; عرفات دخل مهزوما وليس فاتحًا! | مجلة المجتمع

العنوان عرفات دخل مهزوما وليس فاتحًا!

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1107

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 12-يوليو-1994

قرار عرفات بحسم موقفه تجاه دخول منطقة الحكم الذاتي لم يأتِ نتيجة قناعته بأن الأسباب المانعة قد زالت، وإنما جاء نتيجة ضغوط مصرية وإسرائيلية شديدة.

استنكار عام لزيارة عرفات سواء على المستوى الدولي أو على مستوى الفصائل والقوى الفلسطينية فيما عدا وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي، ومصر التي رحبت وأشادت بهذه الخطوة

حسم ياسر عرفات الجدل الواسع حول موعد دخوله إلى منطقة الحكم الذاتي، وتوجه إلى قطاع غزة يوم الجمعة الأول من يوليو الحالي معلنًا بذلك بداية عمل سلطة الحكم الذاتي بشكل فعلي بعد تأجيل استمر أكثر من شهرين.

وعلى الرغم من أن الجميع كان يدرك أن تحديد موعد دخول عرفات هي مسألة فنية يحددها عرفات نفسه إلا أن عملية دخوله إلى منطقة الحكم الذاتي بالصورة التي تمت قد حملت مجموعة من المفاجآت كان أهمها:

1-من حيث التوقيت فاجأ عرفات الجميع حتى الأوساط الفلسطينية المقربة باختيار موعد دخوله إلى منطقة الحكم الذاتي، وقد أحدث ذلك حالة من الإرباك والغموض وحتى التناقض في تصريحات المسئولين الفلسطينيين، ففيما أعلن نبيل شعث قبل يومين من موعد الزيارة أنها ستتم يوم الجمعة الأول من يوليو، سارع عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة ومهندس اتفاق أوسلو محمود عباس (أبو مازن) إلى نفي ذلك مؤكدًا أن موعد الزيارة لم يحدد بعد.

2-كانت جميع التوقعات تشير إلى أن أريحا ستكون المحطة الأولى لدخول عرفات إلى منطقة الحكم الذاتي، وقد اتخذت كافة الإجراءات والاستعدادات بالفعل في أريحا لاستقبال عرفات، ولكن عرفات خالف التوقعات وتوجه إلى قطاع غزة؛ مما اضطر الصحفيين ووسائل الإعلام المختلفة التي احتشدت في أريحا لتغطية الحدث إلى الانتقال على وجه السرعة إلى غزة.

 وهذه المفاجأة ارتبطت بمفاجأة أخرى تمثلت باختيار عرفات لمصر بوابة للعبور إلى الأراضي المحتلة بدلًا من الأردن كما كان معلنًا ومتوقعًا، ولا يستبعد أن يكون السبب في اختيار غزة لتكون المحطة الأولى في الزيارة هي رغبة عرفات في تحاشي المرور عبر بوابة الأردن التي تشكل المعبر الطبيعي لأريحا، وقد حمل اختيار عرفات للبوابة المصرية كمحطة دخول أكثر من مغزى سياسي، ورأى فيها المراقبون مؤشرًا على حالة التوتر غير المعلن التي تسود العلاقات بين الأردن وقيادة المنظمة.

3 -أكد عرفات باستمرار رغبته بالتوجه لزيارة القدس فور دخوله إلى الأراضي المحتلة، وهو ما لم يتحقق بالطبع، بسبب المعارضة الشديدة من قبل الأحزاب اليمينية والضغوط التي مارستها للحيلولة دون حدوث مثل هذه الزيارة، والتهديدات التي صدرت بتصفية عرفات إذا ما أقدم على ذلك، فضلًا عن حرص رابين على عدم استفزاز اليمين الإسرائيلي والدخول في مواجهة معه في هذه المرحلة، فإن عرفات قد أدرك حجم الخطر الذي يمكن أن يكتنف مثل هذه الزيارة.

٤ - كان عرفات يحرص على أن يدخل إلى الأراضي المحتلة وسط بريق إعلامي وبمرافقة القيادات البارزة في المنظمة وحركة فتح وخصوصًا محمود عباس (أبو مازن) وفاروق القدومي-رئيس الدائرة السياسية.. بل إنه كان يسعى إلى أن يصطحب معه في دخوله رفات القائدين خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد)، ولكن رغبة عرفات لم تتحقق بسبب رفض أبو مازن والقدومي مرافقته إلى غزة، وكذلك رفض الإسرائيليين بالسماح له باصطحاب رفات القائدين الفلسطينيين، ولم يرافق عرفات في موكب دخوله إلى غزة سوى شخصيتين غير بارزتين هما زكريا الأغا-عضو السلطة الفلسطينية، وأحد شخصيات الداخل وهو من حركة فتح - إضافة إلى مستشاره مروان كنفاني.

5- وعلى مستوى الاستقبال الشعبي فقد كان الأمر مفاجئًا حتى لعرفات نفسه الذي كان يتوقع استقبالًا ضخمًا وحفاوة بالغة تليق بحجم الحدث، وقد اكتفت وكالات الأنباء بالإشارة إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين كانوا في استقبال عرفات دون أن تقدر رقمًا محددًا، ومع الإشارة إلى أن قسمًا كبيرًا من المواطنين قد شاركوا بدافع الفضول وحب الاستطلاع، كما ذكر الدكتور محمود الزهار- أحد زعماء حركة حماس في قطاع غزة، فإن التقديرات المحايدة لعدد المستقبلين تشير إلى أنهم لم يتجاوزوا العشرين ألفًا على أكثر تقدير، في حين كانت المصادر المحايدة قد قدرت عدد المشاركين في التظاهرة التي نظمتها حركة حماس قبل أسبوعين احتجاجًا على استشهاد أحد أفرادها (ناصر صلوحة) على أيدي عائلة أحد العملاء بخمسين ألفًا، وقدرتها مصادر حماس بأكثر من سبعين ألفًا.

وهذا الاستقبال الفاتر وغير المتوقع لياسر عرفات هو مؤشر على حالة الاستياء السائدة في أوساط الفلسطينيين الذين باتوا يحكمون على الأمور من خلال النتائج العملية على أرض الواقع، وليس من خلال الوعود التي أسرف قادة المنظمة في تقديمها، ثم عادوا يحملون خفي حنين.

عرفات.. لماذا التأخير؟

مماطلة عرفات وتأجيله المتكرر لموعد توجهه إلى الأراضي المحتلة كانت هي القضية المحيرة، والتي سيطرت على اهتمامات الأوساط المتابعة لتطورات العملية التفاوضية، وقد أحدث هذا التأخير حالة من البلبلة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء؛ حيث انتقد محمود عباس (أبو مازن) مماطلة عرفات في دخول منطقة الحكم الذاتي، وقال: إنه كان ينبغي على عرفات التوجه فورًا إليها فور توقيع اتفاق القاهرة الأخير.

ولعل أهم الأسباب التي دفعت عرفات إلى تأخير دخوله إلى منطقة الحكم الذاتي تكمن في الأسباب الثلاثة التالية:

۱ - أسباب اقتصادية: حيث أن عرفات كان يرغب في استغلال عملية المماطلة والتأجيل للضغط على الدول المانحة للمساعدات من أجل تحويل المبالغ التي وافقت على تقديمها لمناطق الحكم الذاتي، وقد ركز الجانب الفلسطيني ووسائل الإعلام المختلفة على هذا السبب كعائق رئيسي أمام دخول عرفات.

2- أسباب أمنية: فقد ساهمت تهديدات بعض الحركات والأحزاب الإسرائيلية، وكذلك فتاوى بعض الحاخامات اليهود المطالبة بقتل عرفات في زيادة مخاوفه من احتمالات التعرض لمحاولات اغتيال، وتصفية جسدية على أيدي إسرائيليين أو فلسطينيين، وكانت إحدى الصحف الإسرائيلية قد نشرت مقالًا يتضمن إرشادات وتعليمات حول طريقة قتل عرفات. وقد جاء نفي السلطة الفلسطينية لوجود محاولة اغتيال لعرفات أثناء دخوله إلى قطاع غزة ليعزز هذه المخاوف، وعلى الرغم من هذا النفي الرسمي فإن العميد صائب العاجز-من قيادات الشرطة الفلسطينية في القطاع-أعلن أن الشرطة اعتقلت بطريقة الخطأ فلسطينيًّا اشتبه بحمله للسلاح في آلة تصوير

3- قضية المعتقلين: لا نبالغ إذا قلنا: إن السبب الرئيسي في تردد ياسر عرفات في الدخول إلى منطقة الحكم الذاتي يتمثل في حالة الغضب وعدم الرضى التي سادت في وسط الفلسطينيين، بسبب استمرار مشكلة المعتقلين وعدم التوصل إلى حل بشأنها.. وقد أشارت بعض المصادر إلى أن عرفات كان يرغب بأن يتم الإفراج عنهم؛ وخصوصًا الشيخ أحمد ياسين مع دخوله إلى غزة للخروج من حالة الاحتقان الشعبي، وتهيئة الأجواء لاستقبال لائق له. وأمام فشله في إقناع الإسرائيليين بالإفراج عن دفعات كبيرة من الفلسطينيين وجد عرفات نفسه مضطرًا لأن يركز على قضية المعتقلين، ويجعلها النقطة الأبرز في خطابه الذي ألقاه في حفل الاستقبال، وأكد فيه حرصه على الإفراج عن جميع المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين الذي أشار إليه عدة مرات في خطابه، في محاولة على ما يبدو لتخفيف ردود فعل حركة حماس. والسؤال المطروح هو: هل تم تجاوز العقبات الثلاث السابقة، فاقتنع عرفات بضرورة التوجه إلى منطقة الحكم الذاتي، أم أن ثمة عوامل أخرى دفعته للإقدام على هذه الخطوة المفاجئة؟ فتصريحات عرفات في مخيم «جباليا» في اليوم الثاني لزيارته، أكد عدم حدوث تحول في موقف الدول المانحة التي ما تزال مترددة في تقديم الدعم مباشرة إلى سلطة الحكم الذاتي، وتفضل تقديمه إلى مؤسسات محايدة، تضمن عدم استغلاله في شراء الولاءات، كما حدث بالنسبة لمليارات الدولارات التي كانت تمتلكها المنظمة، وبالنسبة للأوضاع الأمنية فلم يحدث تغير كبير في هذا المجال، كما أن قضية المعتقلين بقيت عالقة دون حل.

إذن فقرار عرفات بحسم موقفه تجاه دخول منطقة الحكم الذاتي لم يأتِ نتيجة قناعته بأن الدوافع والأسباب المانعة قد زالت، وإنما جاء نتيجة ضغوط مصرية وإسرائيلية شديدة؛ حيث إن المسئولين الإسرائيليين قد عبروا عن استيائهم من استمرار عرفات في التهرب من دخول منطقة الحكم الذاتي، وسبب هذا الاستياء الإسرائيلي وربما الأمريكي أيضًا أن عمل السلطة الفلسطينية سيبقى مجمدًا حتى دخول عرفات، وقد لعب الرئيس المصري دورًا كبيرًا في إقناع عرفات بالإقدام على هذه الخطوة.

ردود الفعل على الزيارة

تفاوتت ردود الفعل على زيارة عرفات التي لم يتأكد حتى الآن هل هي مجرد زيارة يطلع فيها عرفات على الأوضاع في قطاع غزة وأريحا أم أنها عودة نهائية إلى الأراضي المحتلة. فعلى المستوى الدولي لم يكن هناك ردود فعل إيجابية أو سلبية تذكر على زيارة عرفات باستثناء ترحيب وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر بهذه الزيارة، أما الدول العربية فقد التزمت هي أيضًا الصمت ولم تعلق على الزيارة باستثناء مصر التي رحبت وأشادت بهذه الخطوة، وكذلك رحب الأردن على لسان وزير الإعلام بعودة عرفات، والذي اعتبر ذلك تطورًا مهمًا جدًّا مضيفًا: «أن مقدار أهميته وحيويته يعتمد على نوعية النتائج التي سيحدثها فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية»، وفي محاولة لإخفاء مشاعر عدم الرضى عن اختيار عرفات لمصر محطة لعبوره إلى مناطق الحكم الذاتي قال وزير الإعلام الأردني: «إنه من الطبيعي أن يختار عرفات الذهاب إلى غزة وليس أريحا في هذه المرحلة تحديدًا، بسبب كون القطاع الذي يكتظ بالسكان، ويقع شمال سيناء جزءًا مهمًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة». وعلى الرغم من أن سوريا لم تعلق على زيارة عرفات عبر وسائل إعلامها الرسمية، فقد وجهت الصحافة السورية انتقادات للزيارة، وقام التلفزيون السوري بنقل بعض تلك الانتقادات دون الإشارة إلى أي موقف رسمي سوري، ويبدو أن المسئولين السوريين قد فضلوا تركيز انتقاداتهم على الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية وتجنب النقد الشخصي الموجه إلى عرفات. أما على مستوى الفصائل والقوى الفلسطينية، فقد أدانت التنظيمات الفلسطينية المعارضة لاتفاقات الحكم الذاتي هذه الزيارة التي وصفتها حركة حماس على لسان ممثلها في سوريا أبو محمد مصطفى بأنها «مؤلمة ومحزنة؛ إذ إن هذا الدخول يحصل بإذن إسرائيلي وحماية إسرائيلية»، وأشار الناطق الرسمي لحماس إبراهيم غوشه إلى أن عرفات «لم يدخل فلسطين محررًا، إنما كان واضحًا أنه دخل بإذن رسمي من رئيس الوزراء الإسرائيلي» وأضاف غوشه: «عندما يستقر عرفات في قطاع غزة سيظهر للشعب الفلسطيني أن ليس هناك مكاسب». واستنكرت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين عودة عرفات التي تمت «تحت حماية الحراب الإسرائيلية» على حد قول الدكتور فتحي الشقاقي زعيم الحركة. وأدانت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين زيارة عرفات التي وصفها أبو أحمد فؤاد-عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية-بأنها «مذلة». ولكن أشد ردود الفعل صدرت عن المسئول الفتحاوي المنشق عن حركة فتح منير مقدح-مسئول فتح السابق في لبنان-، والذي دعا كل فلسطيني شريف إلى أن يفجر نفسه بعرفات؛ لأن ذلك سيؤدي إلى هزيمة المشروع الصهيوني على حد قوله، وأضاف مقدح أن زيارة عرفات إلى غزة هي زيارة رجل عادي «لن يدخلها منتصرًا ولا فاتحًا؛ بل مهزومًا يخضع للتفتيش والتحقيق عند الحواجز الإسرائيلية».

لقد اختار عرفات طريق التنازل والإذعان للشروط الإسرائيلية التي لم تتوقف عند حد، لذلك كان من الطبيعي والمنطقي أن يأتي دخوله إلى فلسطين المحتلة باهتًا، فهل كان عرفات وأعوانه يتوقعون غير هذا الاستقبال من الشعب الفلسطيني الذي تأكد له أن قيادته المزعومة لم تعد قادرة على تحقيق طموحه وآماله، وهمها الأول إرضاء المسئولين الإسرائيليين والحفاظ على أمنهم.

سواء أقام عرفات في غزة أو أريحا، وسواء كانت زيارته عابرة أم إقامة دائمة؛ فإن كل ذلك لم يعد مهمًا، وهي لا تعدو كونها أمورًا شكليةً لا تعني الشعب الفلسطيني من قريب أو بعيد، فقد أصبح عرفات الآن في مواجهة التحديات، ولعل الاختبار الأول الذي تمثل في عزوف مئات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة عن الخروج لاستقباله، قد أكد له أن الوعود لم تعد تكفي لخداع الفلسطينيين الذين لن يكون سهلًا شراء ولائهم وتأييدهم، كما كان الحال في المنظمة.

الرابط المختصر :