; عاصمة النور تحاكم الفكر وتحاصر الراي وسط صمت العالم | مجلة المجتمع

العنوان عاصمة النور تحاكم الفكر وتحاصر الراي وسط صمت العالم

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1285

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-يناير-1998

فرنسا

عاصمة «النور» تحاكم الفكر وتحاصر الرأي وسط صمت العالم

فرنسا تحاول سجن «جارودي» بسبب آرائه حول الصهيونية

■ جارودي: أحترم الديانة اليهودية... لكن إسرائيل هي الدولة العنصرية الوحيدة في العالم

■ القرضاوي: كيف تقدم فرنسا رجلًا للمحاكمة قال كلمة يؤمن بها؟

الدوحة: د. حسن علي دبا باريس: قدس برس

أكد المفكر الفرنسي رجاء جارودي - الذي تجري محاكمته في العاصمة الفرنسية باريس هذه الأيام بسبب آرائه التي كشفت عن زيف الدعاوى الصهيونية - على أن احترامه للديانة اليهودية لا يمنعه من التأكيد على العنصرية التي تتسم بها الحركة الصهيونية الاستعمارية وصانعة الحروب.

وقال جارودي في بيان بعث به إلى وسائل الإعلام الفرنسية بعد الجلسة الأولى من محاكمته بتهمة العداء للسامية والتشكيك في المذابح النازية ضد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية إنه يكرس حياته لمقاومة الصهيونية، ولكنه يستمر في احترام الديانة اليهودية كديانة سماوية.

أصر جارودي على ما جاء في كتبه التي يحاكم بسببها قائلًا: إن إسرائيل هي الدولة العنصرية الوحيدة في العالم، وقال إن الولايات المتحدة بالطبع عنصرية مثل إسرائيل وأن على محاميي إسرائيل أن يدافعوا عما قامت به إسرائيل والصهيونية العالمية بدلًا من وضعه هو موضع الدفاع وأضاف أنه لم يفعل شيئًا سوى أنه أدان سياسيًّا مواقف إسرائيل لأنها قد تكون السبب في اندلاع حرب عالمية ثالثة بفضل التأييد الأمريكي اللامحدود، وذلك في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، وأوضح أن اللوبي الصهيوني عندما سمع عن رأي جارودي فيه وتفريقه بينه وبين اليهودية هب مطالبًا بمحاكمته باسم كل اليهود، وتابع: إن كل من ينتقد إسرائيل منهم، فكل الشعب الألماني متهم بسبب هتلر، كما أن الشعب السويسري في قفص الاتهام الآن بعد اختراع قصة ذهب النازي على طريقة الأفلام الأمريكية.

وأكد جارودي أن مفكرين يهودًا فرنسيين أخذوا يتنبهون إلى السياسات الانتحارية لإسرائيل ولا سيما بعد مجيء رئيس الوزراء الأخير بنيامين نتنياهو إلى السلطة، لكن جريمتي الأساسية أنني سبقت هؤلاء في انتقاد السياسة الإسرائيلية واستنادًا إلى البيان فإن جارودي يعتقد أن من يهاجمونه في وسائل الإعلام الفرنسية ليس لديهم من مأخذ عليه سوى تحویله دینه وسياسته، حيث كان الفيلسوف روجيه جارودي قبل إسلامه في عام ۱۹۸۲م مسؤولًا في الحزب الشيوعي الفرنسي. ولم تغطِّ وسائل الإعلام في فرنسا وقائع محاكمة جارودي بكثير من الاهتمام، في حين وصف محاميه جاك فيرجيس القانون الذي يحاكم جارودي على أساسه بأنه فاشي ومتخلف، ولوحظ في أجواء المحاكمة حضور كثيف وزحام شديد من قبل أعضاء الجمعيات اليهودية في فرنسا.

في الوقت ذاته أبدى محامي جارودي الفرنسي جاك فرجيس استغرابه لغياب العرب والمسلمين وصمتهم عن متابعة تطورات محاكمة جارودي التي اعتبرها محاكمة لإسرائيل. وأوضح أن منظمة ليكرا التي رفعت القضية ضده - تديرها شخصيات يهودية معروفة تضم شخصيات عربية من شمال إفريقيا تحت شعار دفاعها عن حقوق المهاجرين

ويدعم المفكر جارودي الذي كان اسمه روجيه قبل إسلامه عام ۱۹۸۲م شخصيات بارزة في المجتمع الفرنسي من أمثال الأب بيار وميشال لونج رئيس الجمعية الدولية للحوار الإسلامي - المسيحي، حيث اعتبر الأب بيار جارودي باحثًا عن الحقيقة في وجه تشويهات للمواقع لا تقبل الشك وأثار دعم الأب بيار لجارودي سخط منظمات صهيونية عديدة في فرنسا والعالم، حيث استبعدته الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية من لجنتها الفخرية، مما دفعه للاعتذار للذين جرحت مشاعرهم مع تأكيده على ثقته في صدق جارودي!!

يذكر أن روجيه جارودي كان مسؤولًا في الحزب الشيوعي الفرنسي عام ١٩٧٠، وألف بعد اعتناقه الإسلام عام ۱۹۸۲ م نحو ٣٠ كتابًا أهمها «كلمة رجل» و«نداء إلى الأحياء» و«قضية إسرائيل».

وفي كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، الذي صدر في يناير ١٩٩٦م يشكك جارودي في الهولوكوست وقصص المذابح التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية على يد النازيين، والتي أسماها أسطورة الستة ملايين يهودي، التي أصبحت عقيدة تبرر كل ممارسات إسرائيل في فلسطين، حسب قوله كما شكك في وجود غرف الغاز التي استخدمت لإبادة اليهود في المعسكرات النازية، وبذا فإن التهمة التي قد توجهها المحكمة الفرنسية ضد جارودي ستكون التشكيك في جرائم ضد الإنسانية، وفي حال الإدانة يتعرض جارودي بموجب القانون الفرنسي لعقوبة السجن مدة عام وغرامة تصل قيمتها إلى ٥٠ ألف دولار. وكان جارودي قد ظهر على الشاشة في مهرجان أقامَهُ مرکز شباب الدوحة مؤخرًا - عبر القمر الصناعي - وأعلن عن كتاب جديد يقوم بإعداده سوف يفجر فيه حقائق كبرى في وجه الصهيونية.

وكان د. أحمد القديري - الأستاذ بجامعة قطر - قد قام بترجمة الحوار مع جارودي ونقل له أسئلة الجمهور والعلماء والمفكرين الذين احتشدوا في مهرجان تأييده حيث تحدث د.عدنان زرزور مقارنًا بين موقف اليونسكو من سلمان رشدي ودعوتها لحرية التعبير، بينما صمتت عن محاكمة جارودي... وأنشد كل من د. يوسف أبو هلاله، و د. يوسف مقداري وخالد حرباوي قصائد دعمًا لجارودي...

وقال جارودي إن المستهدف من هذه القضية هو الأمة الإسلامية فأنا مجرد رجل اعترض طريقهم الذي رسمه لهم هنتنجتون وهو العولمة حيث تتوحد الحضارة المسيحية اليهودية ضد الإسلام... وأكد أن هذا هو جوهر السياسة الأمريكية اليوم، ودور إسرائيل مخطط له في هذه المرحلة، واستشهد جارودي بمؤسس الصهيونية هيرتزل الذي قال منذ مائة عام إننا قلعة متقدمة لإقامة المسيحية اليهودية، بما يثبت بلا شك أن هناك تلاحمًا بين هذا المشروع الصهيوني لهيرتزل والمشروع الأمريكي الإسرائيلي حاليًا.

الليكود والحرب القادمة

وقص جارودي جانبًا من كتابه «الأساطير المؤسسة»، فقال: بعد أن كتبت كتابي فلسطين أرض الرسالات السماوية منذ 10 سنوات أردت نشر كتابي «الأساطير»، بعد أن اطلعت على نظرية هنتنجتون، مما جعلني أعتقد جازمًا أن سیاسة الليكود والعولمة سوف تودي بالعالم إلى الهاوية والحرب العالمية الثالثة، واستشهد على ذلك بأقوال قالها في مجلة «ريثومنيم» عام ۱۹۸۲م حيث كتب أحدهم: إننا خلال ٢٠ سنة يجب أن نحقق هذا المخطط... واعتبر جارودي أن فضحه لهذه الخطة الصهيونية الإستراتيجية هو السبب الذي حركهم ضده. وأضاف أن تحقيق إسرائيل الكبرى لا يتم إلا بتفكيك أواصر كل الدول المحيطة بإسرائيل من النيل إلى الفرات من خلال الفتن الطائفية فمصر - مثالًا تقسم إلى دولتين: قبطية ومسلمة والخلافات بين الشيعة والسنة تشتعل، وأضاف: إنهم أعداء الإسلام والعالم العربي خصوصًا مسلمًا ومسيحيًا.

ترجم إلى ٢٢ لغة

وعن كتابه الأخير «الأساطير المؤسسة»، قال إن من العلامات المشرقة أن يكون قد ترجم إلى ٢٢ لغة، واعتبر ذلك وعيًا بالخطر الذي تمثله إسرائيل على الدول... وقال إن كتابي مساهمة متواضعة في تيار لا يمثله فقط مليار مسلم أنتمي إليهم وأتشرف بذلك لكن مليارات من سكان الأرض الذين يؤيدونني. 

وحين وجه د. القديري إليه سؤالًا: هل تشعرون أنكم مؤيدون قال جارودي لا أشعر أنني وحدي، وقد جاءتني برقية من اتحاد الكتاب والمثقفين الفلسطينيين وهو وسام على صدري حتى وإن لم أكتب بالعربية.

وأضاف: إنني أواجه بمفردي آلة إعلامية صهيونية في فرنسا وأوروبا، فكل معابر الإعلام أمامي مغلقة رسميًّا ... وحين كتبت ٥٣ كتابًا ترجمت إلى ٢٠ لغة بعد ذلك رفض كل الناشرين الفرنسيين نشر كتابي الأخير فطبعته على نفقتي الخاصة .... وسرد نماذج لمحاربته والاعتداء على ناشرين وموزعين لكتبه ... مذكرًا بما حدث له في كندا حيث منع من محاضرة له بتأثير من المؤتمر اليهودي، كما حدث له ذلك في المغرب، لكنه أشار إلى وقوف المحامين المغاربة معه لإلقاء المحاضرة في الرباط وأكد مجددًا أن الصهيونية سياسة عدوانية نقاومها بلا هوداة. ثم انتقل جارودي للحديث عن حق الفلسطينيين في أرضهم المحتلة، مشيرًا إلى أن مؤسسي الحركة الصهيونية هم من الملحدين وهو تناقض للنظرية الصهيونية «لا يؤمن باليهودية إلا ١٥% في إسرائيل»، واعتبر الإمكانية الوحيدة للسلام في الشرق الأوسط هو أن تكف إسرائيل عن اعتبار نفسها فوق القانون وتعترف بالدولة الفلسطينية التي يعيش فيها شعبها منذ 4 آلاف سنة، وتكف عن الادعاء بأن أمنها مرتبط باحتلال الدول المجاورة، واستنكر صمت الولايات المتحدة على احتلال القدس

د. القرضاوي يتكلم

ثم تحدث فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي مذكرًا الحاضرين بوقوفه مع جارودي حينما زار الدوحة العام الماضي حيث دافع عن عقيدته وعن إيمانه حين اتهم جارودي بالردة عن الإسلام واعتبر هذا الاتهام يسير في إطار هذه الحملة التي تريد تجريد الرجل من عواطف المسلمين في العالم..... وقال د. القرضاوي: لا يجوز لنا أن نخرج إنسانًا دخل الإسلام، وأضاف لو قال إنسان كلمة فيها وجوه تحتمل الكفر ووجه آخر يحتمل الإسلام فيجب أن تحمل على الإسلام.... وأكد أن كلام جارودي عن الإبراهيمية لا يقصد به تذويب الفوارق بين الأديان لكنه يعني وجود أمور مشتركة بين أهل الكتاب مثل مقاومة الإلحاد والإباحية، ومن هنا فإنه يريد جمع أهل الكتاب ضد المظالم العالمية وأضاف: لقد وقف جارودي في الجانب الإيماني واليوم يقف في الجانب الإنساني الذي يدافع فيه عن القضية الفلسطينية، بينما إسرائيل تقف بالمرصاد ضد كل من قال قولًا ضد ما تشيعه وكل من يخالف سياساتها يغتال... وقال: إن جارودي رجل يحمل فكرًا، وهو مع العدالة دائمًا ضد الظلم، ويرى أن الشعب الفلسطيني قد ظلم والصهيونية معتدية وظالمة .. لذلك فقد جن جنون إسرائيل..... ونعى القرضاوي على فرنسا تقديمها جارودي للمحاكمة وأنه قال كلمة يؤمن بها وتعجب قائلًا: أين الحرية الشخصية وأين حرية التعبير.. وأضاف: لكن كل ما يمس إسرائيل ليس أحد حرًا فيه، إنها طفل مدلل فوق الأمم كلها، واستشهد في ذلك بقتلها يحيى عياش والشقاقي ومحاولتها اغتيال خالد مشعل، وأكد القرضاوي بأننا لسنا ضد السامية أو اليهودية. وخلص إلى التأكيد على معاداة الصهيونية مشيرًا إلى أن القضية بيننا وبينهم ليست العقيدة بل الأرض المغتصبة، وقال: المشكلة مشكلة القدس التي ضاعت والأقصى الذي كاد ينهار.ثم دعا د. القرضاوي في نهاية كلمته العرب والمسلمين إلى الوقوف مع هذا الرجل، وكل العرب والمسلمين، وقال له: إن مليارًا وثلث مليار يشدون أزرك وقبل ذلكالله معك لأنك مع الحق.. ورد جارودي قائلًا: من خلال شخصي المتواضع يزيد كسب الرأي العام العالمي ونحترمه ونتحد إليه... وقال أعتقد أنني إذا تمكنت بكتابي الجديد من اكتساب (۱۰۰) ألف قارئ فإنه أمر مهم.من ناحية أخرى تم في الدوحة تشكيل لجنة لمناصرة جارودي تضم د. جمال الدين عطية، ود. عدنان زرزور، ود. أحمد القديري، ود. محمد شلال العاني، ود. عبد الله العمادي، وانضم إليها من القاهرة د. محمد سليم العواء، ومحمد حسنين هيكل، ود. عبد الوهاب المسيري... وقد أجرت اللجنة اتصالاتها مع المحامين الفرنسيين وكلفتهم بحضور المحاكمة بصفة مراقبين، وقد عبروا عن ارتياحهم لسير المحاكمة.... وقد تبنت صحيفة الشرق القطرية حملة المناصرة كما وقف مجلس نقابة الصحفيين المصريين منددًا بحملة الصهيونية على جارودي.... وأيد جارودي أيضًا سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام السورية. كما أعلنت الشيخة فاطمة حرم الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات عن دعمها لجارودي بمبلغ خمسين ألف دولار.

الرابط المختصر :