; عالم الفكر الذي قاد إلى الهزيمة! | مجلة المجتمع

العنوان عالم الفكر الذي قاد إلى الهزيمة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

مشاهدات 67

نشر في العدد 593

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

- ما زالت أسرار معاركنا مع اليهود مجهولة الحقائق والتفاصيل

- تهيؤ البيئة هو الذي ساعد على نجاح مؤامرات الاستعمار

الاستسلام الذي ساد في الساحة «العربية» أخيرًا أذهل الكثيرين وجعلهم يفغرون الأفواه دهشة واستغرابًا! ولا غرابة في الأمر لو تريثنا في التفكير فالحقيقة أن الأمم لا تهزم في ميادين المعارك وإنما تعلن هزيمتها هناك فقط -كما عبر أحد المفكرين- ذلك أن الهزيمة كالكائن الحي سواء بسواء لا بد له من أحشاء يتكون فيها وعوامل تساعد على النمو حتى تحين لحظة الميلاد فيخرج خلقًا كاملًا.

والهزائم المصيرية على وجه الخصوص ينطبق عليها هذا أول ما ينطبق فإنها ليست كائنًا غريبًا انشقت عنه الأرض أو هبط من السماء دون سابق وعد وانتظار -كما تحاول كثير من الأصوات أن تصور الأمر الآن- وإنما هي حصيلة نهائية وحصاد لزرع نما واكتمل وحان موعد جنيه ولكن في هيئة «هزيمة» أو «استسلام»‎!!

وقد استمرأت أجهزة إعلامنا الممثلة لتيار التفكير السائد بمختلف وسائطها من مقروء ومرئي ومسموع أن تعلل نفسها بأعاليل باطلة تصور الخطب المهول شيئًا عارضًا وتنسب الأمر لعوامل خارجية فوق الإرادة والاختيار ثم لا تنسى أن «تعجن» الحقائق بمخدراتها من الأماني الكاذبة التي لا تملك الأمة وسائل الوصول إليها في هذا الوقت.

ثم تعاد الأمة إلى سابق عهدها من الغفلة ثم النسيان حتى تفيق من جديد على طرقات «بالدافع»‏ و‎‏«الطائرات»‏، لغزو «غير متوقع» كما تعودت أو عودت بالأحرى! ولا تكلف الأمة نفسها مشقة النظر في العوامل والأسباب الحقيقية التي قادتها لذلك -أو إن فعلت- فإنها تحصر تلك الأسباب في عوامل مادية متمثلة في أسباب عسكرية من تفريط هذا النفر أو ذاك. ثم تلقى المسئولية على شخص أو شخصين أو يحفظ المحضر على الأرجح. ويسدل الستار على الأمر حتى تأتي الأيام بهزيمة جديدة لتبدأ المسرحية المعلومة ثانية.

السر المكتوم:

وحتى تلك الأسباب أو المسئوليات العسكرية تظل سرًا مكتومًا لا يطلع عليه الناس ولا يتدارسونه ولا تعلم عنه الأمة كبير شيء. وأقرب مثال على ذلك هزيمة يونيو سنة ١٩٦٧م‏ التي تمت في عهد جمال عبد الناصر.

فحتى هذه اللحظة ما زالت أسرار تلك الهزيمة لغزًا غير معروف ولا تكاد تجد إجابة شافية عنها ومن قبلها هزيمة سنة ١٩٤٨م‏ وما تلا ذلك حتى وصلت دورة تاريخنا المعاصر إلى جو مريع من الاستسلام تجسد في مقررات فاس واللجنة المنبثقة عنه والتي تطلب شفاعة «أمريكا لدى إسرائيل حتى يمثل «السلام»!‏

أسباب الهزائم عند مفكرينا: -

أسباب هذه الهزائم التي تدرجت بنا حتى بلغنا قعر الهاوية في هذا الجو الاستسلامي تعود «مفكرونا»‏ و«محللونا» أن يحصروها في سبب واحد كالوسائل المادية وما يرتبط بها من شئون عسكرية. وقد تتدرج بنا بعض الصحف والمجلات خطوة أبعد، كأن تنسب الأمر للأنظمة الحاكمة وما إليه ولعل هذا صحيح في المنتهى والخلاصة ولكن الأمر ليس على إطلاقه بل له مبتدأ متعاد الجذور والعروق!

