; صرخة كاتب ومحلل سياسي إفريقي ضد نظرية: عبيد الرجل الأبيض.. حاويات لنفايات العالم | مجلة المجتمع

العنوان صرخة كاتب ومحلل سياسي إفريقي ضد نظرية: عبيد الرجل الأبيض.. حاويات لنفايات العالم

الكاتب ياسمينة صالح

تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005

مشاهدات 57

نشر في العدد 1676

نشر في الصفحة 30

السبت 12-نوفمبر-2005

في السبعينيات تفجرت قضية دفن النفايات النووية الأسترالية في السنغال مقابل  ملايين الدولارات وتسببت في كارثة.

مقابر النفايات النووية لا يتم اختيار أماكنها صدفة وإنما وفق معايير استراتيجية تتحكم فيها الصراعات الداخلية والإقليمية.

مشكلة الدول الإفريقية أنها تفضل أن تكون في خانة الدول الضحية عن طيب خاطر حتى تظل تتلقى المعونات!!

إنها قارة محكوم عليها غربيًا بالتخلف والأمراض والصراعات العرقية.. ومعظم المشكلات الراهنة لا تخرج عن هذه المعطيات.

هي في نظر الغرب عبارة عن «دول يقيم فيها العبيد التاريخيون للرجل الأبيض».

لعل البداية الحقيقية تفجرت عبر مجلة لوسولاي السنغالية التي تكلمت . ولأول مرة بشكل صريح عن تجار النفايات النووية في القارة الإفريقية وتم الكشف عن أن دولًا مثل موزمبيق وإفريقيا الوسطى ترمي فيها الدول الغربية نفاياتها الكاتب والمحلل السياسي الكاميروني باتريس دافيد دولمبا ، صاحب كتاب «لا تدفنوا نفاياتكم عندنا» التقته المجتمع وكان هذا الحوار:

● أنت أول كاتب كاميروني يتناول قضية مقابر النفايات النووية في الدول الإفريقية، هل يمكن أن نعرف تفاصيل هذا البحث وكيف وصلتم إلى أول مقبرة للنفايات في شرق إفريقيا الوسطى والتي كانت قبل صدور كتابكم شبه سرية؟

- في البداية أريد أن أؤكد أن قضيتنا الأولى والأخيرة هي أوطاننا واستقلالها، هل بإمكاننا الكلام عن الاستقلال القومي لو بموازاة ذلك، فقدنا استقلالنا الإنساني؟

قضية النفايات النووية لم تكن في اعتقادي أمرًا سريًا أبدًا. ففي السبعينيات انفجرت قضية النفايات النووية الاسترالية التي قيل إنها دفنت في الأراضي السنغالية مقابل ملايين الدولارات والتي كانت سببا في موت الزرع والحيوان في منطقة سوتا التي دفنت فيها خبراء دوليون من أمريكا ومن سويسرا أعلنوا في عام ۱۹۷۸ أن قضية النفايات النووية والصناعية ليست جريمة عادية بل هي جريمة أخلاقية أيضًا، وعام ۱۹۸۹ نشرت المنظمة الدولية للصحة تقريرها الذي جاء فيه أن أسباب موت الأطفال في إفريقيا وتحديدًا في دول مثل الكاميرون وموزنبيق وإفريقيا الوسطى والغربية سببه أيضًا النفايات النووية التي شاركت جمعيات دولية، في صفقة دفنها في تلك الدول مقابل المليارات من الدولارات على حساب شعوب بأسرها. لعل المثير للانتباه هو أن الدول التي تورطت في قضايا مقابر النفايات النووية تلك، كتبت صحفها عن الموضوع كاشفة خبايا كثيرة وهو ما عرضته في كتابي أيضًا، بمعنى أن دولًا مثل ألمانيا وأستراليا كتبت صحفها بشكل عميق ودقيق عن تجارة النفايات النووية والتي يجدون القارة الإفريقية قارة مثالية لدفن نفاياتهم، مقابل الدولارات التي تدخل إلى جيوب القابلين. القضية أخطر من مجرد أماكن ربما تظهر بشكل عام أنه يتم اختيارها عفويًا، ولكن الحقيقة أنها أماكن إستراتيجية أيضًا بحكم صراعات داخلية من جهة وإقليمية من جهة أخرى، لهذا اختيار مناطق موزمبيقية مثلًا، ليس صدفة باعتبار أن تلك المناطق اعتبرت استراتيجية بحكم أنها تطل على حزام تضاريسي مهم في إفريقيا بين الشرق والغرب من جهة وبين الشمال والجنوب من جهة أخرى والذي تتمحور عليه الكثير من الإشكالات العرقية.. الأمر أشبه بإبادة ذات صيغة تجارية/ اقتصادية أو بروتوكولية على حد قولهم.

