العنوان ظاهرة المناخ والعلاج المطلوب
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 74
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 23-فبراير-1982
تصريحات المسؤولين تزيد الثقة بالسوق وترفع الأسعار.
كبار المضاربين سحروا الناس، فانكبوا على الاكتتاب في شركات المحاصة!
الإعلام الرسمي والشعبي خطوة نحو كبح جماح فتنة المال.
أربعة قواعد أصولية لتنظيم سوق الأسهم.
تدفق السيولة بسبب بيع المدد وراء جنون السوق.
مطلوب تشريعات وتنظيمات تسبق مفاجآت السوق وتوضع موضع التنفيذ.
ظاهرة المناخ لا تزال تستشري يومًا بعد يوم. فكبار المستثمرين والمضاربين لا يعدمون الوسيلة لدفع عجلة الأسهم إلى الأمام وبتسارع كبير.. فبعد أن جمد تأسيس الشركات الكويتية المساهمة، لجأ هؤلاء إلى تأسيس شركات خليجية بلغت رؤوس أموالها حوالي ٢.٥ مليار دينار كويتي مما دفع السوق إلى التصاعد.. ثم بعد ذلك «اخترعوا» الشركات المقفلة.. وأخيرًا لجأوا إلى شركات المحاصة التي بسبب سحرهم تكالب الناس للاكتتاب فيها بالرغم من أن تداول أسهمها ممنوع قانونًا!
وإزاء تحركات السوق المالية التي لا تحكمها قاعدة يتساءل كثير من الناس من المسؤول؟ وكيف العلاج؟
وإذا كنا في العدد الماضي قد حاولنا أن نضع أيدينا على الجرح، وخلصنا إلى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الجهات المسؤولة، بالرغم من مسؤولية المضاربين والمستثمرين المستغلين، فأننا نحاول في هذا المقال أن نصف العلاج.
خطوة أولى
والخطوة الأولى لعلاج ظاهرة سوق المناخ هي سبر أغوار هذه الظاهرة ومعرفة السر الكامن وراءها. وفي هذا الصدد لا يكاد يختلف اثنان من المراقبين أو الخبراء الاقتصاديين أو الخبراء بسوق البورصة أن السيولة وتدفقها هو السبب الرئيسي في تفاقم هذه الظاهرة. ولعل أداة خلق السيولة بواسطة بيع «المدد» أو الأجل هي الأداة المسؤولة عن توافر هذه السيولة. والسيولة كظاهرة نقدية أو مالية تتم معالجتها عن طريق الأدوات والسياسات المالية، وهذه بالتأكيد في يد الجهات المسؤولة، ومن جهة ثانية فإن سبب تصاعد الأسعار في سوق الأسهم بالرغم من عدم شرعيته كثير منها يعود كما يقول الخبراء إلى الثقة بين المتعاملين والمضاربين بعضهم ببعض لكن من أين جاءت هذه الثقة؟!
لا شك أن كبار المضاربين لهم مقدرة وصلت إلى حد «الإبداع» في إيجاد مثل هذه الثقة، لكن بعض الخبراء الاقتصاديين يرجعونها في جزءٍ كبيرٍ منها إلى التصريحات المتتابعة للمسؤولين في وزارة التجارة والصناعة حول ضرورة حماية وتشجيع الشركات الخليجية، وضبط التعامل بأسهمها. يضاف إلى ذلك ما قلناه آنفًا من أن الجهات المسؤولة تغاضت عن مخالفي القانون كما تأخرت في اتخاذ القرارات المناسبة. ومما يؤكد ذلك أنه منذ أزمة عام ١٩٧٧ وبرغم مطالبة الخبراء والعقلاء بضرورة وضع التشريعات والتنظيمات الإدارية المناسبة لسوق الأوراق المالية، وتأكيد هذه المقترحات من قبل ندوة تطوير سوق الأسهم في منتصف نوفمبر الماضي، إلا أن الجهات المسؤولة لم تتخذ خطوة تذكر، اللهم إلا تشكيل لجنة استشارية هي الأخرى ظلت توصياتها حبرًا على ورق!
وقد تعترض الحكومة وغير الحكومة على أن الاقتصاد الكويتي اقتصاد حر لا ينبغي للدولة أن تتدخل فيه.
وهذه حجة مردودة؛ لأن أكثر الاقتصادات «حرية» تضع في يد الدولة «أدوات» اقتصادية ومالية لتنظيم السوق وتوفير الاستقرار لها. كما أصبح من المتفق عليه عالميًا أن الدولة يجب أن تتدخل في بعض الحالات حفاظًا على الصالح العام. وفي مثل حالة الكويت فإن المقترحات المقدمة لإصلاح الأمر لا تعدو عن كونها «تنظيمات وقرارات» إدارية لا تصل إلى حد فرق الاقتصاد الحر المقدس!
ونظرًا لخطورة ظاهرة «المناخ» على الاقتصاد والمجتمع، ولأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة في ضبط هذه الظاهرة بحيث تصبح ظاهرة إيجابية، ينبغي على الجهات المسؤولة أن تباشر إلى دراسة الأمر بدقة مستعينة بالخبراء من جميع الأطراف ذات العلاقة ووضع التشريعات والتنظيمات الكفيلة بذلك في أسرع وقت ممكن.
تنظيم مرحلي
ونحن ندعو الجهات المسؤولة لممارسة دورها، علينا أن ندرك أن هذه الجهات لن تكون في ظل ظروف السوق الحالية وضع تشريعات أو تنظيمات قادرة على ضبط السوق وتنظيمه مرة واحدة. إذ لا شك أن جهل المتعاملين في السوق ودهاء المضاربين وذوي المصالح والنفوذ سيحول دون ذلك.
ومن هنا تطرح فكرة التنظيم المرحلي على أنه ما يجب أن تضعه الجهات المسؤولة بنظر الاعتبار هو أن التشريعات المطلوبة يجب أن تتجاوز الظروف الحالية، وتضع قواعد تسبق توقعات السوق ومفاجآتها، ولكي تنجح مثل هذه التنظيمات يجب أن تكون حاسمةً حازمةً نظريًا وتطبيقًا بغض النظر عمن تطولهم هذه القرارات!
تهيئة إعلامية
ومن المهم الإشارة إلى أن الحكومة وحدها وبدون تعاون الأفراد سواء من كبار المضاربين أو عموم المتعاملين في السوق، يشك في نجاحها في القضاء على ظاهرة «المناخ» وأثارها السلبية المتزامنة مع ظروف سياسية تلف المنطقة بوشاح الخطر والتبعية للهيمنة الأمريكية الظالمة. والقانون -أي قانون- لا يمكن أن ينجح ما لم يجد له سبيلًا إلى «عقول» وقلوب الأفراد في المجتمع الذي سنه. ولذا فإن توعية إعلامية شاملة تقوم بها وسائل الإعلام الرسمية والشعبية يعتبر مطلبًا ملحًا، فإذا ما بين الإعلام الرسمي والصحافة الأخطار المترتبة على ظاهرة «المناخ» وخاصة على الاقتصاد الوطني والنمط الاجتماعي، وإذا ما قام المصلحون من العلماء والدعاة بكشف حرمة الاتجار بالأسهم بقصد المضاربة، وحرمة الغش وبيع الجنسيات وشهادات الميلاد، وحرمة بيع المدد، ومضار ذلك والمفاسد المترتبة عليها من بث روح الحسد والكراهية بين أفراد المجتمع، وبيان خطورة الركون إلى الحياة الدنيا والتكالب عليها، فإنه عندئذ يؤمل أن «تحاصر» ظاهرة المناخ وتطوق قبل أن تستفحل وتستعصي على العلاج.
معلومات وتحليلات
إضافة لذلك، فإن توفير المعلومات والبيانات المتعلقة بالشركات التي تتداول أسهمها في السوق وتحليل هذه البيانات بنزاهة وموضوعية، ووضع هذه المعلومات بين يدي المضاربين في السوق وجمهور المتعاملين بالأسهم، يعتبر أداة مهمة -كما أوصت ندوة تطوير سوق الأسهم المشار إليها- في استقرار السوق وأسعار الأسهم، كما تعتبر ضمانة جيدة لضبط الأسعار ومنعها من التذبذب ارتفاعًا وانخفاضًا. وفي ظننا أن تضافر الجهود الرسمية والشعبية في هذا المجال كفيل بوضع حد للفوضى والهلع الذي يسود سوق المناخ بشكل خاص.
لكن ما هي هذه السياسة الحكومية التي ينتظر أن تضع حدًا للمقامرة في سوق الأسهم؟
مقترحات للدراسة
لا شك أن هناك مقترحات كثيرة بوضع قواعد تنظيمية عامة، لكن هذه المقترحات تتطلب مزيدًا من الدراسة والتأمل، وأولى ضمانات السلامة في وضع مثل هذه القواعد هو إشراك مختلف الجهات ذات العلاقة حكومية وشعبية مع الاستعانة بفريق من المختصين وذوي الخبرة. ويمكن للمراقب أن يطرح عدة قضايا أساسية لعلها تعين في حل المشكل والخروج من المأزق قبل أن يستشكل ويستحفل.
والقاعدة الكبرى التي ترد هنا هي ربط التصريح بإنشاء شركات مساهمة عامة أو مقفلة بالحاجة الحقيقية للاقتصاد الوطني موزعة على القطاعات المختلفة.
وبهذه الطريقة يمكن الحد من المنافسة الضارة، كما يمكن ضمان أن تسهم الشركات المصرح لها طبقًا لذلك في مجمل الناتج القومي.
والقاعدة الثانية هي الالتزام بالشريعة الإسلامية عند وضع القوانين المنظمة للاتجار بالأسهم، ولو دققنا النظر في حكم الشرع بهذه المعاملات لوجدنا أنه يحرم كثيرًا منها خاصة ما يعتبر منها سببًا رئيسيًا في المضاربة وهو بيع «المدد» كما يحرم شراء الأسهم بقصد المضاربة، ويجب ألا ننسى هنا أساس المشكلة وهو الربا الذي حرمه الله. وإذا كانت الجهات المسؤولة ليست قادرة على تحريم الربا فلا أقل من أن تضع قيودًا على بيع الأسهم لأجل ما يكفل عدم استخدام ذلك للمضاربة.
وفيما يتعلق بالشركات الخليجية فإنه يجب التوصل إلى صيغة -عبر مجلس التعاون الخليجي- للمشاركة في الرأي بمنح تراخيص لتلك الشركات إذا ما كانت معظم ملكيتها كويتية.
كما ينبغي وضع جملة قيود على تداول أسهم الشركات الكويتية أو الخليجية كشرط مضي فترة معينة على ممارسة الشركة لأعمالها المنصوص عليها في نظامها الأساسي، وتحقيق نسبة معينة من الأرباح، ويمكن التفكير هنا بحظر بيع الأسهم التي لم يمض عامٌ واحدٌ مثلًا على آخر بيع لها.
وثمة إجراءات تنظيمية ثانوية يمكن اقتراحها في هذا المجال. لكن الشرط الأساسي لنجاح السياسة المتوخاة هو الجدية في وضع القواعد والنظم، والجدية في تطبيقها من قبل الجهات المختصة، دون محاباة أو مراضاة أو خضوع لأحد أيًا كان.
ولنا بعد أن أصبح سوق المناخ ظاهرة اجتماعية تنذر بالخطر، في المسؤولين أمل بأن يبادروا لرقع الخرق قبل أن يتسع وإننا لمرتقبون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل