العنوان عالمية الدعوة.. وضرورة أن تظلل أجنحتها كافة بلاد العالم الإسلامي
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010
مشاهدات 41
نشر في العدد 1893
نشر في الصفحة 38
السبت 13-مارس-2010
قراءة معاصرة في مقدمات الإمام البنا
إن القارئ المتدبر والمتأمل والمتفكر في حياة الإمام الشهيد حسن البنا «١٩٠٦- ١٩٤٩م» إذا أراد أن يتوقف أمام الدروس العابرة، والمشاهد السائرة، ليؤصل ويفصل، فسيرى كيف أسس هذا الرجل صفوفه، وكيف أقام بنيانه، وكيف تحسس وتلمس أنجح السبل، وأصلح الوسائل، لتصنيف وتوظيف أفراد وطاقات ومواهب الشباب والرجال الذين هداهم الله إليه، وهداه إليهم..
عالمية الدعوة.. وضرورة أن تظلل أجنحتها كافة بلاد العالم الإسلامي
إنشاء «قسم الاتصال» بالعالم الإسلامي في المركز العام الجماعة الإخوان المسلمين كان بداية العولمة لدعوتها
د. محمود خليل
في مقدمته لكتاب « الصين والإسلام» للكاتب الصيني محمد تواضع يؤكد «البنا» على أن وحدة العالم هي المقصد الاسمى للإسلام
الجماعة استهدفت بناء مشروع معايشة الدعوة وبث الروح الجديدة في شرايين الجسد الإسلامي
لما كان الإسلام عقيدة وشريعة، تنبثق منها كل تعاليمه القولية والعملية والسلوكية التي تؤكد عالمية هذا الدين، فإنه كان واضحًا من أول يوم في دعوة الإخوان المسلمين، مدى الإيمان الراسخ بعالمية هذه الدعوة، وكان الأمر جليًا في ذهن مؤسسها الإمام الشهيد حسن «البنا»، كما كان مؤمنًا غاية الإيمان بأن أجنحة هذه الدعوة يجب أن تظلل العالم الإسلامي كله وإن طال المدى.. ومن ثم فلم يكن عجبًا أن نرى من بين رجالات هذه الدعوة في أيامها الأولى.. هارون المجددي الأفغاني ومصطفى السباعي السوري، ومحمد محمود الصواف العراقي والفضيل الورتلاني الجزائري، مثلما نرى فيها السوداني والمغربي واليمني والألباني والروسي والإيراني، وهم الأشقاء والإخوان للمصري.. الذي آمن أن داره هي دار الإسلام، وأنه:
إذا ما ذكر اسم الله في وطن
عددت أوطانه من لب أوطاني
لذلك.. كان «البنا» سابقًا لعصره، في عولمة الفكرة الإسلامية منذ بواكير دعوته حيث أنشا بها قسم الاتصال بالعالم «الإسلامي»، وجعله ضمن الأقسام الأساسية بالمركز العام للإخوان المسلمين، وكانت رسالة هذا القسم الأساسية عبارة عن توثيق الصلة ومد الوشائج، والرابط بين حقيقة الإسلام وبين الشباب الواعي برسالته والمدرك لمدى المؤامرة الخطيرة التي يتعرض لها المسلمون داخل بلادهم وخارجها.. وذلك بالتجميع الدعوي والفكري والحركي، حول الفكرة الأم من خلال الفكرة الجامعة بين جامعة الإسلام والرابطة الشرقية والجامعة الوطنية، وأسس النهضة الحديثة في العالم الإسلامي.
تعاون إصلاحي
وكان ذلك الأفق الرحب، هو التمهيد للأرض الطيبة التي انطلقت منها جماعة الإخوان المسلمين كفكرة وحركة ودعوة ومنهاج.. ومدى الفهم العميق للتعاون الإصلاحي، والإصلاح التعاوني، الذي تحمله هذه الجماعة في عقول وقلوب وسواعد أبنائها وقادتها.. حيث يقول «البنا» في مقدمته لكتاب الصين والإسلام لأحد نوابغ المسلمين الدارسين بالأزهر الشريف من أبناء الصين: وفي الحق، أن كل هذه الجامعات يمهد بعضها لبعض متى حسنت النية، واتسع أفق التقدير، فكما أن وحدة الأسرة أساس وحدة الوطن، فإن وحدة الوطن أساس وحدة الجنس، ووحدة الجنس أساس وحدة العالم ووحدة العالم هي المقصد الأسمى الأعلى الذي لا يستقر على الأرض السلام حتى يجعله الناس كذلك فيعملون جاهدين متعاونين على تحقيقه والوصول إليه.. وتلك ولا شك معجزة الإسلام آية من آياته، إذ وضع للناس هذا الأصل، وأرسى على الأرض قواعده، قبل أن ترتفع به اليوم أصوات الزعماء والقادة، بأكثر من سبعين وثلاثمائة وألف سنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
وأظهر «البنا» أن هدف جماعة الإخوان المسلمين، هو بناء مشروع معايشة الدعوة وحركتها، والانتظام في أنشطتها وبث الروح الجديدة في شرايين الجسد الإسلامي الهامد وربطه بقلبه الحي وفؤاده الحادب الأمين.. وإصدار رسائل في صورة سلسلة كاملة عن تاریخ سائر بلاد المسلمين وأحوالها، مسجلة بأيدي بنيها.. لعل في هذا التاريخ ما يجدد الأمل، ويبني السبل، وكانت باكورة هذه الرسائل رسالة الصين والإسلام الطالب العلم الأزهري محمد تواضع بانغ سي تشيانغ (۱۹۰۲ - ۱۹٥۸م) الذي وثق فيه معلوماته من خلال ۱۲ مرجعًا عربيًا و۱۸ مرجعًا صينيًا و مراجع إنجليزية، واستعرض في (۲۱۰) صفحات تاريخ الإسلام والمسلمين في الصين عبر ستة عشر فصلًا بحثيًا إضافيًا، دبجها قلم واحد من أكبر علماء الإسلام والمسلمين في الصين، وهو أول من أدخل حروف الطباعة العربية إلى الصين، وأحد أبرز الوجوه الدعوية والقادة المفكرين والزعماء الإصلاحيين في الصين في القرن العشرين.
