العنوان جدلية العلاقة بين القيم والمصالح في الظاهرة السياسية الإسلامية المعاصرة .. الفعل السياسي لحماس نموذجًا
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1296
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 21-أبريل-1998
■ رغم كل تجاوزات السلطة تجاه ناشطي حماس جعلت الحركة شعارها: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 28).
تقتضي تداعيات المعاصرة من دُعاة المشروع الإسلامي أن يلجوا خضم المعترك السياسي بوصفه يشكل نشاطًا إنسانيًا تتداخل مع دائرته كافة الأنشطة الإنسانية الأخرى ولكونه نشاطًا لا يمكن الانعزال عنه رغم كل محاذيره، وخلال العقدين المنصرم والحالي احتلت الظاهرة السياسية الإسلامية مساحة لابأس بها على خارطة الوقائع السياسية الإقليمية، وتجسدت هذه الظاهرة بدخول دعاة التيار الإسلامي للبرلمانات ومشاركة بعضهم في السلطة وما يستتبع ذلك من اعتراف بمبدأي التعددية السياسية وتداول السلطة، ولكن الإشكالية المحورية التي كانت تواجه هذا التيار هي المواءمة ما بين القيم والمصالح في ظل مناخ سياسي دولي وإقليمي أساسه فلسفة القوة مع انتفاء الأخلاق من صلب منظومته الأساسية، ومايعني ذلك من تناقض مع طرح التيار الإسلامي بشكل أساسي.
وأثناء الممارسة ومع تشابك البعدين الديني والسياسي وتقاطعهما في محاور كثيرة في ظل هذه الإشكالية استدعى الأمر إفراز اجتهادات شرعية معاصرة لحل التشابكات الطارئة اثناء النشاط السياسي وهو ما يمكن أن يشكل - تراكميًا - نواة لفقه شرعي سياسي معاصر.
وكنموذج عملي نتناول الفعل السياسي الحماس باعتبارها حركة تحرر إسلامية لنرى التطبيقات العملية أثناء مسيرتها لتنزيل المقدس على الواقع السياسي وكيف حررت مصالحها في ظل تشابك البعدين الديني والسياسي وفق عقيدتها وقيمها الثابتة.
على الصعيد الميداني نرصد المواقفالتالية:
أثناء فعاليات الانتفاضة حدثت تصادمات بين حركتي حماس وفتح على الساحة الفلسطينية، وفي غمرتها قتلت عناصر من فتح أعضاء لحماس على امتداد المساحة الزمنية للصراع أنذاك إذ قتل الحماس ثلاثة عناصر هم خالد قشطة برفح في أغسطس ۱۹۹۰م، ومحمود الحاج من نابلس في سبتمبر ۱۹۹۱م، وجبر الضميري منمخيم طولكرم في ديسمبر ۱۹۹۱م وإزاء هذه الأحداث إلتزمت حماس الضوابط الشرعية في معالجة الموقف وأعلنت شعارها الصريح ضمن بيانها الصادر في ۱۹۹۲/۱۰/١٨م ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 28) وفي موازاة ذلك اعتمدت لغة التهديد بالرد بقتل القتلة فقط وفق الضابط الشرعي الصارم ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: 18) وأكثر من ذلك حرصت على المعالجة الميدانية الحكيمة لهذه الأحداث من خلال مواثيق الشرف التي وقعت مع حركة فتح لإيقاف التعديات، وقد اكسبت هذه الممارسة المتزنة حماس ثقة عالية من قبل الشارع الفلسطيني، وفوتت الفرصة علىجهاز الشاباك الذي كان ينفخ في نار هذه الاحتكاكات لتضخيمها وتوسيع دائرتها.
وفي محور آخر مع دخول الشرطة الفلسطينية لأراضي الحكم الذاتي في غزة وأريحا في مايو ١٩٩٤م، عملت حركة حماس على استقبال عناصر الشرطة وقامت بإيوائهم في المؤسسات الخيرية التابعة لها إيمانًا منها بأن هؤلاء الشرطيين هم جزء من الشعب برغم عامل التنافس والعداء مع السلطة الناشئة وبالرغم مما قيل أنذاك عن المهمة الأمنية للشرطة الفلسطينية المتمثلة بضرب عناصر التيار الإسلامي، ولكن مع ارتفاع وتيرة الصراع ما بين الحركة والسلطة عمدت السلطة لخيار القوة لترجيح كفتها، وكانت البداية في أحداث مسجد فلسطين في أكتوبر ١٩٩٤م التي سقط ضحيتها ١٤ مواطنًا برصاص الشرطة الفلسطينية، وما تبعه من اندفاع عارم من قبل الناس لهدم سجن غزة المركزي ومهاجمة مؤسسات السلطة، وهنا اعتمدت حماس مبدأ ضبط النفس والحفاظ على الوحدة الوطنية وتفويت الفرصة على الصهاينة الذين راهنوا على اندلاع الحرب الأهلية بسبب الصراع بين الطرفين، واعتبرت الدم الفلسطيني خطأ أحمر لا يمكن تجاوزه وكفت أيدي عناصرها عن استخدام السلاح ضد أفراد أجهزة أمن السلطة برغم ممارسات السلطة القاسية التي شملت فيما بعد الاعتقال والتعذيب وحتى القتل، وفي هذا الإطار قدمت أرفع مثال في الحفاظ على الوحدة الوطنية وفق المفهوم القراني السامي ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 28) وحتى أثناء فعالياتها لمناهضة أوسلو رفعت شعارها الناضج سياسيًااقصى حد ممكن من الاعتراض مع اعتماد ادنى حد من درجات الاحتكاك كذلك فعلت لجان التنسيق الميدانية التي تشكلت بينها وبين السلطة کمطافئ لإخماد أي حريق يمكن أن ينشأ في أي نقطة احتكاك بين الطرفين.
وذهبت أبعد من ذلك فركزت على مبدأ الحوار الوطني ودخلت مع السلطة في حزمة من الحوارات على رأسها جولة الخرطوم في أكتوبر ١٩٩٥م، وجولة القاهرة في ديسمبر ١٩٩٥م وجولة الحوار الأخير في نابلس، وبرغم عدم جدية السلطة في الحوار واستخدامها له كورقة سياسية لاستثماره لصالحها إلا أن حركة حماس ظلت متمسكة بالحوار الوطني المحاولةإِنتَاج: قواسم مشتركة يمكن من خلالها تحييد السلطة جزئيًّا في بعض المفاصل ولزحزحتها وجعل مسافة بينها وبين الكيان الصهيوني.
ويمكن ملاحظة النزعة الأخلاقية التي تحكم الخطاب السياسي لحركة حماس في موقفها المتوازن من حرب الخليج الثانية عام ۱۹۹۱م التي شكلت أعقد أزمة تواجه الكيان.
العربي برمته، ذلك الموقف المبني على قاعدة حماس الذهبية في التعامل مع الشأن العربي والتي بلورها رئيس مكتبها السياسي السابق دموسى أبو مرزوق والتي تدعو لـ رفع الإيجابيات والحد من السلبيات، وعدم الاستعداء من قبل أي طرف، وعدم الخوض في أي معركة مع أي طرف عربي، وبناء على ذلك لم تنجز لطرف دون الآخر وركزت بياناتها الصادرة حينذاك على أن الحركة قد فاجأها الاحتلال العراقي للكويت كما فوجئ سائر المسلمين بالتدخل العسكري العراقي في الكويت ودعت لانسحاب الجيش العراقي من الكويت مطالبة بعودة الكويت بلدًا حرًا عزيزًا يساهم بطاقاته وثرواته مساهمة حقيقية بتنمية الوطن العربي.
ويتجلى البعد الأخلاقي في الظاهرة السياسية لدى حماس بتبنيها مبدأ رفض أسلوب الاغتيال السياسي للخصوم ورفض مهاجمة الأشخاص والقدح في شخوصهم، واعترافها بالآخر وعدم تخوينه على المستوى الشخصي رغم اعتقاد الحركة بخطورة مسلك هذا الآخر على الشعب والأرض واثاره التدميرية، وفي هذا الصدد يقول محمد نزال موضحًا سياسة حركته نؤمن بالتعددية السياسية، بمعنى أننا وإن كنا لا نحبذ ظاهرة الانقسامات والتشرذم في الساحة الفلسطينية وغيرها من الساحات، لكننا في النهاية نحترم اجتهادات الآخرين ولا نجد حرجًا في التعاون مع أي طرف آخر بما يخدم القضية الفلسطينية.
أما على الصعيد العسكري فتلمح نزعة أخلاقية واضحة في الأداء العسكري ضد الخصم حيث اعتمدت الحركة سياسة عدم المساس بسلامة المدنيين وعدم الاعتداء عليهم، وحصرت فعالياتها الجهادية في إطار الأهداف العسكرية الصهيونية وقطعان المستوطنين باعتبارهم بنية مختلطة مدنية عسكرية، ولم تتخل عن هذه السياسة إلا بعد مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل التي راح ضحيتها المصلون وهم سجود بين يدي ربهم على يدي مستوطن متطرف يعمل في الجيش، وردًا على هذه الحادثة المروعة أخذت حماس تهاجم الأهداف المدنية الصهيونية، ولكنها في الوقت ذاته تطرح بين الفينة والأخرى هدنة تجنب المدنيين من الطرفين لأن يكونوا أهدافًا للأعمال العسكرية، وفي هذا السياق يقول بيان الحركة الصادر في أبريل ١٩٩٤م إن عمليتي العقولة والخضيرية الأخيرتين اللتين استهدفتا أماكن تجمع الجنود والمستوطنين وأصابتا بعض المدنيين، إنما كانت بهدف ردع العدوان الصهيوني الهمجي عن شعبنا، وانتقامًا مشروعًا لدماء شهداء مجزرة الخليل البشعة، وإن ذلك ليس سياسة ثابتة فرضتها حكومة العدو، وإن حركة حماس على يتعهد رئيس وزراء العدو وحكومته وجيشه بالتوقف لدى كتائب القسام، وإنما هي سياسة استثنائية استعداد لإعادة النظر في هذا الاستثناء شريطة أن نهائيًا عن قتل المدنيين العزل من أبناء شعبنا.
■ عداسي: أفضل الموت على أن أتهم بقتل الشريف
تسربت من سجون سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الرسالة التالية التي كتبها غسان عداس الشاب الفلسطيني الذي تزعم سلطة عرفات أنه شارك في عملية اغتيال محيي الدين الشريف، أحد قيادات كتائب القسام.
عداس الذي يتوقع أن يكون مصيره الموت إذا نُشرت رسالته يفضل أن يبرئ ذمته أمام الناس ويموت على أن يعيش متهمًا بجريمة لم يرتكبها، يقول غسان عداسي فيرسالته:
أعلم أن نشر هذه الرسالة قد يؤدي بي إلى الموت، ولكن تعلموا أني أموت في سجني هنا في اليوم الواحد الواحد مليون مرة؛ ليعلم الجميع أنني لا أعلم عن استشهاد محيي الدين الشريف أي شيء، ولم أشارك ولم أكن شاهدًا على قتله. كما يدعي المحققون، فقد أدليت بهذه الرواية بعدما تعرضت له من تعذيب وتهديد لم أر مثلهما في حياتي، لقد هددوني أن يتهموني بالعمالة، وأنني شاركت باغتيال محيي الدين لحساب اليهود، وقد ضربوني ضربًا شديدًا، ومنعوني من النوم لأكثر من ثلاثة: أيام متواصلة، وعلقوني من يدي في سقف الزنزانة، لقد مارسوا معي من الإهانات والأساليب الهمجية ما يعجز اللسان عنوَصفِه، كل ذلك من أجل أن ذكر رواية هم ألفوها بالكامل ولا علم لي بها، وقد كان ذلك من قبل: الرجوب، والطيب عبد الرحيم، والطبراوي اسماعيل جبر، ومحققين آخرين، فقد أجبروني أن أدلي هذه الرواية بالقوة وتحت التهديد.
ولقد أخبرت الشيخ محمود مصلح بما تعرضت له، أما عندما زارني حاتم عبد القادر - عضو المجلس التشريعي كان جبريل الرجوب جالسًا معي قبلها وأوهمني بأن أختي معتقلة لديهم، وهددني بأنهم سيتعرضون لها بسوء إذا أخبرت حاتم عبد القادر بأنني تعرضت للتعذيب أو التهديد وطلبوا مني أن أقول بأنني اعترفت بمحض إرادتي، وهذا ما حصل ووالله ما فعلت ذلك إلا خوفًا على أختي الطاهرة العفيفة وعِرضها.
لكنني علمت بعد ذلك بأنها كانت محض خدعة، وأن أختي غير موجودة في المعتقل.
وهأنذا اليوم أبرئ نفسي أمام الشعب وأمام إخوتي في حماس ليعلموا أني لم أخنهم، ولكن ما تعرضت له كان أكبر من أن أصمد أمامه، وقد أباح النبيﷺ لعمار بن ياسر شتمه تحت التعذيب وأنا لست أقوى إيمانًا من بن ياسر (رضوان الله عليهما) إنني أناشد الرئيس ياسر: وأطلب منه أن يعطيني الأمان ويمنحني الفرصة لأقول الحقيقة أمام وسائل الإعلام.
ويعلم الجميع وأولهم أهلي وإخوتي أنني بريء مما ترونه علي، وأنني كنت نائمًا في البيت عندما وقع الانفجار حتى هذه الرسالة التي أكتبها لكم تبرئة للذمة فإنهم قادرون على إجباري بأن أقول بأني لم أرسل شيئًا، فلديهم من الأساليب ووسائل التعذيب ما يعجز عنه إبليس نفسه.
وأخيرًا.. إذا إنني أطلب من كانت هذه الرسالة أهلي ومن ة هي آخر عهد لي بالدنيا. ومن الشعب الفلسطيني ومن إخواني حماس بأن يسامحوني جميعًا، ويعلم الله أني برئ... بري، والله على ما أقول شهيد.
■ الشيخ نايف الرجوب: مجاهد وحماس يتنافسون على الشهادة لا على الأموال
قال الشيخ نايف الرجوب - أحد رموز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في منطقة الخليل الغربية المُحتلة: إن ادعاءات أجهزة السلطة الفلسطينية بأن
عادل أو عماد عوض الله أو غسان عداسي متورطون في اغتيال الشهيد البطل محيي الدين الشريف ليست أكثر من اكاذيب وافتراءات تثار ضد المجاهدين.
وأضاف الشيخ الرجوب وهو شقيقالرئيس جهاز الأمن الوقائي جبريل الرجوب: «كل أبناء شعبنا يعلم أن مجاهدي «حركة حماس» قد طلقوا الدنيا وهم لا يفكرون بالمال» وتساءل: «كيف يفكرون بالمال والمناصب، وهم على استعداد دائم للتضحية بأرواحهم، وهي أغلى من كل الأموال والمناصب، فهم يتسابقون على الموت والشهادة، وغيرهم يتسابق علىالحياة والمناصب».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل