; عالمية الإسلام.. أم النظام العالمي الجديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان عالمية الإسلام.. أم النظام العالمي الجديد؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

الإخلاص شيء غير مرئي، وسلامة الطوية أمر غير منظور ونقاء السريرة حالة غير ظاهرة ولا محسوسة، كما أن سوء القصد شيء خفي، والحقد والغل طبيعة مخبوءة في الصدور، ولأن كل هذا أمر مستتر، وجميعه دوافع متوارية في حنايا القلوب، فقد قل الأمان، وعز الصواب، وكثر الخداع، ولم يبق إلا الأعمال التي تكشف النوايا، والفراسة التي تبين عن الصواب والخطأ، ولهذا قال عمر بن الخطاب: أيها الناس قد انقطع الوحي والناس عندنا أحد رجلين: رجل عمل صالحاً فسنجزيه به ورجل عمل سيئاً فسنؤاخذه بفعله فالادعاءات لا بد من أن تصدقها الأعمال، والقلوب لا بد من أن تكشفها الفراسات والأفهام.

واليوم تتزاحم الثعالب الماكرة والذئاب الكاسرة، كل يريد أن يخادع الفريسة ويمنيها بالغد الواعد والمستقبل الصاعد، حتى تسلم له الفريسة قيادها وتكل إليه أمرها فيزدردها، ويلتهمها، وتتوارى الوعود وتظهر الأنياب والأظفار، وتتلاشى الأماني، ويبرز السلاح والقهر والاستعباد، ولقد ردد الطامعون جميعاً كلمة النظام الجديد، فهتلر أعلن أنه يريد أن يتقدم للناس بنظام جديد وتشرشل يقول: إن إنجلترا المنتصرة ستحمل الناس على نظام جديد وروزفلت يتنبأ ويشيد بهذا النظام الجديد، والجميع يشيرون إلى هذا النظام الجديد الذي سينظم أوروبا ويعيد إليها الأمن والطمأنينة والسلام، فأين حظ الشرق والمسلمين من هذا النظام المنشود؟ وأين حظ العالم الثالث من هذا النظام المراد؟

 نريد هنا أن نلفت أنظار الساسة الغربيين إلى أن الفكرة الاستعمارية، إن كانت قد أفلست في الماضي مرة، فهي في المستقبل أشد فشلاً وإفلاساً لا محالة، وقد تنبهت المشاعر، وتيقظت حواس الشعوب، وأن سياسة القهر والضغط والجبروت لم تأت في الماضي إلا بعكس المقصود منها، وقد عجزت

عن قيادة القلوب والشعوب، وهي في المستقبل أشد عجزاً، وأن سياسة الخداع والدهاء والمرونة السياسية لسحب الفريسة، إن هذا بها الجو حيناً فلا تلبث أن تهب عليها العواصف القوية العنيفة فتذرها قاعاً صفصفاً، هذا وقد تكشفت هذه السياسة عن كثير من الأخطاء والمشكلات والمنازعات، وستكون في المستقبل أضعف وأوهى من أن تصل إلى المقصود.

 إذن لابد من سياسة أخرى عادلة للنظام العالمي الجديد، ولن تكون هذه السياسة إلا إسلامية، لأنها سياسة التعاون والتحالف الصادق البريء المبني على التآخي والتقدير وتبادل المنافع والمصالح المادية والأدبية بين أفراد الأسرة الإنسانية في الشرق والغرب، لا بين دول أوروبا فقط وبهذه السياسة وحدها يستقر النظام الجديد، وينتشر في ظله الأمن والسلام. 

يجب أن يتنبه المسلمون إلى هذا ويعرفوا جيداً من هم في هذا العصر؟ وما دعوتهم بين الدعوات ورسالتهم بين النظم والأفكار؟ ولأي معنى أراد الله لرسالتهم أن تكون خاتمة الرسالات وجامعة الديانات، وقد جمع الله عليكم ووحد بين قلوبكم ووجهتكم وأمتكم وقد أراد الله في هذا العصر النكد أن تظهر تباشير الإسلام من جديد ليقرأ الناس عنها، ويكتشف الإسلام من جديد، وستتلهف الدنيا، ويلتفت العالمون إلى دعوة الإنقاذ، فاذكروا جيداً أيها المسلمون أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الزمان وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف: 21).

واذكروا كذلك أن دعوة الإسلام نشأت عالمية موجهة للناس كافة، لأن الناس في حكمها إخوة، أصلهم واحد، وأبوهم واحد. ونسبهم واحد لا يتفاضلون إلا بما يقدمه أحدهم من خير للمجموع، وبر سابغ، وفضل شامل للأمم والإنسانية، وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: 1).

كما ينبغي أن يعلم أن الإسلام عني أدق العناية باحترام الروابط الإنسانية بين بني الإنسان، وحرم الإسلام الاعتداء حتى في حالات الغضب والخصومة، فقال تعالى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ (المائدة: 8) ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8)

فشرف الإسلام الدولي هو أقدس شرف عرفه التاريخ، وأن القواعد التي وضعها الإسلام الدولي لصيانة هذا الشرف وحفظه أرسخ القواعد وأثبتها. فالبر والإحسان للناس كلهم وإن اختلفت عقائدهم من شعائر الإسلام وزرع الأخوة بين الناس وإن اختلفت أديانهم وأفكارهم من أولوياته والمحافظة على التعهدات والالتزامات واحترام القانون الدولي في السلم والحرب من تعاليمه.. إذن فالعالمية أو الإنسانية من أهداف الإسلام وغاياته العظمي، وختام الحلقات الإسلامية في سلسلة الإصلاح، والدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة لأن التجمع في الأمم والتكتل في الأجناس والشعوب والتعاون على البر والتقوى وتداخل المصالح، وتقارب الأفهام في الخير سيزرع السعادة والأمن والطمأنينة وليس أفضل من تجمع على الإيمان وتفاهم على الطهر والفضيلة والخير.

ونحن وإن كان إسلامنا يجمع بين هذه المعاني الطيبة الطاهرة، فإنه يجب علينا أن نكون أمثلة كريمة تنير الطريق وتهدي الضال وترشد الحيران إلى الجادة، كما أنه ينبغي أن نحمل هذه المبادئ، وندعو إليها، ونجاهد في سبيل إقرارها، ولكلٍّ بعد ذلك ثواب العاملين وجزاء المجاهدين المخلصين، أما أن نكون نحن العقبة الكؤود، والمثل السيئ، والأنموذج الرديء فهذا هو الخسران المبين.. نسأل الله السلامة.. آمين.

الرابط المختصر :