العنوان عبر مما سلف
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1983
مشاهدات 76
نشر في العدد 602
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-يناير-1983
* لماذا تواجه الجماعات الإسلامية منذ بزوغ فجرها حتى اليوم فنون التعذيب؟
إن أسلوب الأمثال والاعتبار منها، أسلوب قرآني فريد يبينه الله لأصحاب القلوب الحية، فيقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43) ويقول سبحانه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 27). ولكن كما قيل: ما أكثر العبر وأقل من يعتبر. وفي أثناء كتابة هذه الكلمات أسأل الله العلي القدير أن يجعل لنا قلوبًا حية تعي وتعتبر..
العبرة الأولى: قبل ذكر هذه العبرة سأذكر القصة التي فيها من غير تعليق، بيان وذكرى لأولي الألباب، ومع ذلك سأقف معك -أخي القارئ- في موقف ربط واستنتاج.
القصة هي قصة الصراع التي عاشتها المسيحية وهي تصارع المحيط الذي وجدت فيه.. الوثنية الرومانية من جهة، ويهود قساة القلوب غلاظ الأكباد. ومن جهة أخرى، فقد ظلت المسيحية تعاني من الاضطهاد والتنكيل الذي تجسد في اضطهاد «شاؤل اليهودي» الذي يقول عن المسيحيين أنفسهم في إنجيل متى: «أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالًا ونساء ويسلبهم إلى السجن، من جهة، وأباطرة الرومان الوثنيين من جهة أخرى الذين أنزلوا بأتباع المسيح أشد الأذى في عصور متلاحقة كان من أشدها اضطهادًا عصر «نيرون 64م» و«عصر تراجان 106» و«عصر ريسيوسي 251» وعصر دقلديانوس 280». وقد بلغ بهم التنكيل إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، أو يلبسونهم ثيابًا مطلية بالقار ويوقدونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم «ولبيان صور أكثر يرجع إلى محاضرات في النصرانية لمحمد أبو زهرة 32» فهذا الجو الذي أوجده العنف والقتل والفساد والتنكيل جعل المسيحيين بعد مرور ثلاثة قرون يهتزون طربًا إذا ذكر لهم عام 325، وهو العصر الذي يعدونه عصر السيادة والحرية، فهو العصر الذي ترى الكنيسة أنها ظفرت بالإمبراطور نفسه صيدًا ثمينًا حين قامت بتعميده بالماء المقدس إيذانًا بدخوله إلى دين المسيح، وتناسوا المساكين أن حقيقة الأمر أن قسطنطين لم يدخل المسيحية بل أدخل المسيحية إلى الوثنية. وهكذا أصبحت المسيحية «ستارًا رقيقًا يخفي تحته نظرة وثنية». نعم تخلصوا من العذاب والاضطهاد، ولكنهم تخلصوا أيضًا من دينهم وعقائدهم، وهم بذلك قد تناسوا قولة المسيح: «ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟»، فماذا ينفع الكنيسة إذا ربحت قسطنطين وإمبراطوريته وخسرت دينها وتعاليمها؟
وهكذا لعب شاؤل نهاية لعبته التي بدأت بتعذيب واضطهاد المسيحيين وانتهت باعتناقه للمسيحية الوثنية حتى يستطيع من خلال وجوده المسيحي أن يلاحق البقية الباقية من المسيحيين المتمسكين بعقائدهم... والتاريخ بعد ذلك بعيد نفسه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، فالطغاة هم الطغاة، والمنهج هو المنهج، فكلهم يستقون من منبع الشيطان، ويكفي لنبين حقيقة هذا الأمر أن نذكر صورة من صور كثيرة؛ فكتاب الأمير مثلًا الذي يبين المنهجية المكيافيلية في الغابة والوسيلة كان هتلر لا ينام حتى يقرأه، وكذلك كان ستالين كثير القراءة فيه، وبقية الطغاة قد تتلمذوا عليه وعلى منهجه... وخلاصة ذلك أن الاضطهاد والتعذيب يسلب الإنسان ضعيف الإيمان إرادته، وعند ذلك يفقد إنسانيته، فالإنسان بإرادته واختياره يتم تمييزه عن الحيوان، وبالإرادة ميز الحر عن العبد.
ويأتي الحديث حول هذه العبرة مع ذكرى قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي 29- 11- 1947م... فالمنظمة الفلسطينية والشعوب العربية والمسلمة قد اتخذ -بضم التاء المبني للمجهول- معها ما هو أشد مما يذكر عن المسيحيين في عهد نيرون وغيره؛ «فعلى سبيل المثال في شريط المنظمة نجد المذابح في الأربعينات، وما حصل في بعض الأقطار وفي تل الزعتر، ثم في غزو اليهود لبيروت بوابل النيران التي كانت تقذف بشرر كالقصر، ثم مذبحة مخيم صبرا وشاتيلا، وغير ذلك مما هو موجود في أرشيف المنظمة أما شريط الجماعات الإسلامية الصادقة التي أعلنت الجهاد الإسلامي طريقًا لطرد اليهود كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ويقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، ورائي يهودي تعال فاقتله». ونراها كذلك رددت في وقت النشيد: «الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» وصرخت خلف قضبان الحديد: «أيها اليهودي هناك أخبار جيدة: إن جيش محمد صلى الله عليه وسلم قادم ولن يحرر القدس أحد سوانا». فهذه الجماعات ما زالت منذ بزغ فجرها تواجه التعذيب والموت إلى أيامنا هذه... وعلى سبيل المثال ينظر في قصة الإخوان المسلمين في مصر وليبيا وتونس وغيرها منذ عبد الناصر إلى يومنا هذا، ويلقي الضوء على مدينة حماة وعلى سجون العرب الثوريين.
هذا هو الجو الذي عاشته الشعوب الإسلامية بمنظماتها وجماعاتها، فهل تسقط المنظمة وتنادي بشبر من الأرض على أي بقعة وبأي صورة؟
* وهل تظن المنظمة الخير والفلاح والنجاة موجودًا على مائدة من أعلن ونادى بالتقاء الفكر اليهودي والمال العربي لإنشاء حضارة لم يسبق لها مثيل؟
* هل تظهر عدم صلابة ونقاء معدنها عندما تعرض للنار، فالنار تذهب الزبد وتبقي الصلب؟
وتساؤلات كثيرة نسأل الله تعالى أن يكون الجواب فيها بالنفي مع التذكر قبل الإجابة قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120). وتذكر قولة المسيح عليه السلام: «ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟!».
أما الجماعات الإسلامية فهي كذلك بشر ممن خلق الله خاضعة للضعف البشري الذي ينتاب الناس، لذلك لا بد أن تنتبه لعملية سلب الإرادة التي تتعرض لها الشعوب، وعلى وجه التحديد في البلاد التي لا زال وريد الحرية تسيل فيه دماء الحياة، فالحركة الإسلامية تعاني صورًا مختلفة في مسألة سلب الإرادة، فهناك صور القمح والإرهاب والسجون والتعذيب والتعليق، وهناك الأضواء والتوجيه للحركة لتسير في برنامج الاعتراف باليهود كحل للتخلص من كابوس أزمة الشرق الأوسط وإن سمح لها بمنشور يندد على نمط برقيات التنديد أو مسيرة تشجب على نمط مؤتمرات الشجب والتوقيع.. وصوت آخر نسمعه من بعيد عبر أثير جبال أفغانستان توجه له جميع آلات الحرب الروسية... نسأل الله أن ينصرهم ويثبت أقدامهم ويوحد شملهم، ويجمع على الحق كلمتهم، ويزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم.. وصوت نسطر كلماتنا هذه فيه، لا نعلم ماذا يخطط له وكيف ستسلب إرادته؟
هل على الأنغام الأمريكية، أم على الدبابة الروسية؟
هل ستدخل جماعته في مصيدة الاستثمار السياسي، وينمط عقلها على المنهاج البشري الضعيف؟ هل تدليلها هذا من باب إعطاء الطعام للخروف ليتم ذبحه؟ هل تساق إلى تصرفات انتحارية فيتم إجهاضها؟
تساؤلات كثيرة أرجو من الله أن يبصر المعنيين بها فيأخذوا حذرهم فينفروا فكرًا وسلوكًا وشجاعة وحذرًا، وطاقة وتخطيطًا، والله خير الحافظين.. وفي هذا المجال لا يسعني إلا أن أقول لأصحاب الحركة والخير:
1- إن الطاغوت يضرب ضرباته على أساس من العلم بالبناء النفسي للأفراد والاتجاهات في الرأي العام، مع معرفة لنفسية الجماهير فتبينوا.
2- إن القتل قد يكون بالرصاص، وقد يكون بخيط من حرير، والنتيجة واحدة.
3- إن أصابع الشيطان واحدة، سواء سبحت أو تراقصت.
4- إنه قد توظف صور من الجماعات الإسلامية لإجهاد الحركة الإسلامية.
5- ثم ليتنبهوا من كل شيء حولهم وليحذروا من:
أ- أن يفتت جمعهم، ويثبت الفرقة بينهم بقصد الإصلاح والتجديد، ولتعلموا أن ما من شيء مخلوق إلا وفيه جمال وقبح، فلينظر إلى الجمال ويعمل على إزالة القبح من العراقيل، وقد سمعت في هذا المجال من شيخنا الصواف في الحرم أن عيسى عليه السلام مر على جيفة حمار هو ومن معه من الحواريين.. فأخذ كل واحد منهم يصفه بما هو قبيح فيه: ما أنتنه! ما أقبحه.. إلى غير ذلك، فقال عيسى عليه السلام: ما أبيض أسنانه.
ب- إشغالها في غير خطها الذي جندت نفسها له.
ج- بث الرعب في جوانبها ليصلوا إلى زرع اليأس فيها.
د- إقناعها بما هو قائم منها فقط، وعدم النظر إلى أكثر من ذلك. هذه كلمات صادقة -إن شاء الله- أكتبها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا.
- أما الذين يريدون أن يكرروا إلحاق الأندلس الجديدة للإسلام في مشرقه العربي، فنقول لهم على لسان المضغوط عليهم، المخنوقين في زنزانات البغي والطغيان:
وهبني قلت: هذا الصبح ليل *** أيعمى العالمون عن الضياء؟!
وللجميع نقول قول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل