العنوان ظهور مفاجئ يحيى مخاوف تاريخية.. طائفة الإسماعيلية «البهرة» في اليمن
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 51
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
في سبتمبر الماضي، وبصورة مفاجئة، امتلأت شوارع العاصمة اليمنية صنعاء بجماعات كثيرة من أفراد الطائفة الإسماعيلية المعروفة في اليمن باسم «البهرة». وعلى المستوى الرسمي، ظهر سلطان البهرة المعروف باسم «د. محمد برهان الدين» على شاشة التلفاز أثناء استقبال عدد من المسؤولين له كما يحدث عادة عند زيارته لليمن، والتي تتم في سبتمبر من كل عام.
ورغم أن اليمنيين تعودوا زيارة السلطان العجوز لبلادهم، إلا أن زيارة هذا العام صاحبتها ضجة إعلامية بسبب مقتل أحد أفراد الطائفة. أما على المستوى الشعبي، فقد استثار منظر آلاف البهرة في الشوارع انتباه المواطنين وخشيتهم مما ظهر وكأنه غزو !!
تعود أصول الطائفة الإسماعيلية في اليمن إلى القرن الثالث الهجري، عندما نجح «علي بن الفضل» و«منصور اليمن» في نشر أفكار الدعوة القرمطية تمهيداً لإقامة دولة القرامطة التي صارت أقوى الكيانات في بلاد اليمن.
وفي مطلع القرن الرابع الهجري تلاشت الدولة القرمطية بعد مقتل مؤسسها مسمومًا ودخولها في طور الضعف إبان حكم أولاد الداعي المقتول، لكن الدعوة الفكرية ظلت مستمرة حتى وصلت إلى «علي محمدالصليحي، قائدًا لها، الذي تمكن من تأسيس دولة جديدة في القرن الخامس الهجري، ثم خلفه ابنه المكرم أحمد، ثم خلفته، بعد موته مريضًا، زوجته المعروفة في التاريخ اليمني بأروى بنت أحمد.
وفي عهد "أروى" تم فصل الدولة عن "الدعوة القرمطية" التي دخلت طورًا سريًا. ويبدو أن ذلك الصنيع كان يهدف إلى التخفيف من رد فعل اليمنيين الذين ظلوا على قناعتهم الفكرية مثلما ظل المصريون تحت حكم الدولة الفاطمية حتى جاء الأيوبيون وأزالوا نفوذهم في مصر واليمن على السواء.
وعندما اشتد الخلاف بين قرامطة اليمن وبين الزيدية، تم نقل مقر الطائفة إلى الهند، لكن العلاقات استمرت بين أتباع الطائفة. ولاسيما أن لهم قبرًا في أعلى جبال حراز يعظمونه ويحجون إليه كل عام من مختلف البلاد التي يتواجدون فيها.
وفي العام 1986م ظهر سلطان البهرة للمرة الأولى بشكل رسمي، حيث أبرزت وسائل الإعلام الرسمية زيارته لكبار المسؤولين، كما ظهر في المنصة الرئيسية في العرض العسكري الكبير الذي يقام سنويًا احتفالًا بذكرى ثورة سبتمبر.
وكان من الممكن أن تمر تلك الزيارة بهدوء لولا أن جوانب من زيارة سلطان البهرة لمركز الطائفة والطقوس التي يمارسها البهرة قد تم تصويرها على شريط فيديو انتشر في اليمن انتشار النار في الهشيم لخطورة الوقائع التي تضمنها ذلك الشريط.
واختلفت الآراء حول الكيفية التي تم بها تسريب الشريط ولاسيما أن عملية التصوير تمت في منازل خاصة لا يمكن دخولها إلا لأتباع الطائفة.
وفي الشريط تسجيل كامل بالصوت والصورة للزيارة التي قام بها السلطان إلى مركز الطائفة في أعلى قمة جبال حراز التي شهدت تاريخيًا قيام دولتهم، وهناك أظهر الشريط طقوس أتباع الطائفة في تعظيم سلطانهم وحمله على العرش، والسير به حتى مكان القبر، الذي يعظمونه ويحجون إليه ، وبجانب القبر أدى سلطان البهرة صلاة غريبة خاصة بهم، ثم انتقلت الكاميرا إلى عرض مشاهد من لقاء "خاص" تم في أحد البيوت في صنعاء. حيث جلس السلطان في رأس القائمة، ثم بدأ أفراد "يدخلون" الواحد تلو الآخر حتى إذا اقتربوا من سلطان البهرة، سجدوا له وقبلوا ركبتيه فيقوم هو بدوره بتسليم كل شخص مظروفًا خاصًا به!!
وعند ذلك المشهد أشار سلطان البهرة بيده للمصور فتوقف التصوير!! لكن المشاهد التي تضمنها الشريط كانت كافية لتقديم صورة عن حقيقة ما يجري داخل الطائفة التي كان كثيرون لا يعرفون عنها إلا أن اتباعها منصرفون للتجارة التي سيطروا عليها في المدن الرئيسية!!
أثار الشريط ضجة شعبية، بعدما تم إضافة تعليق تضمن معلومات تاريخية خطيرة عن مبادئ القرامطة منذ ظهورهم، وتفسيراً البعض لطقوسهم التي مارسوها أثناء احتفالهم وكادت تحدث مواجهات مسلحة بين أتباع البهرة وبين اليمنيين في منطقة حراز، بعد اتهام عدد من الإسلاميين الناشطين بأنهم وراء عملية تسريب الشريط!!
وفي سبتمبر الماضي، وصل سلطان البهرة بطائرة خاصة - مليئة باتباعه - إلى مطار صنعاء الدولي، كما توالى وصول الآلاف من طائفة البهرة من إفريقيا وآسيا، فامتلأت شوارع العاصمة اليمنية بشكل غير معهود من قبل، وهو ما لفت انتباه المواطنين بقوة وأثار في نفوسهم لاشك على خلفية "الفيلم المشهور الذي كشف حقيقة التنظيم السري للطائفة البهرية" في اليمن - الهند.
وبالإضافة إلى مراكزهم التجارية المعروفة، يمتلك البهرة في صنعاء قصرًا في أحد الأحياء الراقية حولوه إلى مركز عام لهم، وكثيرًا ما كانت تتعالى من داخل المركز أصوات الترانيم والطقوس عبر مكبرات الصوت.
" شريط فيديو يتداوله اليمنيون يفضح طقوس البهرة وتاريخ القرامطة"
سلطان « البهرة» في الجامع الكبير
"وفي ظل حراسة عسكرية مشددة، قام سلطان البهرة - مع أتباعه - بزيارة الجامع الكبير في صنعاء، بعد أن غادره المصلون عقب صلاة العشاء لعدة أيام. وتناقل شهود عيان ظلوا في المسجد طقوس التعظيم التي حظي بها سلطان البهرة من أتباعه، والتي شملت التمسح به وتقبيل الأماكن التي جلس عليها أو صلى فوقها.
كما قام البهرة في الفترة نفسها بزيارة المسجد الصغير الذي يدعى مسجد علي، وأخرجوا المصلين ثم أغلقوا على أنفسهم أبواب المسجد!!
أثارت كل هذه الأفعال ردود فعل شعبية، وشن خطباء كثيرون من المساجد في صنعاء حملة قوية ضد التواجد البهري وممارساتهم، ولاسيما أن تسريبات صحفية كشفت عن طلب تقدم به البهرة لبناء ثلاثة مراكز لهم في قمم ثلاثة جبال عالية في أوسط اليمن. وهو أمر رفضته الجهات المختصة في اليمن بهدوء، وخاصة بعد اعتراض القوات المسلحة على اختيار الأماكن العالية التي تشكل أهمية في القاموس العسكري.
ثم جاءت حادثة مقتل أحد الهنود من أتباع الطائفة في قمة جبل حراز لتثير زوبعة إعلامية، بعد أن تم تصوير حادثة القتل وكأنها نتيجة لعملية التحريض التي اتهم الإسلاميون بالقيام بها، لكن وزير الداخلية اليمني - العقيد حسين عرب - أكد في أحاديث صحفية نشرت في اليمن إن مقتل الهندي كان نتيجة خلاف داخلي بين أتباع الطائفة أنفسهم حول بناء ضريح على أحد القبور.
"وعودة إلى مسألة بناء المراكز الدينية التابعة للبهرة، فالمعروف في اليمن أن التوتر في منطقة البهرة التاريخية كان قائما منذ شهور طويلة، حيث يتواجد أتباع المذاهب الثلاثة: الزيدية، الهادوية، والشافعية الإسماعيلية. وتتركز أسباب الخلاف في رفض أبناء المنطقة لفكرة بناء مركز للبهرة في قمة جبل عال بينما يصر البهرة، الذين يسميهم اليمنيون المكارمة، على بناء مركزهم واستخدام نفوذهم في ذلك. ويتردد أنهم نجحوا في استغلال ظروف معينة وبنوا مركزهم في خلال يومين، مما أثار حفيظة الآخرين وزاد من مستوى الخلاف والتوتر.
وعلى طريقة المكايدات السياسية في الوطن العربي، سارعت عدد من صحف المعارضة العلمانية في اليمن إلى إظهار التعاطف الحاد مع البهرة، باعتبارهم طائفة إسلامية، ومنددين في الوقت نفسه بحملة خطباء المساجد ضدها!، بالإضافة إلى استغلال حادثة مقتل الهندي، ومحاولة الإيحاء بأن الإسلاميين يقفون وراءها.
ولعله من المفارقات المضحكة أن تبدي الأحزاب العلمانية في اليمن مثل ذلك التعاطف مع الآلاف من أتباع البهرة في الوقت الذي تشن فيه حملات مركزة ضد وجود أي إسلامي من خارج اليمن، ولو كانوا دعاة جماعة التبليغ الباكستانيين!. ولا يخفى على المتابعين لأخبار اليمن تركيزهم الشديد على وجود أي إسلامي عربي في اليمن ومحاولة الادعاء بوجود معسكرات إرهابية لهم يتلقون فيها التدريبات على القتال!.
إشارات خطيرة !
وعلى أية حال، فربما تعطي الزيارة الأخيرة لسلطان البهرة، وأتباعه لليمن، إشارات عن المدى الذي وصل إليه نفوذهم. حيث اعترف سلطان البهرة في لقاءاته مع بعض المسؤولين اليمنيين أن القادمين من خارج اليمن بلغ عددهم خمسة آلاف شخص، بينما تقدرهم أوساط رسمية باثني عشر ألفًا.
لكن أخطر إشارات المسألة كلها هو تجرؤ الطائفة - وقيادتها غير يمنية - بالمطالبة ببناء مراكز دينية لها فوق قمم الجبال، رغم عوامل التوجس التاريخية ضدهم.
ويبدو أن البهرة أخطئوا الحساب عندما غامروا بالظهور بتلك الأعداد الضخمة من الأجانب في شوارع العاصمة اليمنية، فقد استفز ذلك الأمر أشياء كثيرة في النفوس وكشف الكثير والكثير مما ظل مختفيًا وراء "الدبلوماسية"، وأقنعتها!