العنوان طوق العولمة
الكاتب سالم بن عبد الجبار آل عبدالرحمن
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 66
السبت 07-أبريل-2001
إن الترويج للعولمة على أساس حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات.. يحمل خدعة تاريخية كبرى تتستر بها أمريكا لضمان سيطرتها على العالم، كما أن تفسير العولمة تفسيرًا اقتصاديًّا فحسب -كما يحاول كبار منظريها- مغالطة كبرى كذلك بالنظر إلى نسقها الأيديولوجي والنفسي والإعلامي الذي يقوم على أساس فكرة اكتساح كل ثقافات واقتصادات وسياسات العالم وبناه الاجتماعية تحت الشعار نفسه وغطاءات الديمقراطية، وحقوق الإنسان وحماية الأقليات وبرامج الشراكة من أجل السلام، ضمن مقولة الحضارة المنتصرة بغية تنميط العالم في القالب الأمريكي.
وها هو وزير الثقافة الفرنسي يقف في المؤتمر الدولي للسياسات الثقافية الذي نظمته اليونسكو في المكسيك سنة ١٩٨٢م، وهو يهاجم الولايات المتحدة، ويشكو مما تقوم به من غزو ثقافي، ولم يتردد في استعمال هذا التعبير الذي يتردد كثير منا في استعماله، منكرين وجود ما يسمى غزوًا ثقافيًّا، متجاهلين ما يحدث حولنا وعلينا، ومتدثرين برداء الثقافة الإنسانية العالمية.
وكان مما قاله ذلك الوزير وهو يشن هجومه على الولايات المتحدة: إن تلك الدولة التي علمتنا قدرًا كبيرًا من الحرية، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان أصبحت لا تملك اليوم منهجًا أخلاقيًّا سوى الربح، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة واحدة على العالم أجمع، ومضى يقول إن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية لا يحتل الأراضي، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرائق العيش.
وقد ساندت وزيرة الثقافة اليونانية ميلينا میرکوري، آنذاك وزير الثقافة الفرنسي في ذلك المؤتمر، وشكت مما شكا منه، ونددت بالموقف الأمريكي وحذرت من أخطاره على بلادها. وبعد سنوات من مؤتمر المكسيك، وقف ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية يخاطب ممثلي الدول الفرانكوفونية قائلاً: «من ذا الذي يستطيع أن يتعامى اليوم عن التهديد الذي يواجهه العالم الذي تغزوه بالتدريج ثقافة واحدة، ثقافة أنجلوسكسونية تتحرك تحت غطاء الليبرالية الاقتصادية ثم قال هل قوانين المال والتكنولوجيا توشك أن تحقق ما أخفقت الأنظمة الشمولية في تحقيقه»؟
إن محاولات العصف الإبستيمولوجية المعرفية التي تحاول القوة الأمريكية إسقاطها على البنى الإنسانية لن يدفع ثمنها سوى عالم الجنوب الذي لا يملك - في معظم الأحوال - أي طاقة من طاقات الرد والتفنيد.
ولسنا بحاجة هنا لاتباع تكنيكات وأيديولوجيات التنظير في برامج وآليات النظم المثالية اللازمة للانفلات من قيود هذه السيطرة الضاربة هنا وهناك في جسد عالم الجنوب خاصة في دوله الإسلامية.
وإنما نحن بحاجة أكبر إلى ضرورة إرساء عقائد التغيير العلمية والصناعية والفكرية الناظمة لمختلف أنماط العمل، وحفز كل الطاقات الواعدة رغم ما سنتعرض له من تضحيات على مستوى الفعل العلمي.. الصناعي، والفكر العقائدي الريادي وفي مختلف منظوماته بعد إجراء تنظيم شامل لكل الطاقات البشرية المتاحة خاصة في مجال نخب القيادات الخبيرة.
لقد كنا ولا نزال بحاجة شديدة وملحة لإنبات فضاء مركبات التمكين العقائدية الفكرية والصناعية والعلمية الموجهة نحو خطف ثمار الاستخلاف في عالم لا تسوده غير شرائع البقاء والتفرد للقوي والقهر والاستلاب والفناء للضعيف في الطروحات العالمية للعولمة، وصدام الحضارات.
لقد ظهر واضحًا وجليًا أن عالم الجنوب -بحسب التحليل الوظيفي الجيوسياسي - يشكل أطراف لعبة المبادلة المقترحة التي تشكلت معالمها في اتفاقيات الجات والمفاوضات التي تلتها والتي أفرزت الوحدة الأوروبية واليورو الأوروبي.
كما أشار بعض خبراء الاقتصاد السياسي في العالم الغربي - تلك الوحدة التي ذهب سادتها إلى انتهاج سياسة إغلاق الباب الذي تأتي منه الربح مقابل التضحية بمستعمراتها، وهذا ما يفسر حلول أمريكا محل فرنسا في مستعمرات البحيرات الكبرى، وفي السيطرة على اقتصادات دول الاتحاد السوفييتي السابق؛ والأمر نفسه ينسحب على بريطانيا التي يعتبرها البعض شريكًا مهمًّا لأمريكا، لكن الواقع غير هذا تمامًا؛ فالإنجليز هم ضحية العولمة حتى وإن قاموا بدور الطابور الخامس في أوروبا لصالح أمريكا بحسب ترتيبات حقبة تاتشر وحزب المحافظين.
إن ظاهرة التكتلات الدولية والقارية تشكل مؤشر وعي قومي وجماعي عالمي للوقوف ضد تيار العولمة أو التقليل من آثارها السلبية في أدنى احتمال. إن اليورو الأوروبي، ومجموعة النافتا، ومجموعة النمور الأسيوية، ولقاء الصين والهند وروسيا، ومجموعة الدول المستقلة... وكل التحالفات والمجموعات التي تظهر وتختفي تحت مختلف المبررات والذرائع ما هي في واقع الأمر -إلا تمثيلاً لملاجئ وحصون- احتماء ضد مؤثرات النظام العالمي الذي برزت معالمه وطروحاته بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفتيت منظومته العسكرية حلف وارسو، وما ينتج عنه من جبروت أمريكي بلا منافس أو منازع.
يمكن تفسير كل الدعاوى الأمريكية في حماية حقوق الإنسان والأقليات والديمقراطية والتعددية الحزبية باعتبارها أدوات ضغط على الأنظمة والاختيارات العقائدية والقومية، وما تمثله من رصيد لغوي وثقافي وتاريخ سياسي وحضاري ليس أكثر ولا أقل من ذلك، فقد رأينا على الصعيد العملي التدخلات الأمريكية تحت تلك المبررات والشعارات لتحقيق مصالح محددة تصب في سلة الرأسمالية، كما رأينا إحجام أمريكا عن الدفاع عن هذه الدعاوى عندما لا ترتبط بمصلحة أمريكية، وهذا ما جعل الحجة الأمريكية عارية من الحقيقة، وبالتالي فإن تدويل الاقتصاد أو ما يسمى بالاندماج Containment في الاقتصاد العالمي إضافة إلى معادلة تبادل المعلومات لن تجسد سوى فكرة العولمة، بالإضافة إلى تعزيز وتقوية حبال طوقها لصالح المشروع الإمبريالي، وإن قدم في صيغ جذابة وسحرية كالشراكة والسلام... إلخ. بعدما تعود الأمريكان أن يقدموا كل فكرة على طبق من ذهب.
وتأسيسًا على ما تقدم فإنا نجد أن مقومات القوة والهيمنة ما زالت قائمة كاملة غير منقوصة؛ فالمؤسسة العسكرية التقليدية والترسانة النووية وتوسيع حلف الناتو ومشروع الدرع الأمريكي المضاد للصواريخ الذي نادي به «بوش» الابن، في حملته الانتخابية ما تمثل إلا عصا العولمة ووسائلها وأدواتها غير المعلن عنها تلك التي استخدمت وستستخدم للضغط حتى يطأطئ العالم رأسه ويفتح أسواقه، وخزائنه -رغم أنفه.