وأول ما نبدأ السؤال عنه في الرد على الواقفين بالأسباب عند أنظمة الحكم والمؤامرات الاستعمارية وما إليه من العبارات الشائعة هو: لم يمثل هذا الطراز من الحكام على الساحة وكيف وجدت هذه الأنظمة التي قادتنا لهذا المصير؟ ومن الذي بشر بها وحافظ علبها؟ ولماذا تجدي فينا وحدنا مؤامرات. الاستعمار وخططه؟

حقيقة متجاهلة:

نقول إن الحكومات مهما كانت فهي إفراز طبيعي للوسط الذي تمثلت فيه والبيئة التي سادت فيها. هذه حقيقة يجب أن تستقر في أذهاننا وكما قال الحديث «كيفما تكونوا يولى عليكم» والمؤامرات الاستعمارية ما كانت لتجدي فينا لو كان البناء الداخلي متماسكًا والوعي في مستواه المنشود.

ويدعونا لهذا القول إن نجاح هذه «المؤامرات»‏ صار أمرًا معتادًا وصرنا ساحة مضمونة للاستثمار الناجح في هذا المجال وخبر «إيلي كوهين» الجاسوس الذي كان مرشحًا للوزارة ليس بعيدًا عن الأذهان.

وهذا يجعلنا نذهب خطوات أبعد قليلًا نعيد الأمور إلى نصابها ونزيل هذا الغموض الذي صار طابعًا للأشياء عندنا.

المسئولية وعمومها:

الحديث المعروف عن مسئولية الإمام والمرأة والخادم أتت خاتمته بتعميم مطلق للمسئولية، فقال صلى الله عليه وسلم في ختام ذلك الحديث «وكلكم مسئول عن رعيته» وهذا الحديث هو شاهدنا في التصور الإسلامي لحدود المسئولية والدور المنوط بكل فرد من أفراد المجتمع المسلم ولكن هذا المجتمع –للأسف- لا يعيش في إطار دينه وفكره المنبثق عنه وهنا يكمن أول الجواب عن السؤال المطروح عن الأسباب التي دعت بنا للسير على طريق الهزائم المتوالية والاستسلام المريع الذي تريق الأمة الآن ماء وجهها ‎في‏ ‏سبيل قبوله لدى إسرائيل بواسطة الصديق العزيز ريغان.

السبب الأول:

ونقول إن هناك عددًا من الأسباب ولكن يأتي في أولها الفكر السائد الآن والذي تفرع عنه كل موجود في الساحة اليوم. بل لعلي لا أبالغ إن قلت إن قضية الفكر هي السبب المجمل لكل الأسباب الأخرى. ذلك أن السلوك والممارسة إنما هي ترجمات عملية للتصور المكتسب من فكرة ترسخت في الأعماق ونمت وازدهرت حتى تمثلت سلوكًا. لذا ليس بعيدًا عن الحق إن نسبنا السلوك والأخلاق وكل ما يتمثل في دنيا الممارسة إلى عالم الفكر في المقام الأول.

فحكامنا وأنظمتهم القائمة إنما هي نسق فكري مجسد وعسكريونا هؤلاء إنما تشكلوا بأفكار وتربوا بنظريات معينة صاغت شخصياتهم ومسلكهم وطريقة تفكيرهم، والمؤامرات لولا البيئة المهيأة والتي مثلت في النهاية نتيجة للفكر السائد ما كانت لتجدي وهلم جرا.

الخارطة الفكرية للعالم الإسلامي اليوم:

إذا نظرنا في الخارطة الفكرية لعالمنا الإسلامي وفي قلبه العربي على وجه أخص وجدناها موزعة بين جميع الأفكار البشرية من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فالرأسمالية بصورها المعتدلة والمتطرفة والشيوعية بأنواعها الثقيلة والمخفضة. وأنظمة الحكم فيها ممثلة كذلك لكل ما يعتمل في العالم الغربي من ملكيات إلى جمهوريات رئاسية وبرلمانية إلى نظم دكتاتورية. إلخ.

ولم ننس أن نقتبس نماذج الانتماء الخاص بذلك العالم ونسينا تصوراتنا المعتدلة في هذا الجانب فالوطنيات الإقليمية الضيقة والقوميات العنصرية ما غفلنا عن جلبها بعد أن خلعنا عليها سماء أقطارنا وأنسابنا كأن نسميها الوطنية الفلانية أو القومية العربية وما إليه.

