; ظاهرة النقد الاجتماعي | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة النقد الاجتماعي

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1977

مشاهدات 54

نشر في العدد 350

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-مايو-1977

  • الأناة عون على صحة النقد
    • اعتماد الموازين الأخلاقية أداة السبيل القويم
  • التعثر في السلوك نتيجة الخطأ في إصدار الأحكام
  • تقديم: 

ما من عمل من الأعمال لا يستتبع الملاحظة والتمحيص والتقويم إلا كان عملًا فاشلًا مهدرًا، إذ لا تعرف استمرارية وصحة عمل ما إلا بمتابعته، وعليه فقد كان النقد علمًا بارزًا في الأعمال الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية، وهو بمعناه العام تمييز الطيب من الرديء، إلا أن اصطلاحاته قد تختلف من علم لآخر؛ فهو عند المحدثين في نقدهم للرواة يعرف بعلم الرجال أو التوثيق والتضعيف أو المثالب والمناقب وهذه لها جانب أدبي أيضًا، ويصطلح على النقد عند الأدباء والساسة وغيرهم بنسبته إلى العلم نفسه، فيقال النقد الأدبي والنقد السياسي، أما النقد الاجتماعي فهو ظاهرة تستلفت النظر لكثرة أخطاء الناس في فهمهم لموازينه، إذ إن كثيرًا منهم يفهمون النقد على أنه إبراز المساوئ ونقاط الضعف فقط، وهذا فهم ناقص إذ ينضاف إلى ذلك ما هنالك من محاسن، وحتى مع اعتماد مفهوم النقد بطابعه الصحيح إلا أن شيوعه كظاهرة اجتماعية عامة تخلف كثيرًا من الأخطاء في غير المسار السليم للنقد البناء، وشيوع هذه الظاهرة بشكل طبيعي يلاحظ في أحاديث الناس، حيث يفضلون شيئًا على آخر أو وضعًا أو عملًا أو رأيًا على مثيل له من الأمور الأخرى، وكثرة هذه الأشياء تولد أغاليط يحسن بالمرء التنزه عنها، وباقتفاء آثار هذه الظاهرة تعثر على جملة من مخالفات آداب التقويم للسير الحسن والسلوك القويم.

إن النتيجة الصحيحة للنقد تتوقف على استعماله، فإذا خرج عن النظرة البعيدة المستوفية لمتعلقات الحالة المنتقدة، إذا خرج عن ذلك جاءت النتائج عكسية، وتتفاوت حجمًا في الخطأ بمقدار خروجها عن النظرة الصحيحة، وعليه فإن النظرة البعيدة أو بتعبير أرجح وأكثر استعمالًا بعد النظر يجب أن يستوفي التقدير المناسب للأمر المنتقد، فلا يكون هناك استعظام للأمور من رئيس عمل مثلًا لأحد موظفيه أخطأ في شيء يخص العمل، وإنما يصلح الموضوع وينتهي، وتلافيًا للعثرات يعتمد عدم التعميم والمبالغة كأن تلاحظ في عشرة مساجد أو أكثر أن الماء ينفد سريعًا، فتبالغ في الموضوع وتعمم عدم المبالاة في عامة المساجد.

أغاليط في التقويم

تتمة للنظرة السابقة في حدوث تعثرات في إبداء النقد، فإنه إضافة إلى استعظام الأمور وتعميم الظواهر، فإن هناك التسرع والاستعجال إذ إن استيفاء عمل ما يساعد على تقديم النتيجة السليمة لهذا العمل، أما التسرع فإنه قطف للثمرة قبل النضج والتمام، ويتبع هذا الاستعجال عدم دقة في الأحكام، أو من جانب آخر يشبه المبالغة يكون هناك التأثر بالاستهواء، وهو أمر مهم جدًّا في وضع موازين الأفراد والجماعات، فعلى الناقد الرزين المتزن أن لا يستهويه فرد ما بكتبه أو خطابته بصورة عاجلة، أو أن يصدر حكمًا على مؤسسة ما بأنها ذات خدمات بمجرد السماع أو النظرة العاجلة، كذلك فإن الاعتماد على الذوق شبيه بالاستهواء، إذ إن الذوق أمر غیر علمي وغير كامل التصور؛ لأنه كثيرًا ما يخالف الإدراك الكلى للحوادث، ومثل هذا يكون في إبداء الحكم دون تكاثف الحوادث، ومثلها عدم الأدلة الكافية والمستندات التي تؤكد صحة الحكم، وهناك أمور أخرى لها أهمية تبلغ أهمية الأمور السابقة أو تزيد، منها التأكد من المصادر الموثوقة؛ فليس كل قول يؤخذ ويزيد على هذا الموضوع أهمية، بحيث يعطي الأمور السابقة هو عدم النظر إلى مراد الشرع ومطلوبات الواقع، إذ إن أي عمل من الأعمال يجب أن يعرض على مراد الشرع، بمعنى هل هذا الأمر مقبول أو جائز شرعًا؟ كما أنه قد يكون شرعًا لا حرج به، لكنه واقعًا لا يناسب أن يكون في ظرف ما مثلًا، لذا فإن التنبه لمثل هذه الأغاليط وأخذ الحيطة أمر في غاية الضرورة.

موازين النقد

إن مراعاة النقاط السابقة التي جاء عليها الذكر وتقريبًا وإلى حد كبير الإحاطة دون الحصر التام، فإن الأمر الأول الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار يؤكد الموازين الصحيحة، هذا الأمر هو الخوف من الله -سبحانه- في أحكامه، لذلك يكون نصب عينيه دائمًا قول الله -سبحانه-: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُم (سورة النساء : 114)، فلا يطلق لسانه بكل شيء، وأمامه توجيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع»، وهكذا يرفع علم التقوى ويستظل بظله، وجانب آخر له ذات الأهمية تقريبًا، وعيناه من إسلامنا الحنيف، وهو محافظة الأخ المسلم على عرض وسمعة أخيه المسلم، وما يمكن أن نعرفه بحسن الظن، فعلى المسلم أن يذهب بشطحات من الأفكار لأمر ما رآه على أخيه المسلم، وحتى لو رآه في حالة مخالفة شرعية أو أدبية أخلاقية فعليه أن يتأكد من ذلك مراعيًا النقاط السابقة المذكورة، وإن تأكد فعليه النصيحة، ويذكر أن رجلًا قال لعلى -رضي الله عنه- أمام الناس «كأنه ينصحه» يا علي إنك فيك كذا وكذا، فرد عليه الإمام -رضي الله عنه- أتنصحني أم تشهر بي؟ فالنصيحة التي جعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلقًا وسلوكًا بقوله «الدين النصيحة» لا تؤخذ دونما تأكيدات وتحريات لكل ما يحيط بالموقف المنتقد.

خطوات بناءة

إن الصورة التي يجب أن ترى من خلالها ظاهرة النقد الاجتماعي هي اعتماد الموازين السليمة من تقدير أحوال الناس وأعمالهم وطبائع سلوكهم، فلربما عمل ما يكون مقبولًا من فلان، ولكنه غير مقبول من آخر، ومثل بسيط حتى لكأنه يتعلق بالذوق الاجتماعي العام وهو ما نراه من مدرس التربية البدنية بالمدرسة، فإنه لا مانع أن يظهر في جميع أنحاء المدرسة بالزي الرياضي -بنطلون وفانيلة-، أما لو حدث هذا التصرف من مدرس آخر فإنه يعد غير مقبول بل أمر مستنكر، وعليه فإنه ترتب خطوات البناء باعتبار موازين النقد من تقوى الله -سبحانه-، وحسن الظن بمراعاة طبائع الناس ونفسياتهم، وتقدير حجم الأخطاء وإمكانية إصلاحها، وبذلك تتنزه أعمالنا عن العجلة والاندفاعية، وترسو على شاطئ الخير والأمانة ومرضاة الله -سبحانه-.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 348

64

الثلاثاء 03-مايو-1977

ظاهرة النقد الاجتماعي..