; عام على التحرير | مجلة المجتمع

العنوان عام على التحرير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992

مشاهدات 78

نشر في العدد 990

نشر في الصفحة 4

الأحد 23-فبراير-1992

بعد مضي سنة من تحرير الكويت نقف نحن الشعب الكويتي لنرى أنفسنا من جديد.. لقد كانت سحب الدخان تغطي بلدنا وآبارنا مشتعلة والدمار في كل مكان والبنية الأساسية محطمة، والحياة اليومية مشلولة وكان الأمن الداخلي في هذا البلد منفرطًا لعدة شهور وجزء كبير من الشعب في أيام التحرير مشتت في الخارج، وها نحن اليوم بعد السنة الأولى من التحرير نرى واقعًا جديدًا بفضل الله وكرمه؛ حيث انقشع الدخان الأسود وأطفئت الآبار وعادت الحياة طبيعية كما كانت قبل ۲ أغسطس ۱۹۹۰، كما أن الكهرباء والماء والخدمات الأساسية توفرت بشكل شبه كامل في جميع أنحاء البلاد، والتقى أهل الخارج بالمرابطين في داخل الكويت والتأم الشمل وانتهت آلام الشدة والغربة، وما زال الكويتيون يصرون على وحدتهم وشرعيتهم وترابطهم.

وثمة علامة بارزة وإيجابية بعد سنة من التحرير وهي رفع قلم الرقيب عن صحافتنا المحلية، الذي مارس منذ أوائل التحرير دورًا لا يقل عن دور البعض في زرع الآلام فينا، كما أن مشوار السير للعمل بالدستور قد بدأ ولم يحدث أي تعديل للدوائر الانتخابية وفتحت مقرات التسجيل للانتخابات القادمة.

وفي المقابل فإننا بعد سنة من التحرير ما زلنا نمارس نفس الدور من الأداء في مشاكل حيوية وإنسانية، فأسرانا مازالوا تحت أقبية سجون الطاغية العراقي وجهدنا لإطلاق أسرانا لا يعدو أن يكون جهدًا مماثلًا لأي قضية عادية.. نحن بعد سنة من التحرير مازال شبابنا وأطفالنا يتخطفهم الموت من كل مكان في مربعات دوائر الألغام المثبتة في جنبات وطننا، وبالرغم من بذل جهد ملموس في القضية إلا أن النتائج مازالت محدودة، وقضية حيوية لبقاء مجتمعنا مستقرًّا لم تحسم بعد وهي: هل تغير النظام العراقي الذي سبّب كل هذا البلاء؟ إنه مازال يمارس دوره الإجرامي على الشعب العراقي ويهددنا بين الفينة والأخرى، وإذا كانت معركة التحرير قد انتهت بهزيمة النظام العراقي إلا أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، والنظام العراقي مازال باقيًا وهذه هي السنة الأولى بعد التحرير، فهل سيبقى هذا النظام بارتهان دول المنطقة في معادلات سياسية جديدة؟ إننا بعد سنة من التحرير نعيش معادلة أمنية جديدة غير مستقرة، فبالرغم من مجموعة الاتفاقيات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلا أن الأمن الحقيقي- والمبني على وحدة المنطقة في الدفاع عن نفسها واستنهاض ذاتها وصهر إمكاناتها البشرية والمالية والاستراتيجية والذي كان أحد آمال شعوب المنطقة من وحدة خليجية مستقبلية- هذا الأمن المطلوب لم يستقر بعد في مشروع عملي، لقد كانت آمال الجميع بعد التحرير أن تمر السنة الأولى وأن يكون لدينا الجيش الخليجي الموحد إلا أننا ما زلنا بانتظار السنة الثانية ولعله يكون قريبًا.

وعلى الصعيد الداخلي أيضًا ومنذ بدء التحرير إلى اليوم والمجتمع الكويتي يخوض حوارًا متفاعلًا في قضايا حيوية لإعادة تنظيم شؤونه وتحديد هويته وهذا الحوار الصاخب يجد تباحثًا من أصحاب الشأن في الدراسة وتقرير الأوضاع بصورة سليمة.. ما زلنا نعيش طبقية الجنسيتين الأولى والثانية ومازالت خمس آلاف عائلة تحتضن بنات الكويت معلقة بانتظار القرار السليم وعشرات الآلاف من فئة البدون يعيشون نفس الإطار السابق من عدم التحديد والبت في قضيتهم.. إننا ما زلنا نعيش أزمة قرار في قضايا حيوية وإنسانية تتفرع منها مشكلات نفسية واجتماعية وتربوية وأمنية.

إن مرور السنة الأولى على التحرير تدعونا إلى قضايا مهمة وحيوية في أن نضع مفهوم التحرير في وضعه الحقيقي، فإن التحرر من هيمنة واحتلال طاغية العراق هو مرحلة واحدة من مراحل التحرير الحقيقية، وإننا ندعو أبناء وطننا حكومة وشعبًا إلى:

أولًا: تحرير وطننا من حاجته الملحة لأمن حقيقي بالعمل الجاد لإيجاد صورة حقيقية من الاعتماد على الذات وعلى شعوب وحكومات إخوتنا في منطقة الخليج.

وأن نحرر أنفسنا من الارتهان لمتغيرات التخطيط الاستراتيجي للقوى الأخرى القادرة على صياغة معادلات أمنية تخدم مصالحها وأغراضها.

ثانيًا: ندعو أنفسنا أن نتحرر من هيمنة القانون الوضعي لتحكمنا شريعة الله، فهويتنا مرسومة في الدستور ومزروعة في التاريخ منذ قرون منذ نشأة هذا البلد، والإسلام ديننا ومنهج حياتنا وإننا لنأمل من اللجنة الاستشارية التي شكلت بمرسوم أميري أن تضع هذا المشروع الحيوي موضع التنفيذ وما ذلك على الله بعزيز.

ثالثًا: كما ندعو أنفسنا لتحرير ذاتنا من آلام المحنة ومخلفاتها وما رسمته في عقل البعض منا وفي عاطفته من صور الظلم في الحكم على الناس والأشياء والمبادئ.. إننا مدعوون للتحرر من عاطفة الغضب والألم لنحكم على الأمور بالحكمة والمصلحة الحقيقية وأن يكون لنا النظر البعيد في تحديد مسار العلاقات بيننا وبين شعوبنا العربية والإسلامية وأن تكون مظاهر الولاء والبراء تحكم النظر المصلحي والفقهي دون أن يخل أحدهما بالآخر.

وقضية أخيرة في تحرير أنفسنا من الفهم المغلوط للرؤية الإيمانية في فهم قضية التحرير وهي أن الاعتبار بالآيات والسنن الكونية قضية إيمانية نحتكم لها حتى لا يتطاول البعض على قدر الله ورحمته بنا، فإننا شعب ابتُلي وصبر وللابتلاء سنن، وللقرى إذا ما ظلمت وابتعدت عن أمر الله فإن لها من أمر الله نصيبًا فلا نغتر بصلاح بعضنا وجودة معدننا أمام سنن الله الغالبة.

إن من الواجب علينا تحرير أنفسنا من غشاوة النعمة المستطابة والنصر المبين لنرى واقعنا الحقيقي ونعتبر ونتبصر، فلله في خلقه شؤون ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:2)، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143).

إن منهجية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي السبيل الحقيقي لبقاء المجتمع وأمانه ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود:116).

الرابط المختصر :