العنوان ظاهرة الفضول.. من عثرات الاستقامة
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1977
مشاهدات 87
نشر في العدد 346
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 19-أبريل-1977
- الاستقامة منزلة من منازل الإيمان.
- ترك الفضول: الصورة المثلى للاتزان.
- ترك الفضول يعني انضباط الشخصية.
- ضرورة الاستقامة:
فيما ثبت عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أن أبا عمر وقيل أبا عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه سأله قائلا: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». رواه مسلم، وهنا الاستقامة بعد الإيمان ملازمة ومداومة على الثبات عليه، والسير على نهجه في ملازمة الطريق بفعل الواجبات، وترك المنهيات، قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ (هود:112) وبرهان كونها ديمومة الثبات على نهج الإيمان، قوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت:30)
أي أنهم ثبتوا على المنهج السليم، فكان أن بشرتهم الملائكة عند موتهم بالأمان والاطمئنان لحياة رغيدة طيبة هي الحياة في جنان الآخرة، وذلك بقولهم لهم ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:30).
ثم ماذا؟ إنهم يحوطونهم بالرعاية فالله هو وليهم في الدنيا وفي الآخرة.
إن استقامة المسلم على المنهج السليم، وأخذ نفسه قسرًا؛ كي تنتقل من مرحلة الأمارة إلى مرحلة المنقادة، جزاؤه بشارة الملائكة الأطهار برضوان الله سبحانه وهو مبتغى المسلم، وإن الارتقاء إلى هذه الدرجة الطيبة باللزوم الراسخ من ترك النفس على سجية الخير ومنعها عن الشر، إن هذا اللزوم كفيل بأن ينقي الإنسان من ظاهرة خطيرة تشكل الشحوب في استقامته، ألا وهي ظاهرة الفضول، وإذا أردنا الاستقامة الحقة، فعلينا أن نعرف الوجه المغاير وقد يخفى على الكثير، إذ أن الفضول متعدد ومتنوع وتدخل به دقائق من الأقوال والتصرفات، فلنرَ ما في ساحته.
- في ساحة الفضول:
يمتد الأفق بعيدًا، عندما نمد النظر في أطراف هذه الساحة، وبإمعان النظر في أرضها، تظهر لنا أثار هنا وهناك، وتلك الآثار نجد رسومها في هؤلاء الذين يدورون ويمرحون في هذه الساحة الفسيحة، ويتفاوت لصوق أثار هذه الفضولية في هؤلاء أو يزيد، الجانب الثاني وهو الاستقامة، وعليه فإن هذه الظاهرة ليست ذات صورة واحدة، وإن كانت تؤدي الدور نفسه الذي ينطبع في كل صورها، وهو القول أو التصرف فيما لا أهمية له، وهكذا يستمر الحال في كل قول، كلام ، تصرف، سلوك، عمل، لا يؤدي الغرض المطلوب، وإنما حصل جزافا أو استهتارا أو سهوا، فكل ذلك فضول زائد عن الشيء الصحيح، الذي تقوم عليه حياة الإنسان، وفي حديث سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم القائل «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» يمكننا من خلال هذا التوجيه النبوي الكريم أن نعمق النظر من ترك المسلم ما لا يعنيه، إذ لا نصيب كامل لهذا التوجيه على فضول القول وزلات اللسان وحسب، وأما بتعميم النظر تكون القاعدة مضطردة ومستمرة ومنطبقة على ترك الأعمال والأشياء ذات الفضول الزائد أيضا، ولعلنا نذهب أكثر من ذلك فنجد فضولا في السمع والنظر مضافا إلى القول والتصرفات.
- من فضول القول:
جاءت الآيات والأحاديث موجهة إلى المفيد من الكلم الطيب والقول السديد هذا عدا ما بينه العلماء العاملون رحمهم الله استنتاجا من أطيب الذكر من القرآن الكريم والسنة، وما ذكروه من آفات اللسان وفضائل الصمت، ثم ما ذكروا لذلك من حكم وأمثال في عبارات حكيمة وأبيات شعر مؤثرة، وقد بين سبحانه وتعالى القول المفيد بقوله جلَّ وعلا:
﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:114).
ووصف سبحانه المؤمنين بأنهم بعيدون عن اللغو فقال سبحانه فيهم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون:3).
ومن الأحاديث الكثيرة توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة في أكثر من مرة بحفظ اللسان من ذلك قوله لمعاذ بن جبل رضي الله عنه «وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». وقوله صلى الله عليـه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه «كف لسانك إلا عن خير» وبيـانه لأبي موسى رضي الله عنه بأن أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهذا التسامي ببيان فضيلة الصمت يصل إلى أن يكون من الإيمان باليوم الآخر، حيث يقول سيدنا المصطفي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا، أو ليصمت». وهكذا روي أن سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يرقى بنا، بكلمات جامعة مبينا أهمية الصمت كي لا يطغى عليه فضول القول، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم «إن العبد ليتكلم الكلمة ما يتبين فيها يزل في النار أبعد ما المشرق والمغرب». وقد تكاثرت أقوال الصحابة رضي الله عنهـم والتابعين ومن تبعهم رحمهم الله، تكاثرت في تبيان زلات اللسان، فهذا أبو بكـر رضي الله عنه يقول عنه «هذا الـذي أوردني الموارد» وقال وهب بن منبه - رحمه الله -: "أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت" وكم يندم الإنسان على الكلام كما أنه لا يندم الصمت، ولكن الندم على الصمت يكون آفة إذا سكت عن حق من حقوق الله سبحانه أو رفع مظلمة للناس، وهذا ما أشار إليه بتفصيل ابن القيم «الجواب الكافي» في قوله: في اللسان آفتان عظیمتان، هما آفة السكوت وآفة الكلام، فالسكوت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله.
- الصمت: عون على التفكير السليم:
وبهذا نلحظ ما لوزن الكلام من أهمية كبيرة في سلوك الإنسان، إذ التؤدة والتأني قبل إطلاق اللسان فيها إدراك لما يراد أن يقال.
- طهارة التصرفات:
إن تكلف ما لا تطيقه النفس يعد فضولًا أيضا، والخوض فيما لا يجدي نفعا يدخل ضمن هذه الدائرة من ظاهرة الفضول، وعليه فإن هذه الظاهرة تتسع محتوية الإنسان في سائر تصرفاته؛ لتسجل عليه ما لا حاجة له به، وقد وجهنا سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمات جامعة في حديثه القائل «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وهنا كلمة المهاجر بمعنى التارك، تدخل في السلوك والعمل، وعلى المسلم أن يتدارك سلوكيات حياته بتنقيتها مما يشوبها ويعلق بها من الأضرار المرتسمة في المخالفات الشرعية أو المكروهة ذوقا وأدبا تعامليا بين الناس، فلينتبه لنفسه حال مزاحه وجده وغضبه وحتى في جلوسه وقيامه ومشيه وسائر الحركات والسكنات، ليوجد من نفسه مراقبا أمينا ذا كفاءة لأن يولي المسئولية والإشراف على نفسه، إن لم يكن على غيره سواء من أهل بيته أو غيرهم، وجريا على هذا النمط الهادئ البسيط من الحياة المتروكة على سجية الانقياد والطاعة لله سبحانه وتعالى، على هذا النمط وحسب تعلو وتسمو حياة المسلم إلى درجة التجرد، بعيدا عن علائق الدنيا، وبذلك يغدو الفضول أمرا هينا بعيدا عن جادة المسلم الناطق بالحق والعامل بالخير والمفكر بعزة الإسلام.
ولكي تتطهر التصرفات، يجب أن يبتعد المسلم عما لا يليق بكرامة إسلامه الشامل الفسيح العميق في تعليمه لمعاني الحياة، وأن يبتعد عما لا يليق بكرامة شخصه المسلم، ومن ذلك ألا يكلف نفسه البحث، وسبر أغوار المسائل من كثرة التحري لبعض دقائق الأمور الشرعية ذات الاختلافات الفقهية، ويتفق مع هذا كذلك التحري والإلحاح في مسائل فكرية واجتماعية وحتى عقائدية؛ لأنه قد يتضح للمسلم جانب أو نظرة عامة في مسألة ما، وليس خيرا أن يسبر الغور تنقيبا خلف دقائق الأمور، وإن لحسن الظن أثر كبير في السمو عن ظاهرة الفضول فمثلا: أوضح ابن تيمية رحمه الله في فتوى الماء النازل من سطوح المسلمين إنه لا يسأل أهو طاهر أم نجس؟ وهذه المسألة واضحة عند الفقهاء بعدم السؤال جريا على حسن الظن.
ومسائل كهذه تحدث في واقعنا الاجتماعي لا مجال لإثارتها وحتى ذكرها، ولكنها تدرك بالانتباه إلى الظاهرة المذكورة.
- ولكي تطهر التصرفات، على المسلم أن يعتمد آداب السلوك القولي والعملي، فيكون رحب الصدر بشوشا ناطقا بكلمات الخير، ذا اناة وروية في قوله وفعله، آخذا بقول الله سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199) ومطبقا توجيه رسوله صلى الله عليه وسلم «إن المسلم سمح إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى».
- راية الاستقامة:
إن بلوغ الذروة في الأمور مع كونه عسيرا إلا أن المسلم يتوجب عليه أن يتسامى بنفسه قاصدا بها الدرجات المطلوبة في السلوك الإسلامي، وأنه في البعد عن آفات اللسان مضافا إليها وناتجا عنها آفات السلوك العملي أنه في البعد عن ذلك خير كثير، يجعل المسلم على قاعدة آمنة يشعر تحته بصلابة الأرض فيدعو الناس إلى هذا الخير في وثوق منه وعزة، بالتحرك فيه غير آبه بجميع العوائق، وراية الاستقامة هي الدرجة التي يكون فيها المسلم قد أسلم قياده لخالقه سبحانه؛ لأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه إليه يرجع الأمر كله، ولأنه تصير إليه الأمور، ولأنه سبحانه ذا المرجع والمصير، وعليه فليعلم المسلم إن الخير كائن في النظر، وليكن في عبرة وإلا كان غفلة، وفي الحركة، ولتكن في العبادة وإلا كانت فترة وفي النطق وليكن ذكرا أو خيرا وإلا كان لغوا، وفي الصمت وليكن في الفكر المنتج الطيب وإلا فهو سهو، وأن يوجه مدركاته إلى تذكر أسباب الخاتمة من ترك الفضول والاستقامة ودوام الذكر ومداومة جواب المؤذن وكثرة الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن وسائر العبادات، مبتعدا عن أمراض القلب من حب الدنيا والكبر والعجب والغفلة والوسوسة وبذلك يغدو المسلم في درجة طيبة من الاستقامة إن شاء الله.
ملاحظة: من الكتب الجيدة استكمالا لهذا الموضوع كتاب «صيانة الإيمان من عثرات اللسان» للأستاذ محمد أديب كلكل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل