الأحد 22-ديسمبر-1991
- منطقة البلقان تضم أكبر تجمع للمسلمين
الأوروبيين.
- إن الحركة الإسلامية بفصائلها جميعًا لا
تزال دون مستوى التحديات الكبرى القائمة تجاهها.
من أبرز معالم عام 1991م أنه شهد بداية المرحلة الأخيرة لانهيار الشرق
ونواة كتلة أوروبية في إطار «الشمال» وازدياد التمزق في المنطقة الإسلامية وازدياد
التخلف في مجموع «الجنوب».
وقد اقترنت نهاية العام بنهاية وجود الاتحاد السوفيتي كدولة، واستقرار
معالم البديل: رابطة الدول السلافية الشرقية روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء
المنتظر أن تجد دعمًا غربيًا كبيرًا يفضي إلى اندماجها الكامل في شريط الشمال ما
بين كاليفورنيا وحدود الصين.. والمنتظر أيضًا أن تكون مصدر هيمنة على بقية
الجمهوريات الوليدة الأضعف إلى الجنوب منها، بفضل سيطرتها نتيجة المخططات الشيوعية
السابقة، على أكثر من 80% من مجموع حجم الإنتاج في الدولة السوفيتية المنهارة، رغم
توفر زهاء 80% من مجموع المواد الخام ومصادر الطاقة في الجمهوريات الإسلامية الست
المستقلة وفي مناطق إسلامية تعادلها مساحة تقريبًا، ولكنها تقع داخل الاتحاد
الروسي في الدرجة الأولى.
كما اقترنت نهاية العام بحدثين رئيسيين على المستوى الأوروبي الغربي،
أولهما تكوين أكبر كتلة تجارية عالمية من 19 دولة، يسكنها حوالي 17% من سكان
العالم، وتسيطر على زهاء 60% من مجموع الحركة التجارية فيه.. وثانيهما تعبيد
الطريق أمام تحقيق اتحاد أوروبي نواته دول الرابطة الأوروبية الاثنتا عشرة الأعضاء
وأبوابه مفتوحة للانضمام التدريجي من جانب دول أوروبية أخرى تبدأ بالنمسا والسويد،
وتنتهي بدول البلطيق وربما بالدول السلافية (1) الشرقية الثلاث (2) نفسها..
واحتمال استكمال توحيد أوروبا كبير، رغم المعارضة البريطانية المبدئية التي باتت
«تقليدية».
أما منطقة البلقان التي تضم فيما تضم تجمع المسلمين الأوروبيين، في
يوغوسلافيا 4. 5 مليون، وفي بلغاريا 2 مليون فسوف تكون -على ما يبدو- شريطًا
عازلًا ما بين الشمال وحضارته المادية، والمنطقة الإسلامية بين المحيطين وما فيها
من إرهاصات أولية لتجدد الحضارة الإسلامية.
الشمال والجنوب
ورغم ما يقال منذ أكثر من عشرين سنة -ولا يزال يقال- بشأن تخفيف هوة
التخلف والتقدم بين الشمال والجنوب، فلا يبدو أن المرحلة المقبلة ستختلف عن
المرحلة السابقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تميزت بحملة كبرى
لاستغلال خيرات الجنوب وطاقاته لصالح الشمال، ولم يكن يوجد في ذلك فارق ما بين
الشيوعية التي جعلت نسبة مستوى المعيشة في دول البلطيق أو تشيكوسلوفاكيا وبولندا
تعادل زهاء ثلاثة أضعاف ما هي عليه في طاجكستان أو ألبانيا.. وبين الرأسمالية التي
خلفت الجزء الأعظم من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية تحت ثقل 1500 مليار
دولار من الديون، وزهاء 500 مليون مشرد وأكثر من ذلك من الجائعين المحرومين، فضلًا
عما لا يحتاج إلى تعداد من مظاهر التخلف الأخرى على كل صعيد. والأرجح أن تشهد
المرحلة المقبلة مزيدًا من الاستغلال الشمالي للجنوب نتيجة الحاجة الكبرى إلى
تغطية النفقات الهائلة التي كانت ضرورية للتخلص من الانهيار الاقتصادي الذي خلفته
الحرب العالمية الثانية في أوروبا قبل بضعة وأربعين عامًا.
مؤتمر القمة الإسلامي
واقترنت نهاية عام 1991م بعقد قمة منظمة مؤتمر العالم الإسلامي الذي
كان من المفروض أن يعتبر أخطر مؤتمر للمنظمة التي مضى بضعة وعشرون عامًا على
تأسيسها، وكان آخر تلك الأعوام عام حرب الخليج الثانية، وعام الشروع في أضخم مشروع
باسم «إحلال السلام» في أرض فلسطين المغتصبة وما حولها.. ولكن المؤتمر الإسلامي لم
يسفر إلا عن البيان التقليدي، ليسجل -كالمعتاد- سلسلة من مواقف التضامن دون
أن يضع أسسًا مرئية للتخلص من شرخ واحد من الشروخ القائمة في جسد الأمة الإسلامية،
أو يضع معالم واضحة لبداية طريق يؤدي- يومًا ما- إلى الانتقال من سياسة المحاور
الآنية إلى سياسة التلاقي الواقعية على حد أدنى مشترك، يمس قضية من القضايا
الغذائية، أو الزراعية، أو الصناعية، أو التقنية أو حتى الفكرية، بحيث ينعكس على
أرض الواقع بصورة منظورة.