أطول المقدمات
لذلك كان من الطبيعي أن تتصدر هذه الباكورة بمقدمة من الإمام الشهيد «حسن البنا»، ولعلها أطول المقدمات التي كتبها الإمام قاطبة.. حيث جاءت في سبع صفحات تشرح بجلاء وصفاء جوهر فكرة الإخوان المسلمين والقواسم المشتركة للنهضة، ومشروع الانعتاق بناء على محاولة تحقيق هدفين أساسيين هما:
1- الخدمة الاجتماعية بشتى أنواعها وكافة أشكالها.
2- تجلية محاسن التعاليم الإسلامية وإذاعتها بين الناس، وإقناع الرأي العام بما فيها من فائدة وجمال، حتى تعود الأمة والدولة إلى الأخذ بنظام الإسلام في كل مناحي الحياة.
وهذان الجناحان لا ينطويان على رؤية محلية، أو نظرة إقليمية، بل بهما يحلق المسلم في عالم الإسلام حيث يقول الإمام البنا :
ومن هنا كان من الواجب على المسلمين مهما تباعدت أوطانهم، أو نأت ديارهم، أو اختلفت أجناسهم وألوانهم أن يشعروا بأنهم أمة واحدة، وشعب واحد وحدته هذه العقيدة وألف بين قلوب أبنائه الإسلام، لا تفرق بينهم أبدأ الحواجز الطبيعية، ولا الحدود الجغرافية، ولا العوامل السياسية، ولا المنافع الشخصية، لأن الله أرادهم هكذا أمة واحدة كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ﴾ (المؤمنون). اتحاد الجهود وكان من مقتضيات إنفاذ هذه الرؤية، إنشاء قسم الاتصال بالعالم الإسلامي والبلاد العربية، وتم إسناده إلى أحد الإخوان العاملين من أعضاء مكتب الإرشاد، يعاونه فيه نخبة من الشباب المؤمن الغيور، وجعلت مهمة سلام هذا القسم الاتصال بالإخوان الأحبة من نزلاء مصر وضيوفها من العرب ومن الأوطان الإسلامية المختلفة لمعرفتهم، وتعرف أحوال بلادهم وأوطانهم، والتعاون معهم على الخير المشترك الذي يأمله الجميع باتحاد جهودهم مع توثيق الصلة بالتزاور والمراسلة، وبكل وسيلة ممكنة بالهيئات الإسلامية العاملة والشخصيات المجاهدة الفاضلة في تلك الأوطان جميعاً، ثم نشر المعلومات النافعة للشعب المصري عن أفراد العالم الإسلامي والبلاد العربية، حتى يكون التعارف في أوسع دائرة ممكنة، وحتى نهيئ النفوس بذلك للدعوة العالمية المقبلة إن شاء الله .
- وفي هذه الفترة -النصف الأول من العشرين- تجددت صلات المسلمين الصينيين بالعالم الإسلامي، فعادت وفود الحجاج الصينيين إلى بيت الله الحرام، وشهد الأزهر الشريف استقبال ٣٥ مبعوثًا صينيًا، وطبع المصحف الشريف باللغة العربية وترجمت عشرات الكتب الإسلامية العربية إلى اللغة الصينية من قبل هذا الجيل من العلماء العاملين من أمثال محمد تواضع، ومحمد مكين «۱۹۰٦- ۱۹۷۸م» والشيخ ماليانع المتوفى سنة ١٩٥٧م، وتم إصدار إعلان رسمي بالصين عام ١٩٤٧م باعتبار المسلمين أحد عناصر الأمة، مما أتاح للمسلمين انتخاب ۱۷ منهم للجمعية الوطنية الصينية.
ولعل المتابع أخيرا عام ٢٠٠٩م لحقيقة أوضاع المسلمين في «سينكيانج»، يدرك مدى نفاذ الرؤية وبعد النظر عند هذا الرجل القرآني الفريد .. الإمام الشهيد «حسن البنا » رضوان الله عليه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل