; عبد الناصر وقباني في ميزان الشعر | مجلة المجتمع

العنوان عبد الناصر وقباني في ميزان الشعر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

مشاهدات 84

نشر في العدد 548

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

جانب المشكلة الأول في شعر نزار قباني، أنه «ينقد حالة ولكنه لا يطرح بديلًا لها؟!» ولذا يتسم نقده بالسلبية شبه المطلقة... ولم أقل «مطلقة» لأن مجرد النقد- في مثل أوضاعنا الشاذة هذه- يعتبر جرأة متناهية تقترب بصاحبها من حدود الشهادة!!

والجانب الثاني في مشكلة القباني أنه «يتاجر» بشعره فهو «يسوق حسب السوق» ولما كانت موجة الجنس في الخمسينات طاغية أصدر دواوينه الغزلية، ثم سار في التيار العلماني الذي طغى وبغى في حربه للدين وسخريته من شعائره فنظم قصائد في السخرية من بعضها وخلط بين الدين عقيدة وبين «بعض المتدينين» مسقطًا سلوكهم على أصول العقيدة نفسها، وهذه قضية أخرى تحتاج إلى بحث مستقل.

ثم لما حصلت نكسة حزيران ‎١٩٦٧‏ ركب موجة «تحقير الذات العربية» وأصدر «هوامش على دفتر النكسة» وللحقيقة فقد كانت جيدة المعاني جريئتها سهلة المباني شائعتها وتمثل فيها أسلوبه السهل الممتنع...

ولن نطيل في التقصي، فقد كفانا مؤونته الشاعر الأستاذ علي دمر في ديوانه الجديد «رسائل محرجة إلى نزار قباني» حيث ناقش الشاعر في أفكاره، ونقض تناقضاته، وبين تهربه من تحديد المسؤولية في مأساة أمتنا.

والديوان من طبع دمشق لهذا العام، قسمه صاحبه إلى ثلاثة أقسام في ثلاث رسائل موجهة إلى نزار تحت ثلاثة عناوين «عن جمال عبد الناصر، وعن ميراث العرب، وعن تجارة الشعر».

ونكتفي بالرسالة الأولى التي يناقش فيها فكر عبد الناصر، ففيها تجلى فن الشاعر وفكره اللذان لا يقلان عما لدى نزار، ثم لإن فيها فضحًا للفكر الذي قاد إلى الهزائم المستمرة للأمة، وخاصة أن هناك نفرًا لا يزال ينفخ في هذه القربة المنخرقة ليجعل منها شيئًا وما هي بشيء!! فقد تساقط الفكر الدخيل المتهافت وبان عواره، وما استطاع الذين كذبوا كل الوقت أن يخدعوا كل الناس، فما زال هناك بعض الناس، واعين والحمد لله. فماذا يقول الشاعر؟

إنه يبدأ الكتاب بمدح القباني شعرا، ويعتذر إليه بأنه يبعث إليه هذه الرسائل من كوخه الصغير وهو صاحب القصر الكبير والمكتب الأنيق والبواب الساهر ويرجوه ألا يهملها لأنها جاءت من معجب وليس من معجبة!! ويشفع لها إخلاصها وثورتها لإن صاحبها رأى في شعر القباني «تناقضًا خطيرًا في الفكر والشعور!!»

«فمثلًا موقفكم من شخص عبد الناصر!»

تقول في «هوامش النكسة يا سلطان:»

«يا سيدي السلطان، لقد خسرت الحرب»

«مرتين لأن نصف شعبنا ليس له لسان»

«لو أحد يمنحني الأمان»

«من عسكر السلطان»

«قلت له: لقد خسر الحرب مرتين»

«لأنك انفصلت عن قضية الإنسان!»

وهذا المقطع من شعر نزار طبعًا، ويرد علي دمر قائلا:

يا شاعر الإنسان، هنا كلام رائع البيان

لكن هنا سؤال:

من ذلك السلطان؟!

من قادنا للحرب مرتين؟

من جعل الشعب بلا لسان؟

من أطلق الكلاب مخبرين؟

من صانع المجازر؟

أليس عبد الناصر؟!!

من صاحب الفكر الذي قاد إلى الهزيمة؟

من الذي كلامه المثقوب كالأحذية القديمة؟

من الذي خطابه بمفردات العهر والشتيمة؟

من مبدع التهاتر؟

أليس عبد الناصر!!

تقول... لا غرابة

إذا خسرنا الحرب لا غرابة

لأننا ندخلها

بكل ما يملكه الشرق من مواهب الخطابة!

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة.

‏من الذي حارب بالخطابة؟ ‎

‏بمنطق الطبلة والربابة ‎

‏مهددًا أعداءه‎

برميهم في البحر كالذبابة‎؟!!

وأنه عاد صلاح الدين

يكمن في حطين

وانتظر العالم في خشوع

معظمًا جنابة

وسامعًا خطابه

ومرهفًا أعصابه

وعند بدء الحرب في ساعات

فر بلا صواب

في سائر الجهات

كالجرذ تعدو خلفه الكلاب

وللعدو فتح الأبواب

وأنهزم الحارس والبواب

ولم نجد من «قاهر» ‏

ولم نجد من «ظافر»

ولم يكن ‎‏ إذا سوى خطاب

صاروخ عبد الناصر ‎!...

وعاد للإذاعة

يدرج الخطاب في عزيمة

يقول: هذه نكسة

ولم تكن هزيمة...!

تقول في قصيدة «الخطاب»: «بهلوان»

سميته هناك بهلوان

يلبس طرطورا ويلقي للورى خطاب

يلقى به: ما يطلب المستمعون

وكنت تصغي كألوف الطيبين

وبعد هذا قلت ‎في وجه «أمير المؤمنين»! ‏

فمن تراه صاح الخطاب

من الذي سميته هزءًا «أمير المؤمنين»

من كان يخدع الألوف بالخطابة

مَن الذي تاجر بالمشاعر؟

من الذي يهذر بالمشاعر

أليس عبد الناصر؟

‏وقلت في نثرك يانزار:

«المهم أن نملك الشجاعة كي نقول لفرعون خلال فترة ملكه:

إنك ملك ظالم. وأن نقول لجمال عبد الناصر- خلال فترة رئاسته- أنه ديكتاتور وبهلوان يحترف البلف والتهويش»

وبعد هذا كله انسدل الستار

ورفع الستار

واختلف الموقف يانزار

وجدد المكياج

ولبس الشاعر وجهًا آخرا

في حلبة التمثيل

واستبدلت مناظر المسرح من جديد

فقلت: يا والدنا

جمال عبد الناصر

عندي خطاب عاجل إليك

من الملايين التي قد أدمنت هواك

من الملايين التي تريد أن تراك

والدنا جمال عبد الناصر

يا أيها المعلم الكبير

كم حزننا كبير

كم جرحنا كبير

وعندما يسألنا أولادنا

من أنتم؟

في إي عصر عشتم؟

في عصر إي ملهم؟

في عصر إي ساحر

نجيبهم: في عصر عبد الناصر

الله ما أروعها شهادة ‎‏

‏أن يوجه الإنسان في زمان عبد إلناصر

وراج هذا القول في الجمهور

وكلما يحتدم التصفيق والصفير

يبالغ الشخص القدير

فيرفع المقام حسب رغبة المشاهدين

فبعد «يا والدنا»

يقول: «يانبينا»

نبينا الشهيد

ويخضع الجميع

وتهطل الدموع

فيرفع الشخص المقام

يجعله «إله»

يقول في رثائه:

«ملانا بك الأقداح يا من بحبه سكرنا كما الصوفي بالله يسكر»

ولم يكن فوق الإله شيء

فيسدل الستار!

ما ذلك التناقض العجيب يانزار؟

من الذي قد كان «بهلوان»؟

من يلبس الطرطور

ويخدع الجمهور

هل كان «حاوي» الشعر أم «مدجل» الخطاب؟

فمرة ة دعوته: سلطان

ومرة تقول: بهلوان

لكنه لا بأس يانزار

فالتاجر الخبير يكتشف

يعرف كيف تؤكل الكتف

يراقب الأسواق

وحسب ميزان الطلب

يستعمل «القبان»

ويدفع البضاعة

لتحصل الأرباح

بالحزن بالأفراح

ب «سيدي السلطان»

ب «آخر الرسل ختام الأنبياء»

وحسبما يطلب في الأسواق

وإن تكن ضفائر النساء

وأن تكن مخادع الحريم والإماء

وهذه تجارة الأشعار والآراء

كأنها تجارة البغاء

تبيع للراغب ما يشاء!...

من هذه النماذج المختارة من ديوان الشاعر، ومن رسالته الأولى، نحس بأن علي دمر لم يكن- فنيًا- بأقل مستوى من القباني الذي طارت شهرته في الآفاق ونحس بقوه الحجة الجدلية التي أوردها في كل مقطع، فلا يملك أمامها القباني إلا أن يقف مبهوتًا- أنها رسائل محرجة حقا، وقد أفلح الشاعر في تسميته الديوان بها.

ولكنها جاءت متأخرة أكثر من عشر سنوات من موعدها، ولعل في ذلك عذرًا للشاعر... على أنها- مع ذلك- أدت دورًا في فضح الفكر الناصري المتهافت والشعر المدافع عنه.

وإذا كان لنا في كلمة أخيرة، فهي أننا كنا نتمنى من الشاعر أن ينطلق من أرضية فكرية محددة في نقده للشعر والفكر المشار إليهما ليكون لنا من ذلك، نموذج كريم للشعر الإسلامي الواعي الحر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 99

0

الثلاثاء 09-مايو-1972

اعترافات: المسرح.. والممثلون

نشر في العدد 371

87

الثلاثاء 18-أكتوبر-1977

في الهدف (371)

نشر في العدد 383

100

الثلاثاء 24-يناير-1978

شريط الأخبار (العدد 383)