حملة شاملة
ولا يمكننا تجاوز عام 1991م دون أن نسجل- دون تفاصيل- أنه شهد تجدد
الحملة على الصحوة الإسلامية ومجموع التيار الإسلامي، مما لا يقتصر على الأحداث
المتلاحقة في شمال إفريقيا، بل يعبر أرض الحريات الغربية في مثل فرنسا، ليصل إلى
قلب الجمهوريات الإسلامية الآسيوية الحديثة الاستقلال، والتي صرح أكثر من رئيس من
رؤسائها بأنهم لن يسمحوا لتيار الأصولية المتشدد بالانتشار.. وهم يتحدثون في بلاد
لا تكاد تجد ما يكفي من المعلمين لدين الإسلام فضلًا عن انتشار تيار متشدد فيها!
ولا نعتقد أن كبرى ظواهر المرحلة المقبلة هي التركيز المكثف المنتظر
على القضايا البارزة مباشرة للعيان، كما في فلسطين وأفغانستان وأمن الخليج والقرن
الإفريقي وحكايات التعددية في شمال إفريقيا.. إنما نعتقد بأن الجهود ستمتد إلى ما
يمكن وصفه بسد السبل أمام احتمالات التطور في اتجاه تقدم مادي تقني على وجه الخصوص
والسعي لإضعاف أي شكل من أشكال التقارب والتوحيد، ولو كان على مستوى الأنظمة فقط..
إن الحملة الدولية الكبرى في الوقت الحاضر، تحت عنوان «منع انتشار الأسلحة النووية وضبط تصدير
الأسلحة التقليدية» لا تكاد تتجاوز نطاق البلدان الإسلامية بالذات والأبعد من ذلك
أنها تنصب في جانب الحيلولة دون انتشار التقنية الحديثة في الأقطار الإسلامية وليس
الأسلحة الحديثة فقط ولا تنقطع في الوقت نفسه الجهود الخفية والعلنية، لإضعاف
مظاهر التقارب، ولو كان إقليميًا، فنجد البطء الملحوظ في خطوات مجلس التعاون
الخليجي لتحقيق جزء رئيسي من عناصر «تعاون» في المجال العسكري خاصة، اعتمادًا على
الطاقة الذاتية أو العربية والإسلامية.. ونجد الاتحاد المغاربي يتعرض للهزات
المتوالية- وآخرها قضية «لوكربي» وليبيا- بما يمنع الانتقال من مستوى التنسيق
المبدئي الراهن إلى مستوى خطوات فعالة في اتجاه وحدوي.
أما التحرر الداخلي فلا يكاد يجد بصيص ضوء تحت عناوين التعددية
والديمقراطية -بغض النظر عن تقويمهما إسلاميًا- إلا ويواجه مباشرة من النكسات ما
يفرغ الخطوات القليلة المتخذة من محتواها، ويحفظ للسيطرة الفردية أو الحزبية اليد
الطولي في اتخاذ القرارات الحاسمة في مصير الشعوب والبلاد.
ولقد كان من أبرز العلامات الظاهرة للعيان مؤخرًا، وذات المغزى
بالنسبة إلى الأوضاع العالمية والإسلامية، أن مؤتمر قمة حلف شمال الأطلسي في روما
انعقد بكافة زعمائه، ووضع صيغة عامة جديدة للسنوات المقبلة.. وأن مؤتمر قمة
الرابطة الأوروبية في ماسترخت انعقد بكافة زعمائه، ووضع صيغة عامة للسنوات المقبلة..
أما قمة منظمة مؤتمر العالم الإسلامي في داكار، فقد تغيب عنه أكثر من نصف الرؤساء
والملوك والأمراء، في بضعة وأربعين بلدًا إسلاميًا تواجه وأهلها أعظم
التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، من داخل أرضهم وفي عالمهم
وعصرهم، فلم يتجاوز مؤتمر داكار حدود البيان التقليدي -كما أسلفنا- فضلًا عن
وضع صيغة مستقبلية شاملة.
الحركة الإسلامية والتحديات
ويؤلمنا في ظل هذه الظروف أن نقول أيضًا: إن الحركة
الإسلامية بفصائلها جميعًا التنظيمية القطرية والعالمية التقليدية منها والجديدة،
الجهادية أو السياسية أو حتى الخيرية، لا تزال دون مستوى التحديات الكبرى القائمة
أيضًا، فلا يكاد يمكن تبرئتها من حمل جزء من المسؤولية عن كثير مما ذكرنا من
تدهور في منطقتنا الإسلامية وفي عالمنا وعصرنا.
وأسوأ ما يرد من التبريرات لذلك القول بضخامة العقبات والعراقيل
الخارجية، وكان رجالات العمل الإسلامي يقولون: لا نستطيع الإنجاز على المستوى
المطلوب إلا إذا انتهى وجود العداء للإسلام والمسلمين، أو كأننا نجهل أن عمالقة
الدعوة إلى الله في المرحلة الماضية قد أنجزوا ما أنجزوا رغم العقبات والعراقيل
ذلك أن «مبرر» وجود أية حركة من الحركات هو العقبات التي تحمل الحركة رسالة تحقيق
الأهداف الكبرى رغم وجودها، فكيف بحركة تحمل رسالة الهداية والعدالة والتحرر
والتقدم ورسالة الخير في الدنيا والآخرة للعالمين كافة؟
إننا نحمل الآن.. الآن.. في جيلنا هذا، في عالمنا هذا، في عصرنا هذا،
مهمة تحقيق الرسالة الإسلامية الحضارية الإنسانية الشاملة للمسلمين والبشرية.
نحمل الآن مهمة طرح التصورات الإسلامية الواقعية الملتزمة بالإسلام
عقيدة ومنهجًا، المستوعبة للعالم والعصر بواقعه وواقع القوى المؤثرة فيه استيعابًا
موضوعيًا قائمًا على دراسات تقويمية متجددة دائمة، وعلى نظرة شمولية لا تغفل عن
الجزئيات المهمة، وأهداف بعيدة لا تتجاهل الممكن تحقيقه في واقع الحياة اليومية
للمسلمين ومشكلاتهم التي يعانون منها في مختلف المجالات وعلى وسائل جديدة مبتكرة
في كل يوم تبعًا لما يشهده العالم والعصر من تطور سريع في كل يوم.
نحمل الآن مهمة تحقيق تلك النقلة المرجوة من دعوة المبادئ إلى دعوة
المبادئ والحلول العملية معًا، ومن المناهج التربوية العقيدية والخلقية إلى
المناهج التربوية ومشاريع النهضة التقنية المادية معًا.. نحمل مهمة تحقيق التحول
الكبير على الصعيد الإسلامي والبشري، ولا نكاد نرى مرحلة من حياة المسلمين
وحياة البشرية أحوج من المرحلة الحالية لطرح الصيغة الإسلامية الحضارية
الإنسانية، كما لا نكاد نرى فرصه المتاحة الراهنة لتثبت هذه الصيغة وجودها
اعتمادًا على إيجابيات كبرى قائمة.. إلى جانب ما يكبر في أعيننا من سلبيات صادرة
عن عقبات وعراقيل خارجية.
وإنما تتحقق تلك النقلة المرجوة من خلال نفاذ التيار الإسلامي
برجالاته وحركاته، وبتيار المفكرين والمتخصصين المسلمين في كل مكان إلى أعماق
الواقع اليومي للمسلمين وواقع الإنسان في عالم، لم يكد يخرج من عصر الحرب الباردة
بين الشرق والغرب، إلا وقد سادت فيه معالم حرب باردة أشد وأخطر وأكبر فتكًا بين
الشمال والجنوب، والتي باتت الديون الخارجية من أسلحتها، والتقنية الحديثة في
مقدمة ميادينها، وظاهرة هجرة الجائعين، وهجرة «الأدمغة» في مقدمة نتائجها.
إننا نرى السبيل لأداء الأمانة التاريخية
في مواجهة التحدي المعاصر الكبير في أن يتحول التيار الإسلامي، وسط الظروف المحيطة
به، من تيار النخبة التي يتجاوب الشعب معها إلى تيار الشعب الذي تولد النخبة من
أعماقه، ومن تيار التنظيم الذي يثبت وجوده عبر إنجازاته وتضحياته إلى تيار
الإنجازات والتضحيات التي تكون التنظيمات من وسائلها.. لتتحول الأهداف الإسلامية
العزيزة المطروحة من أهداف حركية إسلامية إلى أهداف إسلامية حركية وشعبية مشتركة
ولتتلاقى الجهود على أرض الواقع تبعًا لقيمتها الذاتية، بغض النظر عن مصادرها،
ويكون مقياس تقويمها هو مدى فعاليتها على ساحة الأحداث والتطورات لا أن يكون وفق
نظرة أصحابها لها هل هي صالحة أم لا.. فآنذاك يمكن أن يتجاوز التيار الإسلامي
حلقات الحصار المرئية وغير المرئية والمعيقات الداخلية والخارجية، ويرتبط ارتباطًا
وثيقًا بأهداف الإسلام الكبرى ومصلحة المسلمين العليا، كما يرتبط أيضًا بمصلحة
الإنسان في دنياه، التي سخرها رب العالمين للمؤمن وسواه على السواء، وجعل الجزاء
الأوفى في الآخرة لمن اقترن عمله الصالح بإيمانه بالله، إيمانًا لا يتزعزع، ولا
يسمح لنا بالشك لحظة واحدة في أن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء، وأن العاقبة
للمتقين، وأن الله- عز وجل- مظهر دينه ولو كره الكافرون.