

العنوان طه حسين .. حقائق جديدة

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1311

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 04-أغسطس-1998

  • مجلة الهلال المصرية: هل كان طه حسين شيوعياً؟ كان عميلاً للصهيونية؟ تنصر في كنيسة بفرنسا؟!
  • تبنى أفكار المستشرقين وقال إنه لا يكتب السيرة على أنها حقائق بل باعتبارها قصصاً.

نشرت بعض الصحف أن طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي، كان يعلن حرية الرأي ويعمق التفكير والبحث التزاماً بقول الله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (أَفَلا تُبْصِرُونَ) (يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)، ولكن المعارضة السياسية استغلت هذا الكتاب وأرسل شيخ الأزهر بلاغاً ضده للنائب العام ينسب إليه أنه كذب القرآن الكريم صراحة واتهم طه بإلحاد صريح، ولكنه أرسل برقية إلى مدير الجامعة أكد أنه ليس في الكتاب إهانة للدين أو الخروج عليه، ويؤكد أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأدعى الكاتب أن الاستعمار حرك ذلك ضد طه حسين.

وكنا نود ألا نتعرض لهذا الموضوع ولا لصاحبه لأنه في ذمة الله، ولكن تصوير القضية على هذا النحو الذي بلغ حد ادعاء أن الملك فؤاد والسفير البريطاني ومجلس النواب والأزهر هي الأطراف التي شكلت هذه الأزمة ضد طه حسين، وكأنه كان يقف ضد هؤلاء ويحارب الاستعمار، هذا التصوير الخاطئ يوجب أن يعلم هذا الجيل الحقيقة من أقوال طه حسين نفسه، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- يقول في هذا الكتاب التوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي وقد علق الدكتور محمد حسين في كتابه الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، على ذلك بقوله: (كلام لا يوصف بأقل من أنه كفر بكتب الله ورسله) ص ۲۷۸ جـ ۲.

2- وقد كتب طه حسين في جريدة كوكب الشرق سنة ۱۹۳۳م يقول: إن المصريين قد خضعوا لضروب من البغض وألوان من العداوات جاءتهم مع الفرس واليونان وجاءتهم عن العرب انظر تحولات الفكر العربي للدكتور محمد جابر الأنصاري عن عالم المعرفة ص ۱۳۹.

والجدير بالذكر أن مصر في هذه الفترة كانت ترزح تحت ظلم الاستعمار البريطاني، وكان الإنجليز في شوارع القاهرة يعيثون فساداً وإهانات، ولكن طه حسين لم يذكر شيئاً عن ذلك واعتبر الإهانات من العرب ولا غرو أن يصـ يصبح بعد ذلك عميداً للأدب العربي.

3- كما يقول أيضاً: لا تصدقوا ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة وستبقى كذلك.

أما أقواله عن الصحابة وكيف نأخذ التاريخ منهم ولا نأخذه من المنهزمين فله وقفة أخرى.

إنه لمن العبث بالعقول أن يزعم الكاتب أن خطاب طه حسين إلى رئيس الجامعة والذي أكد فيه أنه مؤمن بالله ورسله، يدل على أن الضجة التي أثيرت حول الكتاب مفتعلة من خصوم طه حسين السياسيين.

والمعلوم للجميع أن طه حسين لم يكن يتعرض لأحد من الحكام المصريين ولا للإنجليز، الحكام الفعليين آنذاك حتى يقال إنهم كانوا وراء هذه الضجة، ومن المعلوم لتلاميذ العلماء أن الذي ينطق بالشهادتين ويقول إنه مؤمن بالله ورسله يرتد كافراً؛ إذ كذب صريح القرآن أو رد حكماً فيه أو رد السنة النبوية، وطه حسين قد أنكر صدق ما ورد في القرآن عن رسل الله إبراهيم وإسماعيل فلا يشفع له أن يقول إنه مؤمن، فقد فعل ذلك بعض الأعراب فنزلت فيهم سورة المنافقين التي بدأت بقول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (سورة المنافقون : 1).

الشعر الجاهلي:

إن أخطر ما ظهر في هذه الفترة مما يدعو إلى هدم الدين كتاب آثار عند ظهوره ضجة في الصحف وفي المجلس النيابي وتناولت السلطات القضائية مؤلفه بالتحقيق وجمعت نسخه من الأسواق حتى لا يتناوله الناس، ذلك هو كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين الذي ظهر سنة ١٩٢٦م بعد أن القاه على الطلبة في كلية الآداب خلال العام الدراسي - وقد أعاد طبع الكتاب باسم في الأدب الجاهلي وحذف أكثر الفصل الأول - الخاص بالأدب العربي - لأنه يتضمن هذه الأكاذيب التي صودر الكتاب من أجلها.

يقول في أول كتابه: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به وأن ننسى ما يضاد هذه القومية، وما يضاد هذا الدين، يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا المناهج البحث العلمي الصحيح - فنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب والاكتراث بالإسلام، إن للتوراة أن تحدثنا عن إسماعيل وإبراهيم، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي.

ثم يقول عن تواجدهما بمكة: القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين العرب واليهود من جهة، وبين الإسلام واليهودية والتوراة والقرآن من جهة أخرى، فليس هناك ما يمنع قريشاً من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم.

فهذا الكلام لم يثبت بالاستدلال العلمي الذي يزعمه أن إبراهيم وإسماعيل ليس لهما وجود تاريخي وأنهما لم يكونا في مكة أو لم يبنيا الكعبة أو يجددا بناءها بعد رفع قواعدها، في الوقت نفسه، فإنه بهذا الكلام يكذب القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قول الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (سورة البقرة: ۱۲۷)، وقول الله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (سورة البقرة: 125)، وأمام هذا التكذيب الصريح للقرآن الكريم الذي تحدى به الله العالمين بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111] فلا بُدَّ من أن نعرف دور طه حسين، ولماذا أصبح عميداً للأدب العربي.

ننقل ما كتبته مجلة الهلال تحت هذا العنوان.

 ثم تقدم تقرير سوزان زوجة طه حسين حتى لا نتجنى عليه بتعليق أو رأي لقد تساءلت مجلة الهلال المصرية في عدد مايو ۱۹۷۷م فكتبت الآتي:

طه حسين في قفص الاتهام، هل كان شيوعياً؟ هل كان عميلاً للصهيونية، هل تنصر طه حسين في كنيسة فرنسا؟

ويعلق الأستاذ أنور الجندي على ذلك في كتابه الوجه الآخر لطه حسين فيقول: إن مجلة الهلال صبغت علاقات طه حسين بصبغة الاتهام ولعل القارئ المتابع المذكرات سوزان زوجة طه حسين، قد أحس بذلك الجو الكنائسي المليء بالتراتيل والمزامير والقداس الذي أضفته سوزان على حياتهما الاجتماعية.

ها هي تنقل قوله في رسالته إليها بالأمس كان عيد العنصرة ومرة أخرى ترد إلى خاطري بصفاء بالغ ذكرى عيد العنصرة في «باردونيه كنت قد استمعت إلى القداس في الكنيسة من الأعلى، وكان الخوري العجوز قد قرأ إنجيل يوحنا، ثم تذكر سبب هجومه على القصر فتقول: إنه هاجم القصر لا ليدافع عن الحكومة، وإنما لأن القصر يريد الحد من حرية المعتقدات، فالأديان المعترف بها هي التي ستكون مسموحاً بها في مصر والملحد لا يستطيع أن يعلن نفسه ملحداً ... ص ۱۸.

وهي تصف الاعتراضات على كتاب الشعر الجاهلي بأنه ثورة الجهل ثم تذكر نصرة المستشرقين له بأنه لما خرج من الجامعة اعتصم من أجله كل من مادال وجرانت وبيزغستراسه وقالوا لن نعود حتى يعود طه حسين، وكتب المستشرق ديلا فيدا عن الخطر الذي يهدد أهدافهم بخروج طه حسين من الجامعة، وتذكر أن القوى تنادت لنصرته وطلب منه كبيرهم ماسنيون أن يسافر إلى أمريكا، وقدمت له الجامعة الأمريكية بالقاهرة عروضاً للعمل بها، فقدم محاضرات بدعم لا يقدر بثمن.

جلسات الأحد:

تقول سوزان عندما تأسست جامعة الدولة العربية سنة ١٩٢٥م اتخذ الطريق إلى بيتنا قادمون جدد، هناك بدأت جلسات الأحد التي سرعان ما اتسعت كثيراً في الزمالك، كان طه خلالها قطباً حقيقياً؛ إذ ما كان الأساتذة الأجانب يصلون إلى مصر حتى يأتوا بالطبع إلى بيتنا لقضاء ساعة أو ساعتين برفقة زوجاتهم، وكان منهم العميد جيريجور والفيلسوف أميل برهين، وأستاذ الأدب الإنجليزي سكايف وكذا سالمر وسانياك.

وتبادل الأفكار واتهامات مختلفة يقدر ما كان ينتج عنها أيضاً حجارة جديدة من أجل البناء الذي كان طه يتابع إنشاءه بكتبه ونشاطه، وهذه اللقاءات وما سبقها عند دراسته في فرنسا كانت وراء فكره الذي قالت عنه زوجته: لقد كتب لي يقول إن أبحاثي الشخصية تصل إلى نفس نتائج كبار المستشرقين، أتدرين أنني قررت الا أقرأ أبحاثهم إلا بعد أن أنجز أبحاثي لأكون على علم بها فقط.

إن أفكار كبار المستشرقين التي تبناها طه حسين جعلتهم يتنازلون له عن رئاسة أقسام الاستشراق ومؤتمراتها حيث تقول زوجته مفتخرة، كان المطران تيسيران يعرفه طه حسين جيداً، فأخذه وقدمه إلى البابا تيوس الحادي عشر، وكان مستشرقاً وكان يستقبل مؤتمر المستشرقين، وبعد الجلسة الافتتاحية، تنازل نلينو عن رئاسة القسم لطه حسين، وطه حسين من جانب آخر يبين دور هذه السيدة وفضلها، فيقول لها في رسالة نشرتها عندما رجعت إلى البيت ذهبت مباشرة إلى الصورة صورتها، وركعت أمامها، وقصصت الأمر عليها بصوت عال.

تقول سوزان لما عاد عميداً من جديد كان يقول لها: إنك تعرفين هذا النوع من الرضا الذي يعقب القيام بالواجب، وأن المرء على مستوى الرسالة التي كلف بها رغم الصعاب التي يواجهها، ولقد أشادت سوزان بالمحاضرات التي كان يلقيها في جمعية الشبان المسيحيين والجامعة الأمريكية في القاهرة. 

لقد ألف طه حسين كتابه على هامش السيرة كدليل على توبته، ولكنه قال بعده: ما زلت متمسكاً بآرائي، والكتاب يؤكد هذا؛ حيث ورد في مقدمته: إنه لا يكتب السيرة على أنها حقائق، بل باعتبارها قصصاً كما تفعل جدته لتسليته عند النوم.

مجتمع بلا دين!

إن هذه الحرية في الرأي التي تنسب إلى العلمانية تزعم أن المجتمع العلماني ليس له دين، وقد تصدى لذلك المفكر القومي عصمت سيف الدولة فقال: ليس وطننا العربي واحداً من تلك المجتمعات النموذجية»، التي أشرنا إليها بقصد كشف عبث دعوة العلمانية بعيداً عن أصلها الديني وظروفها التاريخية، والواقع أنها مجتمعات افتراضية لا وجود لها، إذ لا وجود المجتمع بلا دين أياً كان المجتمع، وأياً كان الدين، وليس ثمة أكثر تديناً، بل نقول تعصباً دينياً من مجتمع الملحدين ذاته، إذ ليس «الإلحاد، إلا دين الملحدين يقوم فيهم بوظيفة أي دين على أي حال، فإن وطننا العربي مجتمع تتعدد فيه الأديان، وتتعدد فيه المذاهب من كل دين، وبالتالي فإن ترويج "دعوة العلمانية" فيه لا يكون عابثاً في كل الأحوال، بل يتوقف حاله من العبث والجد على المخاطبين بها من أبناء أمتنا العربية.

وقال: فكثير من أبناء أمتنا العربية يدينون بالمسيحية، ويتفرقون انتماء إلى مذاهبها المتعددة، ولكل مذهب رجال دين ومؤسسة دينية كنسية وبالتالي فإن "للعلمانية" في وطننا العربي مجالاً تطرح فيه دعوة، وتقام فيه حدود، لتظل الكنائس جميعاً ملتزمة المبدأ المسيحي الذي قامت عليه «العلمانية»: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، ولكن متى؟ إذا حاول رجال الدين من أي كنيسة أن يعرضوا مجتمعنا العربي إلى مثل الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الأباطرة والملوك والأمراء، أو إذا ما حاول الذين يحلمون بأن يكونوا أباطرة أو قياصرة أن يمدوا أصابع سلطاتهم إلى داخل الكنائس افتئاتاً من أي قيصر على ما لله، إن هذا يعني تماماً، وأرجو ألا يخطئ أحد فهم ما نقول أو يستهين به - إن أياً من الطرفين يشق طريقه الشائك إلى حيث ترده إلى حدوده ثورة شعبية، لا يعلم أحد من الآن اين تقف حدودها، إنه ليس لعباً بالنار فقط، بل هو إشعال فتنة لن تشوي إلا من أشعلها، ولست أعتقد أن هناك رجل دين مسيحياً على أقل قدر من العقل يعتقد أن جزاء مخالفة تعاليم السيد المسيح ستكون نار جهنم فقط، أو أن هناك حاكماً على أقل قدر من العقل يعتقد أن ضمائر المسيحيين وكنائسهم متاحة ليمد إليها أصابعه دون أن تقطع أصابعه على الأقل، أو أن هناك شعباً أي شعب يقبل أن تقوم في دولته مؤسستان متوازیتان متنافستان على ممارسة السلطة، باسم الدين أو باسم الدنيا، بعد كل ما تعلمته الشعوب من تاريخ الصراع بين الكنيسة والدولة.

الرابط المختصر :