; عالية السيد حسن.. أمهات في المعتقل | مجلة المجتمع

العنوان عالية السيد حسن.. أمهات في المعتقل

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 72

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 40

السبت 05-يوليو-2008

  • اعتقال الابن ووفاة الزوج لم يمنعاها من مواصلة العمل الخيري ورعاية الأحفاد!
  • سارعت للمشاركة في حملات جمع التبرعات وكفالة أسر الإخوان المعتقلين

إنه شعور غريب يصعب تصويره ويعجز القلم عن تعبيره، إنه مزيج من مشاعر كثيرة؛ بل إنها هزة عميقة تهز كياني، إنه شعور بالخجل أن نقرأ ونسمع عن نساء عذبن من أجل دينهن، وقدمن أرواحهن فداء لدين الله.

إن بذور التربية مريرة لكنها دائمًا ما تكون ثمارها حلوة، فالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفروعها زاهية. يرميها الناس بالحجر فتلقي إليهم أطيب الثمر. وإن التضحية نبات صغير يرويه الإنسان بالعطاء والبذل وقهر هوى النفس من أجل الآخرين.

[1]- داعية إسلامية مصر

 في قرية "الصنافين" بمحافظة الشرقية– شمال مصر ولدت السيدة عالية السيد حسن في عام ١٩٠٤م لوالد كان مزارعًا، ولأخ وأختين أخريين وكانت الأسرة تعيش في سعادة غير أنهم تعرضوا لأزمات الفقر، مما حرمها من التعليم.

وما كاد يشتد عودها حتى سارع لخطبتها الشاب محمود أحمد شعبان- صاحب محل بقالة والذي ولد في نفس القرية وتربى مع عالية وزاد من معرفته بها أنه كان يمتلك فدائيين من الأراضي الزراعية بجوار أرض أبيها، فزادت روابط الصلة بين العائلتين، فتقدم محمود أولًا للزواج من أختها، وتم ذلك. غير أنه سرعان ما توفيت فسارع بخطبة عالية[2] (1).

 وكانت ثمرة هذه الزيجة ولد ًا وحيد ًا هو جودة» الذي ولد في ١٩٢٦/٤/١٤م، وحصل على الابتدائية، لكنه ترك التعليم وعمل مع والده في محل البقالة، ثم ضاقت به سبل العيش فخرج إلى القاهرة عام ١٩٤٥م بحثًا عن عمل، حتى وفقه الله للعمل في مصنع صباغة وتجهيز بشبرا الخيمة، وهناك تعرف على دعوة الإخوان المسلمين عام ١٩٤٨م على يد المهندس صلاح العطار ودعي في فترة الأستاذ الهضيبي للاشتراك في النظام الخاص، غير أن ذلك لم يحدث وبعد حادث المنشية نشط مع إخوانه في رعاية أسر المعتقلين حتى تم اعتقاله في مارس ١٩٥٥ ، وحكم عليه بعشر سنوات شاقة قضاها كلها حتى خرج في مارس ١٩٦٥م وكان أحد شهود العيان على مذبحة «طرة» في أول يونيو ١٩٥٧م التي ارتكبها زبانية عبد الناصر ضد الإخوان العزل بسجن «طرة»، وبعد خروجه بفترة قصيرة اعتقل٢٠٠٨م مرة أخرى في أغسطس ١٩٦٥م وقدم للمحاكمة في قضية تنظيم السجون ولم يخرج من السجن إلا في أغسطس ۱۹۷۱م. وفى هذه الفترة لم يلن، ولم تخط يده تأييدًا لعبد الناصر[3].

وقد استصحب جودة والديه خلال انتقاله للقاهرة، وهناك تعرفت السيدة عالية على الحاجة فاطمة عبيد «أم أحمد» وأخذت تتردد عليها حتى عشقت العمل الخدمي داخل الإخوان المسلمين.

مثال للعطاء

ما أن وقعت حادثة المنشية عام ١٩٥٤م حتى اختطف عدد كبير من الإخوان، وزج بهم في السجون وتركوا وراءهم أسرًا دون عائل وهنا جاء دور الأخوات، حيث تحركن لجمع التبرعات وكفالة الأسر المحتاجة واستمر هذا الدور المنظم، على الرغم من اكتشاف عبد الناصر له واعتقال الإخوان القائمين عليه، إذ لم يرهب ذلك نساء الإخوان. 

وقامت الحاجة عالية بدور مهم آخر، فبعد حادثة المنشية قام بدر الدين عبد اللطيف ومحمد رسمي سلامة بالهرب والاختباء عن أعين المباحث، فقامت الحاجة عالية بإخفاء بدر الدين في منزلها فقد كانت تشعر بمعنى الأمومة التي دفعتها لإخفائه وذات ليلة قال لها بدر: لابد أن أغير المكان بسبب اعتقال الأخ علي عبدالعزيز الذي يعلم أماكن الإخوة الهاربين، وما كاد يخرج حتى حضرت المباحث لاعتقال ابنها جودة ونجاهما الله من تهمة إخفاء هارب[4] 

لم يكن اعتقال جودة عائقًا لتوقف الحاجة عالية عن العمل الخيري بل زادت في العمل بمشاركة أم أحمد وزوجة ابنها فأخذن في تجميع المال والملابس والطعام وتقديمه لمنازل الإخوان بل كن يقمن بتوفير أساسيات الزواج لبنات الإخوان في منطقة «الحافظية»، وكانت أم أحمد ترسلها إلى أماكن عدة لثقتها فيها ولمعرفة نساء الإخوان لها.

وفي عام ١٩٦٠م ابتلى الله الحاجة عالية بمحنة جديدة، حيث فقدت زوجها الذي رحل حزنًا على ولده الوحيد غير أنها قابلت هذه المحنة بالصبر والدعاء.

رحلة المحن

وباعتقال ابنها، ووفاة زوجها عانت الحاجة عالية وزوجة ابنها مر الحياة، وتصف زوجة جودة الحال فتقول: ويعلم الله كم قاسينا وعانينا في تلك الفترة بعد أن أوقفوا صرف مرتب الزوج بعد سجنه ولم يتركوا لنا موردا نعيش منه! لكن الله- عز وجل- كفانا وأوانا وأطعمنا وسقانا بحوله وقوته.. وعشنا هذه السنوات العشر على أمل اللقاء مع الزوج بعد الصبر الطويل والمعاناة والجري وراءه في السجون.. وكنا نعيش الأخبار بمرها، وعلقمها ومعاناتها»[5] (٤).

ومع ذلك ظلت الحاجة عالية ترعى زوجة ابنها وأولاده حتى أفرج عنه عام ١٩٦٤م بعفو صحي، فعادت إليها الابتسامة بعض الشيء: لكن سرعان ما تم اعتقالها هي وزوجة ابنها وحفيدها الصغير ياسر» في أغسطس ١٩٦٥م بعد أيام من اعتقال ابنها مجددًا؛ إذ بدأ عبد الناصر في اعتقال من سبق اعتقاله منذ عام ١٩٤٨م حتى عام ١٩٦٥م فزج بالآلاف في غياهب السجون، وزاد هذه المرة أن أمر باعتقال ما يقرب من مائتين من نساء الإخوان اللاتي كن يقمن برعاية أسر المعتقلين. 

يقول المهندس محمد الصروي: «السيدة عالية «٦٥سنة»، والدة الأخ جودة، اعتقلت لأن أحد الضباط حضر لاعتقال زوجة ابنها بعد اعتقاله مرة ثانية ولما ناقشت السيدة عالية الضابط عن سبب اعتقال زوجة ابنها وهي أم لأولاد صغار ورضيع عمره أربعين يومًا. فضلًا عن أنها لا تزال في فترة النفاس، فقام الضابط بالقبض عليها!! إي والله، ثم اقتادها إلى قسم السيدة زينب حيث تم ترحيلها بعد ذلك إلى معتقل النساء ومن ثم إلى سجن النساء بالقناطر[6].

وتقول السيدة زينب حسانين- زوجة ابنها: ركبنا معهم عربة الترحيلات التي لا تليق بالآدميين، وذهبنا إلى قسم السيدة زينب... وهناك في تخشيبة قسم السيدة وجدنا الأخت الحاجة أمينة الجوهري، حرم الأستاذ محمود الجوهري أمين عام قسم الأخوات المسلمات «قبل عام ١٩٥٤م» وبعد قليل ثم ترحيلنا في الفجر إلى معتقل القلعة» حيث التعذيب الرهيب ومررت أنا ورضيعي وحماتي على مشاهد التعذيب البشعة.. ثم وضعونا ومعنا الأخت «أمينة» في زنزانة مظلمة وبعد وقت قليل أخذونا ثانية. نحن النساء- ومعنا الرضيع في «عربة لوري» ظلت تمر على كل أقسام الشرطة بالقاهرة لتجميع المعتقلات من النساء، فجمعوا عددًا ضخمًا طوال النهار وجزءًا من الليل، ونحن قابعون في العربة.. ولا تسألني هل أكلتم شيئًا أو شربتم شيئًا!! أو ماذا فعل الرضيع!! وتنهدت وقالت: «حسبنا الله ونعم الوكيل حتى صار الوصول إلى سجن النساء أملًا كبيرًا لنا[7].

 وقد أفرج عن الحاجة عالية لكبر سنها وزيادة المرض عليها، وقد علم جودة أن أمه وزوجته قد اعتقلتا بعدما قام بعمل توكيل لهما لصرف راتبه غير أن التوكيل عاد له مرة أخرى.

موقف جريء

ومن مواقفها في السجن ما يذكره جودة بقوله كانت أمي تأخذ علاجًا من مرض معين، وبعد أسبوع من دخولها سجن القناطر جاءها الدكتور فذكرت له ما عندها فصرف لها ٣ حبات «برشام»، مما دفعها لقذفه بالحبات الثلاث في وجهه لعدم تقديره لظروفها الصحية فاتجه إلى الإدارة يشكوها وعندما عاد مأمور السجن لتكديرها وجد أن كل الأخوات تضافرن معها فآثر السلامة وانصرف[8]

خرجت عالية من السجن بعد شهرين بيسبب مرضها وكبر سنها مكثت مع زوجة الأستاذ محمد البحيري، والذي كان معتقلًا حتى خرجت زوجة ابنها بعد ستة أشهر فعادت إلى البيت مرة أخرى.

في ظل الدعوة

خرج جودة من السجن عام ١٩٧١م وهنأت الأسرة بخروجه وتحملت الصعاب ومواجهة الحياة حتى فتح الله عليهم من فضله، وعمل الابن في مصنع جديد، وظل به حتى بلوغه سن المعاش، غير أن الأمراض تكالبت على الحاجة عالية، ومع ذلك كانت تدفع ابنها للعمل في ظل الدعوة والبحث عن مظلة الإخوان. 

وظلت هكذا حتى كان عام ١٩٨٢م حيث وافتها المنية وشيعت جنازتها لتستقر إلى جوار زوجها في مقابر «أبناء الصنافين» بالدراسة.. رحمها الله رحمة واسعة وجزاها الله خير الجزاء.

الرابط المختصر :