● لماذا تبدو القضية أحيانًا مقننة على الرغم من خطورتها ومن جوانبها غير الأخلاقية؟

- لأن المصالح لا تعترف بالأخلاقيات ولأن مليارات الدولارات هي اللعبة السهلة التي يريد لعبها كل الأطراف بمن فيها الأطراف الرسمية. اختيار القارة الإفريقية له أسباب كثيرة بعضها جانبي والبعض الآخر محوري. من الأسباب الجانبية أن القارة الإفريقية محكوم عليها بالتخلف والأمراض والصراعات العرقية، وبالتالي معظم المشكلات الإفريقية الراهنة لا تخرج عن هذه المعطيات، وأما عن الأسباب المحورية فلأن إفريقيا لا يجب أن تتحرر من التراكمات القديمة. إفريقيا في نظر الغرب عبارة عن دول يقيم فيها العبيد التاريخيين للرجل الأبيض. وهو المقال الصادم المنشور في جريدة الجارديان الإنجليزية للكاتب إدوارد سيرفارنت المعروف بنزعاته العنصرية إزاء دول العالم الثالث، وإزاء الدول الإفريقية، بالخصوص ما يصطلح على تسمية إفريقيا السوداء، وهو المصطلح العرقي والرجعي الذي أراد أن يصوغ نظم التعامل الاجتماعي وفق اللون ليس على أساس الجدارة أو الأحقية. هذا ما تعيشه القارة الإفريقية منذ قرون حتى الدول غير المعنية باللون تعيش نفس التمييز باعتبارها دولًا من العالم الثالث. القانون الدولي لم يعد قضية بعينها. ولا قياسًا مطلقًا. بدليل أن العديد من الدول الكبيرة والقوية تتجاوزه يوميًا للمساس بحريات الآخرين. لنا في الحروب الأخيرة خير دليل. والمشكلة أن القوانين الإفريقية مغلفة وليست متجذرة في الحقيقة من الواقع اليومي. إنها قوانين أسستها في النهاية الدول المحتلة والكولونيالية القديمة وفق حاجياتها هي وليس وفق حاجياتنا كأفارقة، وحتى بعد استقلال العديد من الدول الإفريقية ما زالت تلك القوانين قائمة، وهو ما شكل انكسارًا بين الواقع السياسي واليوميات المعيشة بين ما يعيشه الناس يوميًا وما يعيشونه على الورق. هذا يفسر لماذا قضايا خطيرة مثل النفايات النووية الغربية، لم تأخذ جزاءها من العقاب ولا حتى من الإدانة الكافية، لأن التجار الذين يستفيدون من هذه النقابات عرفوا أن الفراغات القانونية الكثيرة ستساهم في تجارتهم، مادام المقابل - كما قلت - يتمثل في المليارات من الدولارات. فكيف سيفكر شخص تعود على القتل في شخص تعود على الموت ؟!

● كتبكم الأخيرة تتناول القانون من وجهة نظر إنسانية، ولكن هل من السهل المطالبة بتغيير القانون الاستعماري في قارة تتحكم فيها النزعة العرقية؟

- نعم من الممكن تغيير أشياء كثيرة منها القانون الاستعماري الذي يسيرنا منذ عقود، بإمكاننا أن نصوغ قانوننا وفق مشكلاتنا وانتماءاتنا هذا لن يكون معجزة باعتبار أن المتغيرات الخارجية قائمة فعلًا في هذا العالم. مشكلة الدول الإفريقية أنها تريد أن تكون تابعة لأن العملية بالنسبة إليها لا تخلو من اتكالية ستساهم فيها جهات خارجية تمد الدول بالمعونات باسم مكافحة الفقر والجهل، حتى الدول الغنية ببترولها تفعل الشيء نفسه وتسعى إلى أن تدخل في خانة الدول الضحية عن إرادة، وهو ما فتح الأبواب على مصراعيها لأطماع الغرب. هذا لا يجري في القارة الإفريقية بل ويجري في القارتين الأسيوية وفي قارة أمريكا الجنوبية أيضًا. إشكالية النفايات النووية، هي الشجرة التي تغطي الغابة، وها قد كشفنا الشجرة فيجب أن نكتشف الغابة أيضًا. يجب أن تقول للعالم إن ما نرفضه هو استغلالنا واعتبارنا عبيدًا في هذا العالم. هذا هو ما أقوله في كتبي وفي كل مكان أذهب إليه، نحن لا نشكل إفريقيا نمطية بل نقيم إفريقيا صنعت ثورات كبيرة وعظيمة لأجل الاستقلال لهذا أخذنا احترامنا من هذه الأرض التي نرفض أن يلوثها الغرب بنفاياتهم النووية القاتلة.

هذه جريمة كبيرة في حق شعوب القارة كلها .

الرابط المختصر :