العنوان عدالة الإسلام وعدالة الكوارث
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1488
نشر في الصفحة 43
السبت 09-فبراير-2002
إذا أصبحت الشعوب لا حول لها ولا قوة، وباتت مستسلمة لأقدارها، تصير العدالة أمانة في يد الأقوياء الذين تتلاعب بهم الأهواء وتتلاطم في جوانحهم الشهوات التي تدفع إلى الطغيان وهضم الحقوق واستمراء المظالم، وتاريخ البشرية مفعم بخيانة الأقوياء للأمانة وقتلهم للعدالة واستمرائهم للمظالم التي أقضت مضاجع الآمنين، وروعت نفوس البائسين، وذلك لأنهم تكفلوا دون بقية البشرية باختراع القوانين وتقرير المباح من المحظور، وتشريع الحلال والحرام وتمييز الصالح من الطالح، فتلونت القوانين بطبائعهم، وتشكلت بأهوائهم واصطبغت بمظالمهم، فزادت شقوة الناس وعظمت محنتهم.
ولكن إرادة الله سبحانه ومشيئته العظيمة اقتضت أن تنزه القوانين وتخلص العدالة من هذه الفوضى الهمجية والأخلاط الحيوانية، فجعلت التشريع لخلق الله من اختصاص الألوهية، لتكون العدالة صناعة ربانية، وتوجيهات رسالية، لتخلص البشرية من نير العبودية، وذل التسلط وحماة المظالم، وقد جاء الإسلام بهذه التعاليم وحيًا بينًا. وضياءً منيرًا، وصراطًا مستقيمًا ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام:٥٧)، ﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥) ثم أمر القرآن رسول الله ﷺ أن يحكم بما أنزل الله فقال سبحانه ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩).
ثم قال تعالى ناعيًا على الجانحين إلى أحكام الجاهلية في أي زمان ومكان ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة :٥٠).
روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وعبد الله ابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه «يعني يفتينا بغير كتاب الله»، فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم «أي برأيك»، ونؤمن لك وتصدقك، فأبى عليهم رسول اللهﷺ فأنزل الله عز وجل فيه:
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٩)، ثم عنفهم القرآن بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠).
على هذا تربى المجتمع المسلم فكانت عدالة المنهج الإلهي له سمة وشارة لا يحيد عنها، متخطيًا بذلك أحكام الجاهلية، وضغط الشهوات، وحكم العادات والتقاليد، وسطوة العواطف والقرابات، وعقبة الحب والكره لأمر الله وحكمه. نقل الحافظ الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه» (رواه البخاري) ولهذا كان الصحابة وقافين على شرع الله لا يحملنهم الهوى والعصبية، وبغض الناس إليهم على ترك العدالة، يروي ابن كثير -رحمه الله فيقول-: لما بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة، إلى يهود يحصي على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم أرادوا رشوته ليرفق بهم فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ ولأنتم أبغض إليَّ من أعداءكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
أما تلك المناهج الأرضية، والقوانين والعدالة التي يسميها سدنتها بأسماء مختلفة نشأت في مستنقع الأهواء والشهوات وتربت في ظلال العنصريات البغيضة، ولهذا فإنك لا تسمع في جنباتها إلا المظالم. ولا ترى في ساحاتها إلا أشلاء الضحايا، التي تصطلى بنيران البغي والاستعباد كل يوم، ومع كل هذا، لا يمل أصحابها من ترديد التبجحات الديمقراطية والليبرالية، وما هي في الحقيقة إلا ستار يخبئ وراء قانون الغاب وأنياب الوحوش، وسموم الأفاعي، وأساليب القهر، التي اتخذوها طريقًا ومنهاجًا، ويستر ما يتوارى خلفه من نيران تصطلى بها الشعوب الآمنة، والبشرية الكادحة التي يأخذون خيرها، ويمتصون دماها، مع أنها لا تكاد تحصل على قوتها إلا بشق الأنفس، وتعيش على ضغوط اجتماعية شديدة الوطأة في مجتمعات غابت فيها الرحمة، وتوفي فيها القانون، ودفنت فيها العدالة وتخلى عنها الرعاة، وعاش الناس كالأيتام على موائد اللئام، نهبًا لكل متوحش يفعل بهم ما يحلو له، وما يشتهي، والناظر في الحقيقة إلى تلك الأوضاع، يجد أن الناس في ظل تلك المناهج الشرود قد رجعوا إلى العصر الحجري، أو عهد ما قبل التاريخ والقانون وعهود ادعاء الألوهيات البشرية، وأزمان الفراعنة والأكاسرة والقياصرة، وأحقاب ما قبل الرسالة، وبعثة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وصدق القائل:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم *** إلا على صنم قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورًا مسخرة *** لكل طاغية في الأرض محتكم
رجعت البشرية في ظل تلك المناهج ورحاب تلك القوى الباغية المخادعة المسيطرة إلى أجواء الفوضوية التي يستباح فيها كل شيء بغير ذنب أو جريرة، ولا تجد نكيرًا أو مجيرًا أو ضميرًا، ولا تجد فرقًا بين قوانين الغاب وحياة الوحوش، وقوانين البشر وعد التهم، وإنما هي ساحات اختلط فيها الحابل بالنابل يأكل القوي في جنباتها الضعيف وتصول وتجول فيها الكواسر وتبرز فيها الأنياب والأظافر، ولا عزاء فيها للضعفاء والمهازيل، وأينما يممت فلا تجد إلا الفزع والحيرة، وارتعاد الفرائص ورعود الشياطين التي أطلقت من عقال.
والحق، أنه يجب أن يتقدم دعاة الإسلام بتعاليمه التي تبهر العالم وتنير الظلمات، ليطبقوا عدالة السماء اليوم، وليس الغد، لتمحو تلك الجاهليات، وتوقف زئير تلك الوحوش لتعيش الإنسانية في أمن وسلام في ظلال رسالة إلهية ونفحات ربانية، ولكن كيف، وفي أي أرض وتحت أي راية؟ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.