; ظاهرة تمزق البنى الحركية وكيف نصون بنيتنا؟ | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة تمزق البنى الحركية وكيف نصون بنيتنا؟

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004

مشاهدات 102

نشر في العدد 1586

نشر في الصفحة 66

السبت 24-يناير-2004

ذكرنا في المقال السابق أول العوامل الشرعية المطلوبة لتحصين البنية التنظيمية الإسلامية من التمزق وهو إقامة البنيان على تقوى من الله، وتستكمل هنا تلك العوامل:

إرساء قاعدة الأخوة في الله:

هي أوثق عرى قاعدة الأخوة في الله الإيمان واللبنة الأقوى في البنيان، والآصرة التي تجعل الحركة الإسلامية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. وبقدر ما تكون الأخوة قوية بقدر ما تبعث في الصف القوة، ويقدر ما تحصنه وتسدده، وتدفع عنه العاديات، وترد عنه النائبات. وحين تضعف الأخوة أو يعتريها الهزال تصبح الحركة مرتعًا للمشكلات والأمراض والعلل.

من هنا كانت الدعوات القرآنية ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران: ۱۰۳)، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:105)، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٦). ومن هنا كان التذكير بالأخوة والحض على التمسك بها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10).

 ومن هنا كان التصوير النبوي للمتحابين في الله من خلال قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، وقوله «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا». 

ومن هنا كان التحذير النبوي من الفرقة والاختلاف لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ويلعن بعضكم بعضًا، ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا ومن هنا كانت اللفتات النبوية إلى حقوق الأخوة في الإسلام كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه...

ومن هنا كانت الإشارات النبوية التي تحض على الوفاء الأخوي: ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته إن أربي الربا استطالة الرجل في عرض أخيه.

ومن هنا كانت الزواجر النبوية من آفات اللسان ومهالك الغيبة والنميمة والبهتان أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع فقال المفلس من أمتي من أتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا. وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، يشينه بها في الدنيا، كان حقًا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنقاد ما قال..

3- التعامل بالرفق والرحمة:

أن تكون العلاقة بين القاعدة والقيادة قائمة على التراحم والتعاطف والتكافل دونما إغفال للقواعد التنظيمية، ودون أن تصبح الحرفية التنظيمية، أساس العلاقة بينهما، فبقدر ما تكون علاقة الأفراد مع القيادة حميمة بقدر ما تكون البنية الحركية قوية ومتينة ومستعصية على معاول الهدم مهما تكاثرت وتنوعت.

 من هنا كان الوصف القرآني العلاقة القيادة النبوية بالقاعدة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩). ومن هنا كانت الإشارات والتوجيهات القرآنية والنبوية للتعامل باللين والرفق ويخفض الجناح ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:215)، و﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤)والمؤمن كما يخبر رسول الله ﷺ المؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

 وإذا كان الإسلام قد دعا وحض على الرفق بالحيوان فكيف بالإنسان الذي كرمه الله عمومًا، ثم كيف بالمسلم الذي كرمه بشكل خاص ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء:۷۰).

إن الساحة الإسلامية تحتاج إلى دعاة يتعاملون بالرحمة مع الآخرين، والذين حرموا الرفق وجبلوا على الغلظة والقسوة والعنف لا يمكن أن يكونوا يومًا دعاة، بل إن معاول هدمهم قد تكون أوقع من عوامل بناء الآخرين.

4- الإحاطة والإدراك:

أن يكون العمل الإسلامي قائمًا على أساس من الوعي الكامل للأهداف القريبة والبعيدة، والظروف المحيطة المنظورة والخفية والمعادلات المحلية والإقليمية والدولية والقوى الفاعلة ولسياساتها المعلنة والخفية، إضافة إلى ملاحظة الإمكانات المتوافرة والمتاحة التي يمكن امتلاكها ... فكم من حركات وتنظيمات استدرجت إلى مقاتلها.

 التخلف في التصور وعدم وعي بحقيقة ما يجري وهي تحسب أنها تحسن صنعًا.

إنه يجب أن يلاحظ أن سياسات الدول والمنظمات والتنظيمات والجهات الفاعلة ليست ثابتة ولا مبدئية، وإنما تتبدل وتتغير في ضوء المصالح المنفردة حينًا والمشتركة أحيانًا، والمؤقتة حينًا والدائمة أحيانًا.

من هنا كان واجب الحركة استكشاف صورة الصراع والتحرك الحقيقيين في العالم، ورسم خرائط للسياسات المختلفة وتحديد نقاط التقاطع بين هذه السياسات، ومن ثم تحديد كيفية التعامل مع الأحداث والأوضاع المختلفة في ضوء الإمكانات والثوابت وغير ذلك الاعتبارات...

على الحركة أن تدرس وتدقق في «مضمون الشعار»، ومدى تناسبه مع ظروف وإمكان تحقيقه قبل طرحه، وإلا كان حجة عليها وليس لها، وكان بالتالي من سببًا في إجهاض الشعار ذاته فضلًا عن الإساءة إلى معناه ومحتواه.

 كما أن عليها أن تدرس بعمق مواقفها السياسية والفكرية والاجتماعية وأن تلاحظ عند ذلك مدى توافق هذه المواقف مع ثوابتها ومخططاتها ومراحلها، إضافة إلى ملاحظة مدى صوابية وصلاحية هذه المواقف حاضرًا ومستقبلًا …فكم من حركات اهتزت بسبب من تناقض سياستها بعضها مع بعض، وبسبب من تناقض هذه السياسات مع ثوابتها العقيدية والفكرية وكم من فئات استدرجت إلى مواقف خاطئة وتحالفات مشبوهة أو صراعات جانبية وغير ذلك من خلال موقف هوائي غير مدروس.

لم يعد جائزًا اتخاذ المواقف وإعلانها من قبل فرد كائنًا ما كان موقعه قبل التشاور والدراسة وتقليب وجهات النظر وعبر أجهزة مسؤولة ومتخصصة في موضوع الموقف المراد اتخاذه والحركة الإسلامية التي تواجه تآمرًا متعدد الأدوات والأشكال والصور والأساليب، بمسيس الحاجة إلى التزام هذه القواعد والأصول قبل غيرها، لأنها المستهدفة من التآمر من قوى الجاهلية – تنظيمات وأنظمة معسكرات - على امتداد العالم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