العنوان عبد اللطيف الدعيج يهاجم الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1972
مشاهدات 69
نشر في العدد 94
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-أبريل-1972
عبد اللطيف الدعيج يهاجم الإسلام
أخطأ الدعيج في الطريقة المنهجية.. وأخطأ في التحليل والاستنتاج.
وهو يكتب عن «الأسرة والمرأة» في المجتمع الكويتي حاول السيد عبد اللطيف الدعيج في الزميلة «السياسية» أن ينال من الإسلام.. وأن يثير قضايا فكرية واجتماعية في هذا الصدد ويقدم الماركسية حلًّا وعلاجًا، وأمس نشرت الزميلة «السياسة» دراسة موضوعية للأستاذ مشاري محمد البداح رئيس تحرير «المجتمع» يصد فيها هجوم عبد اللطيف الدعيج، ويصحح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام.. وينقل المعركة الفكرية.. إلى أرض الماركسية، واليوم تنشر «المجتمع» الجزء الأول من الدراسة.. وفي العدد القادم تنشر الجزء الثاني بإذن الله.
عام ۲۰۰۰ أو بعد ذلك بقليل قام كاتب - لنفترض ذلك- بحملة نقد يحلل فيها أوضاع المجتمع الكويتي ويردها إلى عللها الأولية، وركز نقده مثلًا على موضوع الجنسيتين، ذات الدرجة الأولى ...وذات الدرجة الثانية.. ثم خرج بنتيجة تقول: إن المجتمع الكويتي خاضع في علاقاته وتركيبه ونظرته إلى الحياة والناس إلى مواريث إسلامية ومن ثم فإن الإسلام هو الذي كَرَّسَ هذه التفرقة العجيبة بين الناس وبارك قانون الجنسيتين.. ذات الدرجة الأولى وذات الدرجة الثانية!!
قبل أن يغشى القراءَ ما يغشاهم من العجب لموقف هذا الكاتب نُنهي إليهم أن السيد عبد اللطيف الدعيج فعل هذا وهو يكتب مسلسله عن الأسرة والمرأة في المجتمع الكويتي في جريدة «السياسة» أي أننا نواجه الآن موقفًا مماثلًا لموقف كاتب ما بعد الألفين في الغرابة والطرافة، كاتب ما بعد الألفين أخطأ المنهج العلمي في البحث وأخطأ التحليل والتعليل وبالتالي خرج بنتيجة تحمل أثقال الخطأين الجوهريين وتَرسُف في أغلالهما، ولو أن هذا الكاتب درس الإسلام بموضوعية وفي شمول وإحاطة.. ورد قضية الجنسيتين إلى علتها الأساسية لعلم أن الإسلام سوى بين الناس في نصوص محكمة.. وأن مثل هذه التفرقة لا صلة لها البتة بقيمه ومعاييره، وعبد اللطيف الدعيج يقف اليوم نفس الموقف وهو يحلل أوضاع الأسرة والمرأة في المجتمع الكويتي حيث سارع إلى تحميل الإسلام تبعة الظروف السيئة التي عاشتها المرأة.. ولا تزال تعيشها، لماذا؟! لأن الإســلام هـو الذي يحكم العلائق الاجتماعية في المجتمع الكويتي ويؤثـر بتوجيهاته في تصورات الناس وأفكارهم ..
ومن ثم فهـــو المسؤول عما تعانيه المرأة، ابتداءً نقرر حقيقة ثابتة وهي أن الإسلام نفسه ينظر باستياء واستنكار كبيرين إلى الأوضاع المتخلفة التي تعيشها المرأة في الكويت ضمن نظرته الشاملة إلى المجتمعات التي تنتسب الى اسمه في دائرة الشكل.. وتَنِدُّ عن الالتزام بحقائقه وقيمه في دائرة التطبيق والعمل.
إن المسلمين المستنيرين أكثرُ ضجرًا بأوضاع المرأة من السيد عبد اللطيف الدعيج.. وهم إذ يوافقونه على مبدأ النقد، لهذه الأوضاع الموغلة في التخلف والانحطاط يختلفون معه أعمق الاختلاف في تبسيط المشكلة والتعجل في تقديـم الماركسية حلًّا وعلاجًا، إذ إن الماركسية ذاتها مشكل جديد يضاعف حدة المآسي التي تعيشها المرأة ويصيبها بعاهات خطيرة في خصائصها الإنسانية وبعد قليل سيتضح المحتوى العلمي لهذا التعبير.
إن التمشي مع طريقة كاتب ما بعد الألفين.. وبالتالي طريقة عبد اللطيف الدعيج في البحث والتحليل والاستنتاج لا تقود إلى تقويم صحيح ولا إلى حكم سديد.. ويؤدي في الوقت نفسه إلى وضع صاحبيه أمام أسئلة محيرة.
· إن الإسلام قد فرض على المسلمين النظافة فرضًا وألزمهم بها إلزامًا مُطَّرِدًا… وحبب إليهم الجمال في كل شيء لأن «الله جميل يحب الجمال» فهل الإسلام والحالة هذه هو المسؤول عن المجتمعات المتسخة التي تنتسب إليه.. وهل هو المسؤول عن مظاهر القبح التي تعلو المدن والقرى في تلك المجتمعات . . . وهل من الضروري إذا أرادت هذه المجتمعات أن تعود إلى الالتزام بنظافة الإسلام وتتحلى بإيحاءاته الجمالية.. هل من الضروري أن تأخذ باللوائح التي أصدرتها بلدية موسكو عام ١٩٦٧ والتي تفرض غرامة تتراوح بين ۲٥ إلى ۱۰۰ روبل ضد كل من يبصق في الشوارع أو يلقي بأعقاب السجائر على الرصيف.. أو يعلق ملابسه في الشباك المطل على الشارع أو يركب السيارات العامة بملابس متسخة؟
· ويضج عبد اللطيف الدعيج كما يضج كثير من الشباب الكويتي والعربي من تسلط الشركات الأجنبية على مقدرات الأمة.. فهل الإسلام هو المسؤول عن هذا الوضع المهين؟
قبيل استقلال الجزائر كان المستعمر يوغل في إذلال الشعب الجزائري ويحتكر إدارة أصغر المرافق.. وكنت تشاهد مثلًا لافتة على أحد المقاهي وقد كتب عليها باستفزاز واضح: مقهى الحج أحمد أبو جندول بإدارة الأرملة الفرنسية فلانة، فهل الإسلام هو المسؤول عن هذا؟
الإسلام يقول لأتباعه: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩) بمعنى أن طبيعة الإيمان ترفض سيادة المستعمر، وطغيان الشركات الأجنبية على مقدرات المسلمين، من أهم المرافق إلى أدناها، فهل إذا تنازل المسلمون عن حقوقهم ورضوا بأن يكونوا هم الأدنَينَ عمالًا لدى الأجانب الطامعين.
فما هو ذنب الإسلام هنا وهو الذي دعاهم بحرارة إلى أن يكونوا هم الأَعلَينَ؟.
· وجاوز الإنسان الأرض واخترق الجاذبية وارتاد الفضاء بينما لا يزال بعض المسلمين يسأل هل الصعود إلى القمر حرام أم حلال؟ فهل الإسلام هو المسؤول عن هذا الجهل القبيح وهو الذي دفعهم بحرارة إلى السيطرة على ما في السموات والأرض، لأن الله سخر لهم ما في السموات وما في الأرض ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الذاريات :آية 13) وأدار أبصارهم وعقولهم بقوة وركزها على النظر في الطبيعة وملاحظة ظواهرها وأشيائها المختلفة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يونس: آية 101).
· والفتاة في كثير من المجتمعات التي ورثت الإسلام إرثًا تزوج بطريقة بيع الأثاث... لا رأي لها... عطل التخلف قدرتها على الاختيار... والمعارضة... فإذا شذت واعترضت قوبل موقفها بتشنج محموم... فهل الذين يفعلون ذلك بالفتيات كانوا يقتدون بالرسول عليه السلام ويتخذون من المجتمع الإسلامي الأول مثالًا لموقفهم وسلوكهم...
إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبطل زواجًا تم على أساس إكراه الفتاة على زوج لا تريده...
· وفي المجتمعات التي ورثت الإسلام إرثًا تهدر الكفاءات.. ويقدم الذي هو أدنى على الذي هو خير... فهل الإسلام مسؤول عن هذا الاختلال الشنيع في المعايير؟
إن الإسلام اعتبر تقديم التافهين والعجزة... على النابغين الأكفاء في تولية المناصب وإدارة المرافق المختلفة اعتبر ذلك خيانة لله ورسوله والمسلمين.. كما قرر أن إسناد الوظائف الهامة إلى أناس غير مناسبين لها إيذان بخراب المجتمعات وزوال الحياة.
· الإسلام حرم في حسم وحرارة ووضوح تقديس الأشخاص والغلو في تمجيدهم فهل هو المسؤول والحالة هذه عن الجموع الغبية التي تتخذ من أضرحة الموتى مَطَافًا، ومن غبار الأضرحة بركة... وهل هو المسؤول عن الوثنيات السياسية التي انتشرت في العالم الإسلامي بشكل مذهل وأقامت المباخر الوثنية حول أشخاص طموحين يلتذون برؤية الجماهير راكعةً تحت أقدامهم أو هاتفةً بحياتهم.. أو معلقةً مصيرها على وجودهم... وهل الإسلام مسؤول عن وثنية المسلمين الذين يطوفون بضريح لينين ويقفون في بلاهة أمام الصنم؟
لقد جانب الحق والصواب عبد اللطيف الدعيج وهو يحاول إلقاء تبعة الأوضاع المختلفة.. على الإسلام.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الأفراد النشطين في المجتمعات العربية يعتنقون مذاهب مناوئة للإسلام... بينما الإسلام في حاجة ملحة إلى نشاطهم وجهودهم لأنه فعلا يريد رجالًا موفوري النشاط... بهم نزعة قوية إلى كسر طوق التقاليد السائدة باسم الإسلام... والمعوقة لتعاليمه في نفس الوقت، ولا شك أن هناك معوقات وظروفًا أدت إلى أن ينصب جهود ونشاط أفراد نشطين من هذه الأمة في مجرى غير مجرى الإسلام.. ومن هذه المعوقات الخرافات والأساطير التي اندست في ثقافتنا فنفر الشباب من الإسلام كله... ومن هذه المعوقات مسالك بعض الأسر المتدينة تدينًا مغلوطًا والتي حاولت قهر شبابها وإلزامه بأوضاع وتقاليد ليست من الإسلام... ولكنها انتحلت اسمه... فظن أن هذا هو الإسلام ... ومن ثم كان رد الفعل عنيفًا... ومع تقدير كل هذه العوامل فإن الالتزام الموضوعي بحقائق الكون والحياة ومقاييس البحث والنقد يمنع أصحابه من إطلاق الأحكام العامة بناء على تصور جزئي لقضية ما...
الخطأ الجوهري
والخطأ الجوهري في نقد عبد اللطيف الدعيج لموقف الإسلام – كما يتصوره هو- من المرأة هو: أنه وقع على هذه الجزئية من الإسلام... بل وقع على جزئيات صغيرة من هذه الجزئية، وأخذ يكيل التهم للأوضاع التي فرضت التخلف على المرأة... وفي غير استقراء صحيح قفز إلى ربط هذه الأوضاع بالإسلام.
إن قضية شهادة المرأة ونصيبها في الميراث... وقوامة الرجل إلخ أجزاء من موضوع المرأة... وموضوع المرأة كله جزء من النظام الاجتماعي في الإسلام... والنظام الاجتماعي جميعه شريحة واحدة من شرائح التصور الإسلامي العام للإنسان... ومركزه في الكون... وقيمته الذاتية... ورسالته في الحياة.
والموقف الفلسفي الأساسي لأي دين أو مذهب من الإنسان هو الذي يحدد نظرته العامة لهذا الإنسان كما يحدد طريقة التعامل معه، فالماركسية -مثلًا- تتصور المرأة وتتعامل معها على أساس التصور الفلسفي للنظرية تجاه الإنسان بصفة عامة...
والإنسان في التصور الإسلامي مكون من شقين شق... مرأة.. وشق.. رجل.. ومن هنا كان السؤال الموضوعي حتى في حالة افتراض سلامة النظرة للموضوع من هذه الجزئية فقط... هو: ما هي نظرة الإسلام إلى المرأة... وما هي معايير التفوق والرقي لنوع الإنسان؟
هذا هو السؤال المناسب... وحين يطرح هذا السؤال ستكون الإجابة بناء على الدراسة العلمية للإسلام كالتالي:
· المرأة المسلمة مسئولة عن عملها.
وبالتالي هي مستقلة وذات إرادة حرة
لا فرق قط ـ طبقي أو غير طبقي؛ ولا تمايز البتـة بين شقي النفس الواحدة في الجانب الإنساني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (سورة النساء :آية 1).
· وإذا كان الرجل الجاهلي قد حقر المرأة لأنه يعتقد أنهـا خلقت من مصدر أدنى من المصدر الذي خلق منه الرجل، وإذا كان الرجل المعاصر يحقـر المرأة بالعبث بها . . والمتاجرة بجسدها من أجل الربح سواء عن طريق الإعلانات أو أفلام العري حيث تأخذ المرأة التـي ترضى أن تصور عارية أجـرًا معينًا على كل لقطة .. سواء تمت المتاجرة على هذا النحو أو عن طريق استغلال حاجـة المرأة ودفعها إلى الدعارة وبيع جسدها لقاء ثمن محدود..
فإن هذه النظرة -الجاهليـة والمعاصرة- للمرأة وليدة إحساس بأن المرأة دون الرجـل في المكانة والاحترام.
أما المسلم الحق فلا يطيـق أبدًا أن يطوف برأسه شيء من هذا التصور الرجعى المتخلف. . لأن القرآن ولد في نفسه إحساسًا بقيمة المرأة . . ولأن تحقيرها يعني - بطريقة مباشـرة- تحقيرًا له ذاته فالسوء فـي بعض الإنسان سوء في كله.
· والمرأة لا تدين بالتبعية للرجل .. لأنها مسؤولة وحدها أمام الله عن أعمالها .. وهذه قضية عقائدية في الصميم. لا مساومة فيها أبدًا ولا تستطيـع المرأة المسلمة أن تجامل فيها رجلًا ما.
والإحساس بالمسؤولية خاصة في المستوى العقائدي ينشئ الاستقلال الأصيل في العمل والخلق والسلوك والتصرفات. .
وقد قال فقهاء الإسلام في مبايعة النبي عليه الصلاة والسلام للنساء بيعة مستقلة قالوا : «بهـذه البيعة المستقلة عن الرجـال، اعتبرهن الإسلام مسؤولات عن أنفسهن مسؤولية خاصة مستقـلة عن الرجال».
والمسؤولية مرتبطة تمامًا بالإدارة الحرة .. وتكليف المرأة المسلمة بأعباء المسؤولية يعني بالضرورة أنها ذات إرادة حرة داخل كيان مستقل.
إن نظرية أعمال المرأة وأخلاقها تدور مع أعمال الرجل وأخلاقه وجودًا وعدمًا . . استقامة وانحرافًا هي نظرية خرافية في ضوء المفهوم الصحيح للإسلام . لأن المرأة المسلمة مكلفة برفض كل شيء.. كل أمر .. كل موقف ..كل سلوك .. يفرضه عليها الرجل، ولكنه يتنافى مع الوفاء بأعباء مسؤوليتها عن أعمالها أمام الله.
ومن الإحساس الديني بالمسؤولية -لا بفعل علاقات الإنتاج كما تتصور الماركسية- تنبثق تبعات أخرى تتحملها المرأة المسلمة في هذه الحياة مثلًا استقلالها في التصرف في مالها الخاص هذا ناشئ عن أن الإسلام حدد سياسة واضحة تجاه التصرف في الأموال وهي عليها أن تمارس استقلالها المالي فيما تملك وفق مسؤوليتها تجاه الالتزام العقائدي بسياسة إسلامها في تصريف الأموال.
بغض النظر عن موقف الأخ أو الأب أو الزوج، يقول ابن حزم في «المحلى» «ولها أن تملك الضياع والدور وسائر أصناف المال بكافـــة أسباب التملك ولها أن تمارس التجارة، وسائر تصرفات الكسب المباح، ولها أن تضمن غيرها وأن يضمنها غيرها، وأن تهب الهبات وأن توصي لمن تشاء من غير ورثتها، ولا اعتراض لأب ولا لزوج على ذلك».
لماذا؟ لأن المال مالها هي مسؤولة عنه وحدها
لا في معية الزوج . . وسوف تلقى الله بمفردها ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (سورة مريم: آية 95)
· وقل مثل ذلك في كل موقف تقفه من الحياة والأحياء، قل مثل ذلك في الزواج والمعاشرة الزوجية .. وقل مثل ذلك في التعليم .. وقل مثل ذلك في إبداء الرأي في الأمور العامة ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية، إن نظرتها تنبثق من إحساسها بالمسؤولية لا من الرغبة فـي إرضاء اتجاه الزوج أو الأب أو الأخ لأنها كمسلمة تعتقد أن رضاء الله هو المعيار الدقيق لكل موقف وكل سلوك، هذا هو التصور العام وفي إطاره تفهـم النصوص والتفاصيل.
· إذا ورد نص في القرآن الكريم ينص على تفضيل الرجال على النساء فليس معنى ذلك أن جنس الرجال أنفس قيمة من جنس النساء فذلك مُنتَفٍ لعدة أسباب :
١- لأنهما من جنس واحد كما ورد آنفًا في آية سورة النساء.
۲ـ إن القرآن الكريم قال كذلك : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (سورة النحل : آية 71) .. فهل معنى ذلك - والفضل لغة هو الزيادة ــ أن الأغنياء المنحرفين أفضل قيمة عند الله من الفقراء المستقيمين ؟؟ طبعًا لا !! بدليل أن الغني المنحرف لا قيمة له في الإسلام ولا عند الله ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ - الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ - يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ - كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ﴾ (سورة الهمزة : آية 1-6).
3- أن تعبير «فضل» في هذا المجال يعتمد كما قال أحد العلماء على حقائق كونية كما نقول مثلًا: الشمس أكبر من القمر، وهذا التفضيل لا يفيد أن القمر حقير ولا أنه مظلم ولا أنه تافه الأثر .. فلكل الكوكبين عمله المنوط به .. وفضله المرجو منه.
4- ولا يوجد مسلم يحمل تدينًا واعيًا يتصور أو يقول بأن الرجل لذاته أفضل مـن كل امرأة على الإطلاق ذلك أن هناك امرأة واحدة تفضل باستقامتها وعملها النبيل ملايين الرجال الفاشلين.
إنني -وأنا مسلم لا أستطيع أن أقول بأن عبـــد اللطيف الدعيج وهو رجلـ أفضل من كل امرأة في الكويت .. بل أستطيع أن أقول بهدى من ديني أن في الكويت نساء يفضلن الرجال بمئات الدرجات لا بدرجة واحدة وهن بعدُ نساء !!
إن هذه التصورات الغريبة أبعد ما تكون عن أذهــان المسلمين الفاقهين لدينهـم بعيدًا عن الخرافات القديمة والحديثة.
· والنقطة الثالثة التي تكمل التصور الإسلامي عن المرأة هي معايير التفوق والرقي بالنسبة للنوع الإنساني، إن للإسلام معاييره لقياس درجة الرقي الإنساني وتفضيل إنسان على آخر.
هناك قديمًا وحديثًا فوارق اللون والجنس والمال والطبقة يتمايز الناس علـى أساسها علوًا وانخفاضًا وهي فوارق متخلفة ترفع مقادیر أناس بغير حق وتخفض قيمة آخرين بغير حق أيضًا ولقد أسقط الإسلام هذه الفوارق تمامًا.
أسقط فارق اللون كمعيار للرقي الإنساني، فقال القرآن الكريم : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾. (سورة الروم:آية 22)
· فاختلاف الألسنة والألوان آية من آيات الله، وليس معيارًا يقفز الناس به إلى أعلى لأن لونهم أبيض .. أو أصفر.
· وأسقط فوارق الجنس فقال القرآن الكريم : ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات:آية 13)
· وأسقط فوارق المال فقال القرآن الكريم : ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾. (سورة سبإ: آية 37)
· وأسقط الفوارق الطبقية سواء بالمفهوم الإقطاعي أو بالمفهوم الماركسي : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾. (سورة القصص:آية 37)
· وأسقط الفوارق بين المرأة والرجل : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم:آية 21) وإشباع هذه النقطة بالاستدلال والتوسع كان ضروريًّا لإثبات أن للإسلام معاييره الخاصة يقيس بها الرقي الإنساني، ويضرب صفحًا عن كل المعايير والمقاييس الأخرى التي تميز بين الأسود والأبيض .. وبين العربي والأعجمي وبين الفقير والغني .. وبين طبقة النبلاء وطبقات الخدم .. وطبقة البروليتارية وتميز بين المرأة والرجل .. والإسلام وهو يسقط تلك الفوارق والمعايير المتخلفة يرفع بمنهجه الإيجابي في تقديم البديل الأرقى معاييره الراشدة في التقويم والإعلاء، ومعياره الأساسي الأصيل هو«التقوى» .. والتقوى هي الارتقاء النفسي اللا محدود إلى الكمال الميسور : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات:آية 1٣).
وبقدر نصيب الإنسان سواء المرأة أو الرجل من هذه الفضيلة الجوهرية تكون قيمته عند الله .. وفي نظر الإسلام.
وهذا المجال متاح بكل فرصه وإمكاناته للمرأة، ودخوله والسير فيه، والتطور في مراقيه ليس خاضعًا بحمد الله لسلطة كهنوتية، ولا لدكتاتورية الحزب أو طبقة البرولتارية، ولا معلقًا بمشيئة الزوج أو الأب أو الأخ .. ولا متوقفًا على تطور وسائل الإنتاج.
· إنه متاح أمس، واليوم، وغدًا .. متاح الآن .. اللحظة، ويمكن لأية امرأة أن تأخذ طريقها نحو الله في حرية تامة، وتحرز من أنصبة الكمال ما يجعلها أفضل من كل الرجال الذين يعيشون فوق كوكبنا هذا، وهذا المعيار من الدقة والعمق بحيث لا تحتاج البشرية إلى غيره في قياس درجة الرقي، وصعود خطها البياني نحو عالم أهنأ وأرغد وأكرم .. كيف؟؟
· إن كل المقاييس الأخرى تحاول أن ترفع مقدار الإنسان بإضافات بدائية عشوائية، فاللون لا جهد للإنسان فيه لأنه ولد هكذا .. والجنس لم يحصل عليه الإنسان بكفاءة ذاتية، وإنما بحكم الميراث والانتماء القوي المجرد .. والمال !! صحيح أن الإنسان يحصل عليه بجهده الخاص أحيانًا لكنه في الأغلب يحصل عليه بالميراث أو باستغلال جهود العمال .. أو بالاحتكار أو عن طريق السرقة والاختلاس أو بواسطة شبكة عصابات تتاجر بأجساد النساء، والمال في هذه الحالات يكون نقيصة هابطة .. لا قيمة عالية .. وحتى حين الحصول على المال بطرق مشروعة فإن المال في ذاته لا يهب الإنسان قيمة رفيعة ولا ينقله سنتيمترًا واحدًا إلى أعلى، وإلا لقال القرآن «إن أكرمكم عند الله أغناكم» والطبقة لا تصلح معيارًا للتقدم والارتقاء النفسي .. سواء طبقة النبلاء أو طبقة البرولتارية، فالطبقة تخضع في تركيبها لغريزة القطيع ... وينسحق الإنسان الفرد تحت وطأة ضغطها الجمعي .. وحين يسحق الإنسان بهذه الطريقة يفقد خصائصه وقدرته على الارتقاء الذاتي . ومن ثم فالطبقة بطبيعتها معيار متخلف جدًّا لقياس درجة رقي الإنسان.
· ثم مع التسليم -وهذا فرض جدلي- بأن الاعتبارات الماضية صالحة لأن تكون مقياسًا للتقدم الإنساني الحقيقي فهي في هذه الحالة قاصرة، فإذا قدرنا أن اللون الأبيض هو أحسن الألوان . والجنس العربي هو أنبل الأجناس . . وأن أعلى رقم مالي يمكن أن يتصور هو أفضل المقاييس، وأن الطبقة هي البعد النهائي للتقدم الإنساني، فكيف يتطور الإنسان بعد حصوله على اللون الأبيض والجنس الأنبل والمال الأكثر والطبقة الأعظم؟
إن النتيجة المنطقية هي: جمود الإنسان عند حدود الألوان والأجناس والأموال والطبقات، وبالنسبة للرجل والمرأة إذا قدرنا أن جنس الرجال هو المعيار لتقدم المجتمعات فإن الجمود المتحجر سيصيب هذه المجتمعات بالعقم التام.
· أما معيار الإسلام فهو لا نهائي .. مسلم .. فمؤمن فمحسن .. فرباني .. إلخ وبهذا المعيار ينبغي أن ينظر إلى المرأة والرجل معًا، ولا عبرة لا من قبل ولا من بعد لأي اعتبارات أخرى، فكيف فات على عبد اللطيف الدعيج هذا التصور الرئيسي؟
· تصور أن المرأة مثل الرجل تمامًا في الجانب الإنساني لأن بعضهم من بعض.
· وتصور أنها تحمل مسؤولية حياتها وأعمالها وأخلاقها مثلما يحمل الرجل .. وأن هذه المسؤولية تنشئ الاستقلال الكامل، وتولد الإرادة الحرة في العمل والسلوك والمال والرأي والخلق.
· وأن للإسلام معاييره الخاصة في التفضيل وليس من بين هذه المعايير كثافة اللحية ولا طول الشوارب .. ولا قوة العضلات ولا اعتبار الذكورة وأنه بهذه المعايير الإسلامية الخاصة تستطيع المرأة أن تكون أفضل من الرجل بملايين الدرجات.
العدد القادم: في عصر تأبين الماركسية يقيمون لها في الكويت عرسًا.