; ظروف الدعوة الإسلامية وهمومها | مجلة المجتمع

العنوان ظروف الدعوة الإسلامية وهمومها

الكاتب أبو أحمد البيضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980

مشاهدات 59

نشر في العدد 485

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 17-يونيو-1980

رسالة الجزائر

الحلقة الثانية

الأسباب الموضوعية والتطبيقية لفشل الاتجاه الاشتراكي

التيار الإسلامي الطلابي يواجه الشيوعية

  • الشاذلي بن جديد... هل يرد العربة الجزائرية إلى الجادة الإسلامية كما أرادت ثورة ١/ ١١ / ٥٤م؟

البومدينية الثانية

هذه الفترة هي فترة التوجيه الاشتراكي للبلد، ويبدو أن هذا التوجيه كان تحت تأثير علاقات بومدين بالشعوب الاشتراكية وضغط الشيوعيين المنبثين في أجهزة السلطة في الداخل.

وكثيرًا ما ذكر المطلعون أن الثورة الزراعية مثلًا «نوفمبر ١٩٧١» والتسيير الاشتراكي للمؤسسات «۱۹۷۲/ ۱۹۷۱» من إيحاءات بعض كبار الشيوعيين «كاسترو وأصرابه» كما تسلل عدد كبير من الاشتراكيين والشيوعيين إلى المؤسسات الإعلامية وبعض المراكز القيادية في حزب جبهة التحرير والحكومة والوزارات وأصبحت الاشتراكية مذهبًا ملتزمًا به، سواء في خطابات بومدين أو في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية أو في المؤسسات الاقتصادية والفلاحية.

 في الميدان الفلاحي: وضع ديوان أراضي الثورة الزراعية يده على الأراضي التي كانت بيد الفرنسيين وتخلوا عنها عقب الاستقلال سنة ١٩٦٢«وهي الأراضي الفلاحية المسيرة تسييرًا ذاتيًا التي ضمت إليه سنة ١٩٧٢».

وكذلك أراضي الأوقاف المحبسة لصالح المساجد والزوايا والرباطات والمدارس الدينية. والمشاريع الخيرية «وأغلبها في القبائل الكبرى والصغرى».

وهذه «الثورة الزراعية» تشرف على تسييرها وزارة الفلاحة والإصلاح الزراعي التي أعلنت أن الهدف هو الاكتفاء الذاتي من المنتوجات الفلاحية.  واستيعاب منتوجات الصناعة «الأسمدة وما إليها» والهدف البعيد منها هو ما سمي بتغيير علاقات الإنتاج الاستغلالية. كما تقرر أن يستفيد من هذه «الثورة الزراعية» قدماء العمال الزراعيين والفلاحون الذين لا يملكون أرضًا. أما الهدف الأبعد من هذه العملية فهو إيجاد طبقة جديدة من الفلاحين تكون قاعدة موضوعية في الريف وتجعل الاشتراكية حتمية فيه.

في الميدان الصناعي:

 أنشأت الدولة ما يسمى بالتسيير الاشتراكي للمؤسسات ولكن هذا النظام لم يعط للعمال أي سيطرة حقيقية في المعمل. لأن المشاريع والمخططات كلها من وحي مجلس الثورة الذي يشرف عليه مباشرة الرئيس بومدين.

 ولجنة المخطط الاقتصادي لم تكن تحضره حتى إطارات الشركات الضخمة في بادئ الأمر بل كان بومدين بنفسه ينسق بين وزراء الاقتصاد والمالية والتخطيط وهيئة المستشارين، ولم يكن للعمال إلا حق إبداء الرأي فقط في بعض ما يقدم لهم بواسطة مجالس العمال الموجودة في كل وحدة إنتاجية حتى نقابات العمال تشرف عليها الدولة وليست حرة ولا قوية. أما الحقوق الوحيدة التي ضمنها هذا النظام «التسيير الاشتراكي» فهي تحديد ساعات العمل اليومي بثمان ساعات ويوم واحد للراحة الأسبوعية ومجانية العلاج، وتحديد حد أدنى للأجر.

أما الأهداف البعيدة لنظام «التسيير الذاتي» للمؤسسات فهو تحقیق علاقات إنتاج اشتراكية والتمهيد لبناء مجتمع اشتراكي. 

في الميدان الثقافي

يبدو أن السلطة دخلت مع اليساريين في مزايدات ثقافية فقد عملت على أن تبدو أكثر اشتراكية منهم ولكن هذا الاتجاه أخذ يثير ردود فعل سيئة وتذمرًا لدى الشعب الجزائري، نظرًا لتشبثه بدينه وعقيدته، وقد لجأت السلطة لتلافي هذا السخط الشعبي إلى تأسيس معاهد دينية في بعض الأقاليم «البليدة، قسنطيسنة- وهران... إلخ» وخصصت لها منحًا ونظامًا داخليًا. كما أشرفت مجموعة من العلماء المسلمين على وضع مناهج تعليمية جيدة لها، مما فتح أمام الأصلاء من الجزائريين كوة يتسلل منها بصيص من النور لا سيما وقد تبنت الدولة اللغة العربية ووضعت برنامجًا موقوتًا لتصفية التعليم الفرنسي وتعريب الجزائر..

وكان المنتظر أن تتبع هذه الخطوات قفزات أخرى نحو تأسيس كلية للشريعة والدراسات الإسلامية وتطهير مناهج التعليم عامة من الفكر الغربي الرأسمالي والاشتراكي على السواء ليحل محلها الفكر الإسلامي الأصيل الذي قامت الثورة الجزائرية من أجله، وكما أشار إلى ذلك أول بيان للثورة الجزائرية صدر في فاتح نوفمبر ١٩٥٤: يقول البيان «ولكي نبين بوضوح هدفنا «هدف الثورة» فإننا نسطر الخطوط العريضة لبرنامجنا فيما يلي: الاستقلال الوطني بواسطة إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية ولكن هذه الخطوات لم تتحقق، وإنما نجحت ضغوط اليساريين وتيار المتفرنسين في إيقاف برنامج التعريب الشامل للإدارة والمدرسة والشعب، وعزل وزير التعليم المناصر لهذا الاتجاه وعوض بآخر أوقف مشروع بناء كلية الشريعة، ودمج المعاهد الدينية في التعليم. العام وصفى مناهجها الدينية....

وفتح بذلك باب «الردة» الثقافية إلى الفرنسية والعلمانية والعصبية البربرية التي تسيرها المراكز الاستعمارية في فرنسا وبعض جيران الجزائر الأشقاء.

وكان من نتائج هذا أن فتح باب الهجرة لتلقي العلوم الشرعية في بلدان الشرق «المملكة العربية السعودية وما إليها» في وجه الشباب المتدين الذي لم يجد في بلده معينًا يستقي منه....

أسباب فشل الاتجاه الاشتراكي:

يزعم الماركسيون في الجزائر أن الاشتراكية فشلت لأن النظام الذي أشرف عليها نظام بورجوازي يتستر بثوب الاشتراكية ولأن الدولة ليست بروليتارية، ولا تحكمها دكتاتورية الطبقة العاملة.

ولكن الحقيقة أن فشل الاشتراكية في الجزائر يعود إلى أسباب موضوعية وأسباب تطبيقية. 

فالأسباب الموضوعية تتعلق برفض الشعب الجزائري بكافة فئاته وطبقاته لها، وذلك لأنه يرى فيها مخالفة للفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية والدين الإسلامي الذي يتعارض مطلقًا مع النظام الاشتراكي المبني على أسس الحادية، ونظرة تحقيرية للإنسان تنفي عنه كل تكريم فطره الله عليه...

وقد كان رفض الشعب الجزائري للاشتراكية حادًا وشديدًا بسبب طبيعته الثورية أولًا، وكرد فعل منه للصدمة التي أصيب بها نظرًا لخيبته في تحقيق ما ثار من أجله في ميدان العقيدة والإصلاح الاجتماعي والروحي للأمة... لا سيما وهو ينظر إلى الجانب المادي للحياة نظرة جانبية تأتي في الدرجة الثانية بعد الهدف الأساسي «الإصلاح الديني للأمة».

أما أسباب فشل الاشتراكية الراجعة الى أسلوب التطبيق فمنها:

1- لم تكن للفئة الحاكمة برامج متكاملة متناسقة قابلة للتطبيق يسيرون على هديها لتحقيق مبادئهم الاقتصادية، مما كان أحيانًا يستدرجهم إلى الفوضى والتناقض وبناء مؤسسات لا تقتضيها الحاجة وعدم القيام بأعمال أشد ضرورة وأكثر إلحاحًا. مثل بنائهم الملعب ضخم في حين أن أزمة السكن الجامعي للطلاب كانت تزداد استفحالًا، مما أثار الطلبة ودفع بهم إلى الشارع للتظاهر وإثارة الاضطرابات...

2- افتقار الجزائر- إذ ذاك إلى جهاز إداري وتخطيطي كبير وقوي يسهر على تحقيق أهدافها، وذلك بسبب طول فترة المقاومة المسلحة ومشاركة الخريجين والمثقفين في العمل الحربي للثورة.

 3- تعذر على العمال والفلاحين وكافة الشعب أن يفهموا النظرية الاشتراكية وبالتالي لم يفهموا ما أنيط بهم من مسؤوليات في نظام التسيير الذاتي للفلاحة والصناعة...

 4- كثير من الشخصيات التي كانت تشرف على تطبيق النظام الاقتصادي الجديد. لم تكن مقتنعة به، وبالتالي حاولت تطبيقه على الشعب وحده لا على نفسها.

المد الإسلامي الطلابي

أتاح تقرب الدولة من الاشتراكيين ورفعها للشعارات الاشتراكية في ميادين الثقافة والفلاحة والصناعة والتسويق.

الفرصة لنمو التيارات الماركسية التي اجتاحت الجامعات والمعاهد والشارع ضاغطة من أجل مزيد من الإقبال على الاشتراكية... إلا أن هذا المد الشيوعي قوبل بمد آخر إسلامي أصيل يستقي من نبع الكتاب والسنة  والتاريخ الإسلامي العريق للقطر.. وكان من علامات هذا التيار الجديد وقوع اصطدامات بين الفئتين في كثير من المجالات، ففي انتخابات لجان الشباب «ربيع ١٩٧٥» وقع اصطدام بين النزعتين، ووصف الشيوعيون الإسلاميين بأنهم «فاشيون» ووقع الهجوم على كل «بنعكنون» والتنكيل بالطلبة الإسلاميين... بالمطارق والسلاسل والفؤوس. في حين كانت وسائل الإعلام تبشر بأن الانتخابات تجري بصفة ديمقراطية، ثم توجت هذه «الديمقراطية» بمظاهرات ومسيرات للشيوعيين يهتفون بسقوط الرجعية والاتجاه الديني بين الشباب.

ثم لما عرض الميثاق الوطني للاقتراع ووقفت منه العناصر الإسلامية موقف المعارض- وهذا حق ضمنته السلطة للجميع علانية- عوقب هذا الاتجاه باعتقال الأستاذ محفوظ النحناح وصحبه...

هل الاتجاه الإسلامي عميل؟

هذه التهمة كثيرًا ما يرددها الشيوعيون والاشتراكيون وكل الخائفين من تطبيق الشريعة التي توقف اللصوص والمنحرفين والسكارى والخونة والمرتشين عند حدهم. ولذلك فطرحها من قبلهم مدعاة لرفضها مطلقًا...

فالاتجاه الإسلامي بالجزائر اتجاه أصيل لا ارتباط له بالغرب ولا بالشرق... وليست له أدنى علاقة بالقوى اليمينية المعارضة للجزائر أو الموالية لبعض الدول السائرة في الفلك الأمريكي...

 الأستاذ محفوظ النحناح مسؤول النشاط الإسلامي في الجزائر. هل يستفيد من الانفراج السياسي الجديد في الجزائر؟

ورغم هذا فقد حاولت بعض الجهات احتواء الدعوة الإسلامية- واستمالتها إلى جهتها مثل المعارضة اليمينية المنفية إلى خارج الجزائر، كما حاولت إذاعة الرباط ونشرات المعارضة في الخارج توظيف اعتقال الأستاذ المحفوظ إعلاميًا... ولكنها اكتشفت أن هذا التوظيف لا يناسب مصلحتها فتوقفت عن استغلال الحادث...

كما حاولت بعض الجهات الأخرى استثمار عدم وجود كلية للشريعة بالجزائر وتقديم تسهيلات للطلبة الراغبين في هذه الدراسات.. ولكن هذه المحاولات لا تستطيع أن تؤثر في الشباب الجزائري الملتزم بدينه الواعي للعبة اليمين واليسار لأن لديه المناعة الكافية ضد تيارات اليمين واليسار ولأنه يعلم أن الكفر ملة واحدة... ولا فرق بين أمريكا الكافرة وأذنابها، ولا بين روسيا الملحدة وعملائها...

الشاذلي بن جديد والانفراج السياسي

وأخيرًا- وليس آخرًا- جاء الشاذلي بن جديد إلى الحكم بأسلوب لم يصل به أي حاكم عربي أو مسلم إلى الحكم في هذا العصر ولأول مرة نرى مجموعة متألفة تنتخب رئيسها انتخابًا...

ودشن الشاذلي عهده بإلغاء بعض الإجراءات التي تحد من حرية المواطنين كنظام تأشيرات الخروج وبعض القيود التجارية على المنتجات الزراعية والتجارية... ثم أطلق سراح أخطر من تآمر على الدولة في عهد بومدين.. وأطلق سراح « بنبلة» وبدأ الناس يتنفسون الصعداء واستبشرنا خيرًا وظننا أن الأستاذ محفوظ النحناح سوف يطلق سراحه هو أيضًا. ولكن طال انتظارنا... دون جدوى لحد الآن... على الأقل...

فيا ترى هل ستكون الحكومة الجزائرية شبيهة بشقيقاتها اللواتي تقدم الرحمة والعفو والديمقراطية لكل الفئات الضالة، وتمنعها عن الفئة الراشدة الوحيدة، الفئة الإسلامية ذلك ما لا نرجوه...

ونحن بانتظار خروج الأخ محفوظ من السجن رفقة أصحابه، كما خرج من هم أخطر منه وأكثر شدة على الحكومة الجزائرية فهل سيطول انتظارنا؟

الرابط المختصر :