والمذاهب الأدبية والفنية:

فإذا أتيت للمذاهب الأدبية السائدة فأجزم لك بأنه ما نعق ناعق في الغرب بشيء إلا وكان صداه «مدرسة» أدبية كاملة أو مذهبًا «جديدًا» وقد يكون له إصداراته ودراساته وصفحاته في الصحف والمجلات السيارة وربما المجلات المتخصصة والكراسي الجامعية أيضًا:

وفي الشعر وموضوعاته وأشكاله وفي المسرحية وأنواعها وفي القصة وألوانها وفي العروض السينمائية وفي المعاهد المتخصصة للفنون والرقص والموسيقى حتى صرنا نبعث أبناءنا وبناتنا لنيل درجات الدكتوراة في الموسيقى والمسرح.

«ملاحظة: نسبة الأمية بين العرب أكثر من 70%»

‎إشهار الإفلاس:

إن ما سبق سرده -وتفصيله يطول– قد كان إعلانًا عن إفلاس دعاته ومروجيه من أبناء هذه الأمة من فكر خاص بهم أو قيم أصيلة لديهم. ربحكم أن هؤلاء «المفلسين» تصدروا لمقاليد التوجيه وأزمة المسئولية في عالمنا لم يقف الإفلاس عندهم وإنما تعداهم لدفع الأمة بمجموعها رويدًا رويدًا نحو إشهار إفلاسها وتفريقها من قيمتها ومضامينها الحقيقية. إن القيم المتضادة لا يمكن تصالحها مهما طال الزمان ولا بد من سيطرة إحداها على عالم الناس. وقد كانت كل القيم المجلوبة مضادة في منشئها والفلسفة النابعة منها ما كانت تدين به هذه الأمة.

ولم يكن جسم الأمة قادرًا على مقاومة هذه الجراثيم الفتاكة فهو جسم قد اعترته عوامل انحلال داخلي وضربات خارجية متوالية جعلت قواه خائرة. وقد استقبل قيم خصمه التقليدي «أوروبا» وهو في هذه الدرجة من الضعف بينما الخصم في أوج الفتوة والقوة والغرور.

 ثم زاد من المعاناة وضاعفها أن هذه القيم ما جلبت على يد أعداء وما فرضت تحت قوة السلاح بل كانت مجلوبة على يد نفر عزيز من فلذات أكباد الأمة أرادت أن تمحو بهم أسباب ضعفها فإذا بهم يمحون أسباب قوتها الباقية ويأتونها بما يجهز عليها إجهازًا تامًا يعوقها عن النهوض إلا بمجهود شاق وطويل.

التعاقب على الإجهاز:

إن أجيال الأمة المتتابعة سرى فيها الداء قليلاً قليلاً وكل جيل يسلم الراية إلى التالي حتى اعتاد الناس «الغريب» واستغربوا «القريب» فالنموذج الأصيل في التدين -مثلا- صار «متطرفا» قياسًا على الحال التي عليها النتاج البشري للفكر السائد في المجتمع. وقد كان نفس هذا المجتمع يطلق قبل عقود من الزمان قليلة على أمثال مروجي شعارات «التطرف»‏ ألفاظ الشذوذ والانحراف فسبحان مقلب القلوب.

وتفسير الأمر في غاية اليسر فإن الفكر الغريب علم في مبتدأ قدومه أنه لا بد له من مؤسسات تقوم على أمره وأخرى تحميه وترفع من شأنه أما الأولى فهي المؤسسات التعليمية والمعاهد التربوية بمختلف أنواعها ومستوياتها، وأما الثانية فتتمثل في الوسائط الإعلامية من مقروء ومرئي ومسموع. وقد أحكم الطوق حول الاثنين أيما إحكام.

كما وأن الحاجة القائمة والمتجددة في المجتمع لمن يقوم على شأنه يسر السبيل لأن يمسك أبناء هذه المؤسسات التعليمية والإعلامية بمقاليد المجتمع في كل ما يتصل بشنون حياته فمسخوا أصول اجتماعه وأعرضوا عن نظام تشريعه واقتصاده، بل حتى نظامه الخلقي لم ينج من الإخلال. فما كان هناك من سبيل للنجاة إلا من رحم ربي وهم قليل.

الرابط المختصر :