العنوان أمهاتنا- عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما- نزل الوحي في لحافها
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2011
مشاهدات 68
نشر في العدد 1957
نشر في الصفحة 56
السبت 18-يونيو-2011
حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم... ارتضاها الله لنبيه زوجة في الدنيا والآخرة... وهى خير قدوة لبناتنا ونسائنا
إذا ذكر اسمها تذكرت كل شيء جميل، جمال خلقة وحسن خلق، عفة وطهارة، شباب ونضارة، علم وفقه أدب وبلاغة، نسب وعشيرة .. وإذا ذكرت أي امرأة أمامها تضاءلت وتلاشت مهما علت مكانتها وذاع صيتها ، فلا تستطيع أن تدانيها في مناقبها ، فلا الملكات الحسان ولا الخطيبات المفوهات، ولا الزعيمات القوميات أو أميرات القصور مهما بلغ شأوهن يصلن إلى ذرة مما وصلت إليه هي في الدنيا والآخرة.. ولم لا وقد جعلها الله تعالى زوجة لخاتم النبيين وأماً لكل المؤمنين، ووعاء لحفظ الدين.
إنها لم تكن تمتلك الكمبيوتر كبناتنا، ولم تكن تذهب إلى الجامعة حتى تدرس فيها على أيدي ثلة من المعلمين، ومع ذلك فقد تعلمت أفضل تعليم في أفضل مدرسة حتى صارت عالمة لم يكن ليصرفها شيء عن المهمة العظيمة التي اصطفاها الله تعالى لها وخصها بها من بين النساء، ومن تتبع سيرتها وجدها نسيجا وحدها؛ إذ حباها الله بقلب حافظ وعقل واع وذاكرة قوية وذكاء حاد ولسان يجيد فن الحديث ويعرف كيف يصرف الكلمات ويصيغها في أبهى حللها .. كل ذلك وهي حديثة السن، لتكون مثالا تحتذي به بناتنا وفتياتنا في عمر الشباب.
أعظم جامعة...
لقد تعلمت في أعظم جامعة .. جامعة النبوة، فكانت طالبة متميزة وتلميذة متفوقة مؤهلة للالتحاق بتلك الجامعة، فتعلمت بخير طريق يتعلم به الطريق النظري حين يتعانق مع قرينه العملي، ويشارك كلا الطريقين تفتح الذهن وحسن التلقي من الطالب والقدوة الحسنة وحسن التعليم من المعلم.
وإذا تفكرت في حالها وجدت أنها لم تكن لتجلس في بيتها وتقر لتبدد عمرها كله في المطبخ وإعداد الطعام أو أمام المسلسلات التلفزيونية ما صلح منها وما فسد أو على سماعة الهاتف تثرثر وتلغو، ولم تكن متجولة في الأسواق والطرقات لحاجة ولغير حاجة ولو شاءت لفعلت ولا متتبعة مجلات الأزياء وخطوط الموضة تقضي في ذلك جل وقتها. فتجعل منها شاغلها وشغلها وهي الفتاة الشابة صغيرة السن التي تحب الزينة والتزين شأنها شأن النساء في ذلك، لكنها لم تعش معيشة المترفين والمترفات، ولم تحي حياتهن بل تحملت حياة الشظف والتقشف مع النبي واختارت الله ورسوله، وهي القائلة: «إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺنار (رواه البخاري).
ومع ذلك، فقد كانت رضي الله عنها مسلمة مؤمنة قانتة عابدة كريمة سخية رحيمة ودود تقية نقية تحب الله ورسوله ويحبها الله ورسوله .. قال عنها عروة: «كانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله تعالى إلا تصدقت به وأنها تصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترقع درعها»، وأنها كانت تسرد الصوم.
إنها أمنا..
إنها أمنا الحبيبة عائشة بنت عبد الله بن عثمان أبي بكر الصديق ، تكنى بـ أم عبدالله»، وتلقب به الصديقة»، ولدت بعد البعثة بأربع أو خمس سنوات، وتزوجها النبي ﷺ في السنة الثانية للهجرة وهي في التاسعة من عمرها بنت الصديق حبيبة رسول الله ، ارتضاها الله لنبيه زوجة في الدنيا والآخرة، وجعلها تفضل جميع النساء كما يفضل الثريد كل الطعام، وهي خير قدوة لبناتنا ونسائنا، فهي المسلمة المؤمنة، والزوجة الصالحة، والبنت البارة، وأم المؤمنين طبيبة حاذقة وشاعرة لبيبة وخطيبة فصيحة وأديبة بليغة نسيبة عالمة بالأنساب، فقيهة في الدين راوية محدثة، لو وزن علمها لعلم جميع النساء لوزنه ورجح عليه.. مات عنها النبي ﷺ ولم تتعد الثامنة عشرة من عمرها المبارك، وعاشت من بعده حتى بلغت السادسة والستين، وتوفيت رضي الله عنها ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان بالمدينة سنة ٥٨هـ. ودفنت بالبقيع.
نشأتها...
نشأت عائشة وترعرت سنواتها الأولى في بيت أبيها الذي قال عنه النبي ﷺ: « إن من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبا بكر (متفق عليه، أفضل هذه الأمة بعده.
وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر، أسلمت بمكة قديما، وبايعت وهاجرت إلى المدينة، أما قومها (بنو (تيم) فقد عرفوا بالكرم والشجاعة والأمانة وسداد الرأي، كما كانوا مضرب المثل بالبر بنسائهم.
وقد تفتحت عيناها على بيت تغمره سكينة الإيمان، وتشع في أرجائه أنوار الحكمة فتشربت من أخلاق والديها، كما تفتحت على رؤية رسول الله ﷺ الصاحب والصديق الحميم لأبيها، تقول رضي الله عنها : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺطرفي النهار، بكرة وعشية رواه البخاري).
وسرعان ما انتقلت إلى بيت النبوة الراقي زوجة لخير الخلق وأحبهم إلى الله تعالى فتعلمت في صباها في مدرسته وعايشت تنزل الوحي عليه، وصارت المقربة لديه الحبيبة بنت الحبيب، حتى غدا هذا الحب واضحا في عالم الشهادة، معلنا عنه مشهورا بين الأهل والصحاب، إذ قال النبي : أحب الناس إلي عائشة، ومن الرجال أبوها (متفق عليه مما دفع أصحاب النبي ﷺ أن يتحروا بهداياهم يومها إرضاء وحبا له.
فقهها وعلمها..
على الرغم من حداثة سنها فإنها كانت المرجع الأول في الحديث والسنة، وكانت الفقيهة الأولى في الإسلام.. قال الإمام الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.
وقال هشام بن عروة عن أبيه : لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها ... وقال أبو موسى الأشعري ما أشكل علينا أمر فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها فيه علما ...
وقال عطاء بن أبي رباح كانت أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة... وقال مسروق الهمذاني: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض وكان إذا روى عنها يقول: حدثني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله.
روى عنها عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وذكوان، وسعيد بن المسيب، وعلقمة.. وغيرهم، وروت عن النبي ﷺ ۲۲۱۰ أحاديث، منها ۲۹۷ حديثا في الصحيحين.
لا تؤذيني في عائشة..
قال عروة بن الزبير : كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن : يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها (رواه البخاري) فإذا كان هذا القول يعتبر أذى للنبي ﷺ فيها فما ظننا بما سواه؟
وفي حادثة الإفك»، حينما افتري عليها في عرضها وعفتها، أنزل الله قرآنه مدافعاً عنها معلنا للناس براءتها إلى يوم الدين من كل سوء ينسب إليها، مبينا عقوبة من قذفها في ذلك الوقت، ومن يقذفها في أي وقت، فمن آذاها ولو بكلمة فقد آذى الله ورسوله، وقد نال رجل من عائشة عند عمار، فقال: اغرب مقبوحا منبوحا أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ؟
مناقبها..
روي عنها : أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ، فقال : هذه زوجتك في الدنيا والآخرة (صحيح الترمذي) وهي البكر الوحيدة التي تزوجها النبي .
ولم ينزل الوحي في لحاف امرأة من نسائه غيرها، وقد أقرأها جبريل السلام فقال لها النبي : يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام ... (رواه البخاري).
دعا لها النبي ﷺ قائلاً: «اللهم اغفر العائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرت وما أعلنت ... ( الألباني السلسلة الصحيحة). نزلت براءتها في القرآن الكريم، وكانت بركة علينا إذ شرع لنا التيمم بسببها.
وقد مرض النبي ﷺ ومات ودفن في بيتها .. تقول عائشة: «قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي (رواه البخاري)[1]..
1- عودة الحجاب، جمع وترتيب محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، ص ٥٧١ ٦٠٢
2- عظماء الإسلام، محمد سعيد مرسي ص ٤٤٩ – ٠٤٥٠
3- تراجم سيدات بيت النبوة د. عائشة بنت عبد الرحمن، ص ٢٠٦، ٢٤٤.
4- صور من سير الصحابيات، تأليف عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني، ص ۲۷
5- مؤمنات لهن عند الله شأن تأليف د. محمد بكر إسماعيل، ص ۲۱۳
6- موقع الدرر السنية.
(*) إجازة في الشريعة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل