العنوان عددهم 3 ملايين.. مسلمو بلغاريا ومعركة استرداد الهوية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 07-مايو-2005
مشاهدات 51
نشر في العدد 1650
نشر في الصفحة 35
السبت 07-مايو-2005
بعيدًا عن الأضواء والسياسة والإعلام يعيش المسلمون في بلغاريا - يمثلون 12% من عدد السكان الإجمالي- في ألم مكبوت ويعانون من تبعات الاضطهاد الذي مورس عليهم في الماضي ولا يزال يلاحقهم في الحاضر.
ورغم أنهم ضحايا الإرهاب الشيوعي -إلا أنهم كبقية المسلمين في العالم- غالبًا ما يوصمون بالإرهاب!
المسلمون في بلغاريا وعلى الرغم من حصولهم على بعض الحقوق السياسية والدينية -حيث سمح لهم في سنة 1994م بفتح بعض المدارس وتكوين الأحزاب والمشاركة في الانتخابات- إلا أنهم لم يستعيدوا بعد أسماءهم الإسلامية التي فرضتها عليهم الشيوعية والتي فقدت حيادها وموقفها الثابت من الدين فبدت أرثوذكسية أكثر منها ملحدة!
في بلوندوف يعيش أكثر من 40 ألف مسلم بلغاري جميعهم يتذكرون ما جرى لهم في سنوات الإبادة الثقافية التي مارستها الشيوعية ضد الإسلام والمسلمين في البلاد، وفي هذا الصدد يقول جوريل أليف رئيس جمعية محلية في بلوندوف: لا تزال ذكرى الصفحات المؤلمة التي لا يمكن طيها بسهولة ماثلة أمام أعيننا والتي اشتدت حملة الاضطهاد فيها بين سنة 1984 و1989 تحت عنوان البعث الوطني، وشملت منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية، وفرضت عليهم أسماء غير إسلامية وطردوا بالجملة، وعن موقف وسائل الإعلام في تلك الحقبة قال: صورت وسائل الإعلام ما يحدث وكأنه رحلة سياحية جماعية.. لقد غادر في تلك الفترة أكثر من نصف مليون مسلم بعد قرار السلطات البلغارية طرد من وصفتهم بالأتراك.
مأساة حقيقية
واعتبرت عمليات الطرد تلك أكبر عملية تهجير جماعي تشهدها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ويقول أليف: كان رحيلنا من بلغاريا مأساة حقيقية لأننا لم نعرف أين سنذهب جاءوا إلينا وقالوا أمامكم 24 ساعة لتغادروا الأراضي البلغارية. وأضاف: «أعطونا جوازات سفر وكانت زوجتي حاملاً خرجنا من بلغاريا وليس معنا سوى بعض الأمتعة الشخصية، فلم نكن ننتظر حصول مأساة من هذا القبيل، وعندما سألناهم لماذا نطرد من أرضنا وبيوتنا وتاريخنا وأسمائنا؟ لم يجيبونا بشيء.
وعن حياة الهجرة قال: «عدت قبل بضع سنوات كانت حياة المسلمين البلغار يرثى لها؛ فالظروف في المنفى صعبة للغاية فعندما تقضي 7 أو 8 سنوات خارج وطنك مضطرًا ثم تعود إليه لتجد منزلك مهدمًا تشعر بأنك شخص غريب. لقد تركت تلك السنوات ندوبًا غائرة وذكريات أليمة في نفوسنا».
في الوقت نفسه تطالب حكيمة هاسمانوفا -وهي محامية مهتمة بالدفاع عن الأقليات تعمل على تعزيز الحياة الديمقراطية ومنع تكرار ما حدث لأهلها في السابق- في مقدمة ما تطالب به في عام 2005 من القرن الحادي والعشرين باستعادة المسلمين لأسمائهم التي أجبروا على تغييرها في الثمانينيات؛ فالمسلمون رغم ذهاب الشيوعية لا يزالون يناضلون لاستعادة أسمائهم وهو وضع لا يوجد مثيل له في العالم، في وقت تدّعي فيه الحكومة البلغارية أنها حكومة ديمقراطية تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في سنة 2007.
وتنتمي حكيمة لحزب سياسي اعتقل الشيوعيون رئيسه وأصبح كتلة برلمانية في أول انتخابات تشهدها بلغاريا سنة 1990، وعن ذلك تقول: ولا تعتبر حركتنا حزبًا عرقيًّا أو طائفيًّا بل تنظيم سياسي يشكل بديلاً عن اليمين واليسار، إنه حزب بديل أو حزب وسط في وقت يعتبر فيه التطرق إلى حقوق المسلمين نوعًا من المحرمات.
الأمل والمعاناة
«سرانتيزا» قرية نائية في جبال روديييس الجنوبية التابعة لإقليم توسبات توي يبلغ عدد سكانها 4 آلاف نسمة، تأسست فيها قبل بضع سنوات ثلاث مدارس إسلامية (بإشراف سعيد موكلو وعبد الله سالي، وهما من خريجي جامعات المملكة العربية السعودية) لتعزيز الهوية الإسلامية لدى السكان في الإقليم، لكنها لم تنج من الاتهامات المغرضة بالإرهاب في إطار الحملة الغربية ضد الإسلام، وإلى جانب رعاية الناشئة المسلمة وتعليمهم مبادئ الإسلام وأصوله وثقافته تقوم هذه المدارس بإقامة دورات للنساء المسلمات وللذين حرموا من تعليم دينهم في الحقبة الشيوعية المظلمة.
ويتردد على الدورات التدريبية مسلمون من مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين، لكن بعض وسائل الإعلام البلغارية المتعصبة لا تفتأ تحرض على هذه المدارس بكونها تخرج أصوليين، وعن هذا تقول فاطمة تشوتشيف: لا يزالون يثيرون الأحقاد ضدنا ويتهموننا بما يفعلونه، لقد نعتوا جارتي بطالبان لأنها محجبة. وقالت امرأة أخرى لم تذكر اسمها: «المفترض أننا نعيش في بلد حر وديمقراطي، الإرهابيون هم الذين يمنعوننا من وضع الحجاب على رؤوسنا».
وفي جنوب بلغاريا يعيش أغلب المسلمين البلغار على الزراعة ويقطن في هذا الجزء من بلغاريا البوماك المسلمون، وجميعهم ممن اعتنق الإسلام، وبومالك -كما يقول محمد صديق مشتقة- من فعل بومادان وتعني بالعربية السعادة ووالد محمد هو من أكبر سكان القرية سنا (لا توجد قبيلة تدعى بوماك في أي بلد آخر) وهي قبيلة متواضعة ومضيافة تحترم الآخرين وتعمل بجدية (قرية مثل هذه نادرة الوجود فعلاً).
لقد تعرضوا في القرن الماضي لأشد أنواع التنكيل، وشدد الحكم الشيوعي الخناق على القرية، وغيّر الأسماء بالقوة وهدم الجوامع والمساجد وعانى السكان من التشرد والمنفى على مرأى ومسمع من العالم.
وتصف أخت محمد: «كان الوضع صعبًا للغاية، لا يمكن الحياة والعيش بدون زوج أو أقارب، لا ندري كيف استطعنا تخطي تلك الفترة الرهيبة»، وفي القرية مقبرة للضحايا الذين قتلوا على يد عناصر الشرطة الشيوعية في السبعينيات وتحديدًا سنة 1973 حيث تشتت شمل العائلة، وهو لا يزال فريسة للخوف حتى اليوم، «أنا خائفة على مصير أقربائي في القرية، أدعو الله ألا تتكرر تلك الأحداث المشؤومة وأن تنعم المنطقة بالسلام الدائم. ما تم كان لا يطاق».
لكن ما يعاني منه البوماك المسلمون هو قيام بعض الجمعيات التنصيرية بمحاولة تنصير شبابهم وهي النتيجة التي تمهد لها إجراءات القمع بحق المسلمين في كل مكان، ولا يزال البوماك يحافظون على ترابطهم الأسري وعلى تقاليدهم في الأعراس والمناسبات، لكن نظرتهم للمستقبل متفائلة ومستعدون للمضي قدمًا في استعادة حريتهم والعودة لجذوره الإسلامية.
مفتي بلغاريا
من جانبها تسعى دار الإفتاء في بلغاريا إلى النهوض بواقع المسلمين الديني بعد عقود طويلة من الظلام الشيوعي والحجر على كل ما هو إسلامي، محاولة مد جسور التفاهم والتعايش مع المحيط الذي يحمل رواسب عقيمة وانطباعات سيئة تعود إلى تكوينه النفسي وفهمه الخاطئ للإسلام وللوجود الإسلامي في بلغاريا، وهو ما يحاول مفتي بلغاريا شخصيًّا معالجته عبر الإعلام الذي صنع صورة الإسلام المعادي أو الخطير.
يقول الشيخ سليم محمد لـ«المجتمع»: هناك بعض الأنشطة الإعلامية التي نحاول القيام بها لتعريف الرأي العام العالمي بنا وبمشكلاتنا، كذلك التعريف بمساجد بلغاريا من خلال محاولات لإصدار نشرة معلوماتية.
وأشار مفتي بلغاريا إلى أن هناك الكثير من المسلمين لا يعرفون دينهم بشكل جيد بحيث إن علاقتهم بعقيدتهم قائمة فقط على التقليد وليس على أساس ديني شامل؛ لذلك وانطلاقًا من هذا الواقع نريد تقديم المساعدة، مؤكدًا أن العهد الشيوعي دمر كل شيء؛ فالشيوعية تعني إلغاء الديانات، وتم تدمير الكثير من المساجد، وإغلاق المدارس الدينية وتم تغييب الكتب الدينية من رفوف المكتبات، إضافة إلى تشويه الدين على أنه فارغ ولا فائدة منه. ولقد نجحوا إلى حد ما في ذلك، فلم يكن بمقدور الإنسان المتدين الحصول على أية فرصة من أجل الترقي في الدولة أو المجتمع، ولا سيما إذا كان مسلمًا.
وأوضح أن الأذى الأكبر الذي ألحق بالبشر من جراء ذلك هو الأذى الروحي، والتحدي الكبير الذي يواجهنا هذه الأيام هو تربية الكثير من الأطفال دينيًّا بعد أن خسر القسم الأكبر من أهلهم لعقود طويلة صلتهم بالدين.
وأضاف الشيخ سليم أنه بعد أحداث 11 سبتمبر حدثت بعض ردود الفعل السيئة؛ فعلى سبيل المثال تم سب النساء اللاتي يرتدين الحجاب بأنهن من أعوان الطالبان، وفي بعض المناطق تم قذف المساجد بالحجارة، وقمنا على إثر ذلك بلقاء الرئيس البلغاري الذي قام بدوره بالتوجه إلى الشعب من خلال وسائل الإعلام، حيث قال إن مثل ردود الفعل هذه مرفوضة على الإطلاق.
بلغاريا في سطور
- يبلغ عدد سكان بلغاريا 8 ملايين نسمة منهم 3 ملايين مسلم، يحدها من الشرق البحر الأسود ومن الغرب صربيا ومن الشمال رومانيا ومن الجنوب تركيا.
- فتحها العثمانيون في سنة 1363م وانفصلت عن الدولة العثمانية في 1908م وأعلنت تكوين المملكة البلغارية.
- انضمت للمحور في الحربين العالميتين الأولى والثانية:
- بعد الحرب العالمية انضمت لحلف وارسو بعد سيطرة الشيوعيين على السلطة.
- أجريت أول انتخابات ديمقراطية في سنة 1990.
- في سنة 1994 سمحت السلطات البلغارية للمسلمين بفتح المدارس والمساجد التي يبلغ عددها حاليًا 1400 مسجد.
- في 16 ديسمبر 1995 تقدمت بطلب العضوية في الاتحاد الأوروبي.
- في يوليو 1997 وافقت اللجنة الأوروبية، وفي ديسمبر من نفس العام وافق الاتحاد الأوروبي على بدء المفاوضات.
- في 15 فبراير 2000 بدأت المفاوضات وانتهت في 15 يونيو 2004.
- في أبريل 2005 سيوقع اتفاق الانضمام وتصبح بلغاريا عضوًا مراقبًا.
- في 1 يناير 2007 ستنضم بلغاريا إلى الاتحاد رغم أن 71٪ من البلغار ليست لهم معرفة جيدة بالاتحاد الأوروبي و20٪ يجهلون كل شيء عن الاتحاد و24٪ معرفتهم نسبية و4٪ فقط يعرفون الاتحاد معرفة جيدة.
- بعد انضمام بلغاريا للاتحاد الأوروبي لن يحدث للمسلمين ما حدث في الماضي، لكن يبقى خطر التنصير ووصم المسلمين بالإرهاب -الموضة السارية في أوروبا قاطبة- مما سيحرم المسلمين من الحريات فيُعتدى على خصوصياتهم ويرهبون إعلاميًّا وثقافيًّا.