العنوان طه حسين… وعلاقته بالآثار المصرية القديمة
الكاتب د. خالد محمد نعيم
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 93
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 17-يناير-1989
بداية نقرر أن الفضل يرجع للدكتور طه حسين (عميد الأدب العربي) في إنشاء مصلحة الآثار المصرية في الثلاثينيات من هذا القرن، فربما يعود ذلك إلى أن الرجل كان شديد الشغف بالآثار المصرية القديمة... فكيف كان له هذا؟ وعن طريق من مِن الرواد أصبح طه حسين يعشق الآثار المصرية القديمة؟ وما هي علاقة طه حسين بالآثار المصرية القديمة، التي يتخللها عدد من الشخصيات لعبوا دورًا خطيرًا في هذه العلاقة وانعكاساتها على عقيدته الإسلامية. وسوف نتعرض لهم خلال الحديث عن الموضوع بالتفصيل ....
والقصة تبدأ منذ عام 1925 عندما كان (سامي جبره) أمينًا للمتحف المصري، ولم يكن (جبره) غير موظف بسيط حاصل على ليسانس الحقوق، وسافر في بعثة علمية إلى فرنسا عام 1928، وحصل على درجة الدكتوراه في دراسة عن مجلس الموظفين في مصر القديمة. ولما عاد إلى مصر، ساعده الدكتور طه حسين في تعيينه مدرسًا بكلية الآداب، جامعة القاهرة، حيث تزوج شقيقة (سوزان) زوجة طه حسين، فأصبح الرجلان على علاقة طيبة على الرغم من الاختلاف الجوهري في الديانة فسامي جبره، رجل مسيحي (كاثوليكي) وطه حسين، رجل مسلم (سني).
وبدأ (سامي جيره) منذ عام 1932، وبتوجيه من طه حسين (عديله)، وباسم جامعة القاهرة مشروع للحفائر في منطقة (تونا الجبل)، بمحافظة المنيا، مسقط رأس طه حسين فقد ولد طه حسين، بقرية (الكيلو)؟
و(تونا الجبل) تقع إلى الغرب من (الأشمونين) وعلى بعد 20 كم من مدينة (ملوي)، ولم يكن مسبقًا لسامي جبره، أن يقوم بحفائر في هذه المنطقة، فتونا الجبل منذ عام 1919 كانت ميدانًا خصبًا لحفائر الفرنسي المشهور (جوستاب لوفيف) الذي اكتشف فيها مقبرة بتوزوريس)، وكان هذا الكشف الأثري، قد لفت الأنظار إلى أهمية المنطقة. خاصة بعد أن نشر لوفيفر كتابه عام 1924 عن (مقبرة بتوزوريس). وربما أشار الفرنسيون على سامي جبره، وهو مدرس من باريس أن يستكمل حفائر (جوستاب لوفيفر). فتقدم بمذكرة إلى مصلحة الآثار، لتكملة هذه الحفائر، ولكن المصلحة رفضت مذكرة سامي جبره ثم عينه طه حسين مدرسًا في كلية الآداب، ولما كانت (تونا الجبل) تشغل سامي جبره، فانه طلب اعتماد المبالغ اللازمة لعمل حفائر باسم جامعة القاهرة في منطقة تونا الجبل. فوافقت الجامعة بمعاونة طه حسين كذلك، وظل العمل في منطقة الحفائر هذه حوالي 21 عاما أي حتى عام 1952.
وكان طه حسين قد أشار على عديله (سامي جبره)، أن يجهز له استراحة خاصة في منطقة الحفائر بتونا الجبل وبالفعل تم تجهيز استراحة عبارة عن منزل ريفي في غاية الروعة والأناقة بإمكانيات الثلاثينيات، لكنه كان يسر الناظرين وخلال العطلات الأسبوعية أو السنوية كان طه حسين يذهب وزوجته سوزان إلى منطقة الحفائر، ربما وللاستجمام من عناء العمل، أو لزيارة عائلية فقد كانت زوجة سامي جبره، وهي شقيقة سوزان زوجة طه حسين تقيم مع زوجها في منطقة الحفائر. وبطبيعة الحال، كانت الشقيقتان تتزاوران.
مقبرة إيزادورا...
وفي أثناء العمل في حفائر تونا الجبل، اكتشف سامي جبره، (المدينة الجنائزية) التي تقع خلف مقبرة بتوزوريس في عام 1933، ومن ضمن هذه المقابر الجنائزية، مقبرة (إیزادورا) وفي الوقت نفسه كشف معبدًا من العصر البطلمي، وثلاثة سراديب من نفس الفترة. ومعظم الآثار التي كشفها سامي جبره، لم ينشرها علميًّا..!!
وفي كتاب ضخم نشره مجموعة من الفرنسيين، باسم حفائر (تونا الجبل) لم يكتب فيه سامي جبره سوى مقدمته والكتاب عبارة عن وصف أثري فقط للمنطقة، حيث لم يتعرض للنقوش الموجودة على المقابر الجنائزية، ولم يتعرض الكتاب من قريب أو بعيد إلى تحليل هذه النقوش المكتوبة باليونانية أو الهيروغليفية أو الديموطيقية، كما أنه لم يحلل المناظر الكثيرة والمتباينة، التي على جدران هذه المقابر، ولذلك ترك لنا المنطقة، وكأنها لغز من الناحية العلمية.
ومقبرة إيزادورا التي اختلف الكثيرون في تحديد هوية صاحبتها فهي على شكل قوقعة البحر؛ فالبعض يذكر أن إيزادورا، فتاة يونانية، والبعض الآخر يذكر أنها فتاة مصرية من مدينة (أنتونيو بوليس). وكانت فتاة دون العشرين ماتت غريقة أثناء ركوبها النيل من مدينتها، وهي في طريقها إلى لقاء حبيبها، فأقام لها والدها المرتاع مقبرة صغيرة أنيقة في تونا الجبل، كتب على جدرانها مرئية شعرية مؤثرة.
وقد أثارت قصة مقبرة إيزادورا، بين المؤرخين جدلاً كبيرًا، خاصة بعد أن ثبت أن الأساطير اليونانية القديمة، لا يوجد بها ما يدل على وجود هذه القصة، وعلى أية حال لم يكن اسم هذه الفتاة وحدها في زمانها، بل كان اسمًا يونانيًّا متداولاً لفظًا، ومصريًّا بالدرجة الأولى في المعنى، فهو يعني (وهبة إيزيس، أو عطية إيزيس)، ثم حرفت فيما بعد إلى اسم إيزادورا، وهي (هبة إيزيس) الإله الأم في كل روما ومصر القديمة من ذلك الوقت وحتى اليوم توجد للإلاه إيزيس عباده في أوربا. وتدرس حتى اليوم كذلك في الجامعات الأوربية!!.
لقد تردد اسم (إيزادورا) أكثر من مرة في الأوراق البردية المشهورة باسم Zoom pappari وكانت هناك سيدات أخريات يحملن نفس هذا الاسم، وربما كان يدل هذا على محاولة اليونانيين التقرب والتودد إلى الشعب المصري وإظهار الاحترام لمعتقداته ....
مقبرة إيزادورا ملکت لب طه حسين، فكان هو وزوجته واختها وسامي جبره يقومون بتأدية طقوس خاصة داخل هذه المقبرة، يرتدون ملابس خاصة بيضاء يحرقون البخور ويوقدون المناديل.
والمرثية الشعرية، التي كتبها والدها، أم غيره من الشعراء المتمرسين المتحذلقين –كما يبدو من النص ذاته من تقعر لغوي، ومعرفة واعية وإلمام واسع بلغة الملاحم والأساطير اليونانية القديمة– قد خلط فيها خلطًا بينًا بين التراث المصري الأصيل، وبين التراث اليوناني الكلاسيكي وما قبل.
على أية حال، أبيات المرثية الشعرية، مسجلة على جانبي مدخل حجرة الدفن، حيث يرقد جثمان الفتاة إيزادورا وهذه المرثية الشعرية، تتألف من خمسة وعشرين بيتًا شعريًّا خمسة عشر منها، مدونة على يمين مدخل حجرة الدفن، وعشرة أبيات مدونة على يسار مدخل حفرة الدفن. والنص لم يذكر لنا أسباب غرق الفتاة، كما ذكر البعض، بأنها بينما كانت في طريقها إلى لقاء حبيبها غرقت.
ولقد قدم الصديق (الدكتور محمود السعدني)، أول محاولة من نوعها لترجمة النص الأصلي من اليونانية إلى العربية، خاصة وأن الترجمة العربية التي أوردها (عبد المعطي جلال) - في كتاب (مذكرات أثري) الذي قام بترجمته- عن الترجمة الفرنسية التي قام بها العالم الفرنسي (بر درست perdirst) عندما نشر (حفائر تونا الجبل) في عام 1924، قد أغفلت الكثير من أبيات المرثية الشعرية، فضلاً عن أن الترجمة الفرنسية ذاتها قد جانبها الصواب في مواضع عديدة...
وهذه هي الترجمة العربية بالنص كما أوردها (الدكتور السعدني) في بحثه:
النقش الأول (على يسار مدخل حجرة الدفن):
_إنهن، يا إيزادورا في حقيقة الأمر، الحوريات اللاتي شيدن لك
_ حجرة حوريات من بنات ينابيع المياه
_إن (نيلو) كبرى بنات النيل، قد بدأت في عمل
_ تجويف محفور في الأعماق، وفريد في نوعه، ووضعته
_بين قصور والدها. إن حجرتك جديرة بالنظر إليها كبناء إلهي
_ ولكن حورية النبع (كرينيا) التي زوجت نفسها من (هولاس) الذي خطفته
_كان لديها كهف مثل حجرتك، تحفه الأعمدة من جانبيه، حيث كانت هي بنفسها
_ تمد يدها إلى (هولاس) الذي كان يحمل جرة الماء
_بينما ربات المرتفعات (الأورياديس) هن اللاتي كن قد مررن في الحقل
_ واختيار هذا المكان، وبنين عليه محرابًا لك كهدية منهن ليست بالقليلة.
أما النقش الثاني والذي يقع على يمين مدخل حجرة الدفن، فقد سطر من الخمسة
عشر بيتًا
_ يا ابنتي إنني لن أتردد في تقديم قرابين لك مصحوبة بالنجيب.
_ولاسيما، منذ أن عرفت أنك أصبحت كإلهه
_فلتمجدوا إيزادورا بتقديم النذور وإقامة الصلوات
_وهي التي خطفتها حورية من الحوريات
_وداعا يا صغيرتي، فاسمك الآن حورية، وليتك تنظرين
_كذلك إلى ربات الزمن (هوراي)
_وهن يسكبن شرابًا مقدسًا من نفس الآنية الجنائزية، كل عام
_فالشتاء يأتيك من ناحية بلبن أبيض وزهرة شجرة زيتون
_ كما يتوجك من ناحية أخرى، بزهرة نرجس رقيقة جدًّا
_ولكن الربيع يرسل إليك برحيق نحله الذي يكبر من تلقاء نفسه
_كما يبعث إليك زهرة فواكه، زهرة، هي رسول، إلى الحب
_بينما يقدم لك الصيف الحار شرابًا من الإله باكوس، كما
_يهديك تاجًا من شجرة الكروم ولقد كانوا جميعًا في حاجة إلى تلك الفروع من أشجار الكروم
_كل هذا لك يا عروسة وقد غدا هذا كله عادة سنوية تتم طقوسها
_كما تتم الطقوس للخالدين ولهذا السبب فأنا نفسي
_ لن أتردد يا ابنتي في تقديم القرابين لك مشفوعة بالنجيب.
ما هي علاقة طه حسين بهذه الفتاة (إيزادورا)
كشف مقبرة إيزادورا بالنسبة لسامي جيره، نقطة تحول، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا ينتمي بجذوره التعليمية إلى طائفة الأثريين. ولما غدا سامي جبره بهذا الكشف واحدًا من الأثريين المصريين المرموقين، بجانب (عديله) عميد الأدب العربي طه حسين بدأت المرحلة الثانية من علاقة طه حسين بالآثار المصرية القديمة. أخذ سامي جبره يشرح لعديله، قصة مقبرة إيزادورا فحفظها طه حسين عن ظهر قلب، فهو له هذه القدرات، وعندما زار العلماء الفرنسيون برفقة أحد المسئولين منطقة الحفائر في تونا الجبل عام 1935، وقام طه حسين بدور المرشد السياحي، وشرح نصوص مقبره إيزادورا بمفرده ودون أن يقوده أحد من مساعديه، وكان ينطق كل كلمة يشير عليها بعصاه، نطقًا سليمًا، ثم يترجمها للزوار، باللغة الفرنسية مرة، وباللغة العربية أخرى لدرجة أنه أصاب كل الحاضرين بالدهشة والانبهار، خاصة أثناء تحركه داخل المقبرة، بحرية ولياقة بالغتين.
ويبدو أن مقبرة إيزادورا التي غدا ضريحها مزارًا ووحيًّا تتصل فيه سيرتها وتتجدد قد ملكت لب طه حسين «فكان هو وزوجته سوزان، وأختها زوجة سامي جبره، وهذا الأخير، يقومون بتأدية طقوس خاصة داخل هذه المقبرة. يرتدون أثناءها ملابس خاصة، بيضاء تكشف عن مساحات كبيرة من أجسامهم، في ساعة متأخرة من الليل يحرقون البخور ويوقدون القناديل». فما هو الدافع وراء هذه الطقوس التي كان يمارسها طه حسين؟ وهل كانت إعادة عرض مسرحي لما كان يحدث في هذه العصور جائز رغم اختلاف العقائد؟ وهل يجوز إعادة هذه الطقوس الدينية. رغم أن النص القرآني الذي يحفظه طه حسين يرفض هذا؟ كما وأنه منذ دخول المسيحية إلى مصر، حطمت هذه الرسومات ولم تحاول حتى التشبه بها. فما هو الدافع الذي كان وراء ممارسة هذه الطقوس من جانب طه حسين؟
وقد ينبري البعض ويدافع عن طه حسين، ويتهمني بأنني أدس عليه هذا السلوك، ولكن لدي ما يؤكد ذلك، ومما لا يدع مجالاً للشك. فقد قال (سامي جبره)، على لسانه بالنص ولست أذكر أن صديقنا العميد دكتور طه حسين قد أسعدنا مرة بزيارته دون أن يقصد إلى ضريح (إيزادورا) لنحرق فيه البخور في محارقه القديمة، إحياء لذكرى تلك العذراء الشهيدة، ولم نشعر مرة واحدة بأن روح الشهيدة العذراء قد ضاقت بنا وإنما كنا نحس ابتهاجها بذلك أو نخاله، وأشهد لقد كان ضريح إيزادورا المحراب المفضل الذي نؤدي فيه صلواتنا.
وقد يتساءل معي البعض هل عبادة (الهرم الأكبر) القائمة حتى اليوم، لأناس في أوربا والولايات المتحدة يفدون إلى هذا (الضريح) كل عام، بالآلاف كحجاج لممارسة طقوس خاصة بهذه العبادة، هي سيرًا على نهج ابتدعه طه حسين، واعتقد به الناس من بعده؟ وهل طه حسين سبق هؤلاء في ممارسة هذه العبادات؟!!
عشرات من الأسئلة والتساؤلات تطرح نفسها، وتبحث عن إجابات شافية، وأين موقف طه حسين بعد كل ذلك من (الإسلام)؟
خاصة إذا عرفنا أنه كتب أقصوصة بعنوان «إيزادورا شهيدة العشق الإلهي»، وكأن التأثر بلغ مداه بعميد الأدب العربي فترك إلى خياله الخصيب العنان ليترجم (قصة الفتاة)، ويعتبرها أنها ماتت غريقة، ضحية عشق طاهر عندما تخيل أن الفتاة كانت تحب شابًّا، فخرجت معه في نزهة نيلية، ولكنها لاقت حتفها في النيل. فالتسمية بـ(شهيدة (العشق الإلهي)، غير متسقة مع قصة الفتاة إيزادورا، وأن عميد الأدب العربي أطلق لقبًا على إيزادورا هو في الأصل قصرًا على السيدة (رابعة العدوية) في تراثنا العربي، التي أخلصت في حبها الله ، وهي التي قالت:-
ربي إذا كنت أعبدك خشية من نارك، فاحرقني بها
وإذا كنت أعبدك طمعًا في جنتك، فحرمها علي
فماذا قالت إيزادورا، حتى يطلق عليها، (عميد الأدب) شهيدة العشق الإلهي؟ ويجعل منها (حدوتة) مثالية، ورمزًا لموضوع أخلاقي إنساني متجدد مع كل فكر حر صادق في عواطفه، يتمرد على الأوضاع الاجتماعية المحيطة به. لقد ظل عميد الأدب العربي، صادقًا مخلصًا مع خياله، حتى جعل كل من حوله يعتقد فيما يقول، كما لو كان حقيقة مسلمًا بها، فلا أستبعد عنه أبدًا أنه بجانب عمادته للأدب العربي، أول من ساق أوربا والولايات المتحدة إلى الهرم الأكبر. كما كان ضريح إيزادورا كما يقول سامي جبره «وغدا المحراب المفضل الذي نؤدي فيه صلواتنا»، أية صلوات كانت تؤدى. ولوجه من غير الله ؟
وقد تصرخ بعض الأصوات عالية، لترد عليّ قائلة: «إنه انفعال الأديب والفنان والشاعر بالحدث... إن ما فعله طه حسين هو فن من الفنون الرفيعة، وكان فنانًا صادقًا، فدوّن خواطره عن تلك المقبرة للفتاة اليونانية أو المصرية وصاغها في قالب أدبي رفيع، ورفعها إلى مصاف الشهداء والقديسين»!! وإذا كان الفن والأدب بهذا المعنى الإلحادي الوثني فلعنة الله على الأدب والأدباء، والفن والفنانين، الذين يبدعون في غيبة العلي القدير، إنها وصمة التغريب التي ابتلي بها جيل طه حسين، ومن يتوهم أنه تعلم من طه حسين.
هكذا كانت علاقة طه حسين بالآثار المصرية القديمة انعكاسًا فعليًّا على معتقداته، فأصابتها في مقتل خطير، وإذا كانت الأمانة العلمية، تقتضي الإنصاف، فإنني أقول لكل مفكري العرب، أعيدوا تقييم عميد الأدب العربي دينيًّا وأخلاقيًّا، على ضوء علاقته بالآثار المصرية القديمة! وسوف ترون العجب.